كثيرًا ما تقابلنا صور «فقراء» الهنود الذين يقضون حياتهم يعانون ألوانًا من تعذيب نفوسهم ابتغاء طهارة أرواحهم، والصعود بها إلى عالم «النرفانا» لتتصل بالملأ الأعلى، ولتكون بعض الروح المسيطر على هذا الكون كله والمصرف له. هؤلاء «الفقراء» تعلموا أن الحياة شر بما فيها من ملاذ وشهوات ومرض وموت، وأن لا سبيل إلى الاستعلاء على هذا الشر، إلا بقتل أصوله في النفس، وبالقضاء على أسباب الرغبة والمرض والموت بأن يحيلوا — فيما يعتقدون — جسمهم روحًا يخلد ويبقى في خلده بمنجاة من شر الحياة، وهم في هذه السبيل يخضعون نفوسهم لطقوس من تضحية بما في الحياة مما يحسبه غيرهم نعمة الحياة وسعادتها، ولصور من الألم يرى كثير غيرهم من الفلاسفة أن جهاد الإنسان في الحياة يجب أن يتجه لاتقائها، فإذا نجح «الفقير» في التغلب على رغائبه، ووصل من ذلك إلى هزال الجسم، وهذيان العقل والفناء الدنيوي اعتبر عند أقرانه وزملائه مثلًا أعلى يقدسونه، ويسبحون بحمده، ويرون العجز عن احتذاء مثاله ضعفًا في الحياة يجب أن يأسف له الإنسان، وأن يعتبره نقصًا قعد به عن التغلب على شر الحياة.

وفي رأي الفيلسوف الألماني نيتشه أن هذه الصورة من المثل الأعلى ليست إلا حماقة وسخفًا، وأن المثل الأعلى الحق هو في قوة الغلب والاستعلاء. أليس النضال أس الحياة؟ أليست ذرات الوجود في دائم تفانيها وتجددها في حركة مستمرة ونضال لا نهاية له؟ فقصر النفس على هجر النضال مقدمة لهجر الحياة، اعتقادًا بأن في ذلك ما يحقق السعادة، سخف وحماقة، وإنما الحق أن تجاهد، وتجاهد، وتجاهد، وإنما المثل الأعلى أن تصل من جهادك للتغلب على غيرك والاستيلاء عليه، ولا تثريب عليك بعد ذلك إن رأيته ضعيفًا أن تدوسه بقدمك، وأن تقضي عليه القضاء الأخير حتى لا يبقى على الأرض غير الأقوياء الصالحين للنضال في الحياة نضالًا قويًّا عنيفًا.

بين هاتين الصورتين المتناقضتين من صور المثل الأعلى في الحياة، عدد لا يحصى من ألوان وصور أخرى، وإلى جانب هاتين الصورتين صور تختلف عنهما وقد لا تتصل بهما في قليل ولا كثير، فمما بينهما من الصور هذا الذي تراه أعيننا كل يوم ذلك الفلاح يستيقظ في الصباح وقبل مطلع الشمس، فيذهب إلى المسجد يؤدي فيه إلى الله فرضه، ويذهب بعد ذلك يعمل في مزرعته قانعًا بالرزق الذي قسمه الله له، فإذا جاء الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء أدى فيها فروضها وسننها وشعر بأكبر السعادة لهذا، واعتبره غاية التقوى، وخير الزاد هو التقوى، وذلك الفلاح يستيقظ في الصباح فيسرع إلى أداء فرضه، ثم إلى مزرعته يظل طول نهاره، وشطرًا من ليله يقلب فيها، يريد أن يستنبتها كل ما تستطيع إنباته؛ ليزيد من عمله في ثروته، وليوسع في رزقه، وليكون بذلك شاكرًا لله على نعمته، ولئن شكرتم لأزيدنكم، وهذا الشخص الثالث يكفيه أن يزيد في ثروته، ويبتغي إلى جانب الثروة جاهًا وبعد صوت، يفضلهما على الثروة التي كانت وسيلة لهما «لأن الصيت خير من الغنى»، وهذا الرابع الغني الوجيه البعيد الصوت لا يكفيه ماله من ذلك كله، ويرى في الحياة شيئًا آخر هو الجمال يريد أن يستمتع به، ويرى في ذلك الاستمتاع غاية، ومما إلى جانب تينك الصورتين من صور ما يراه مثلًا أعلى جماعة الذين لا يعنون بالمال لذاته ولا بالجاه لذاته ولا بالتقوى لذاتها، وإنما هم يرون في فيض مواهب الفرد على الجماعة فيضًا مخلصًا قد تكون له ثمراته من مال وجاه ومجد، ولكنها غير مقصودة لذاتها، وغير مقصودة أن تجيء في الحياة أو بعد الموت، وهؤلاء هم رجال الفن المحبون لفنهم، المخلصون له، المترفعون عن الاتجار به، وأقصد برجال الفن هنا معنى أوسع بكثير مما يراد بهذه الكلمة حين التحدث عن الفنون الجميلة. أقصد بهم كل عامل يحب عمله ويخلص له، فيهم أحشر العلماء الذين يحبون عملهم ويفتنّون فيه، وأرباب الفنون الجميلة طبعًا، بل أحشر أيضًا الصناع المحبين لصناعاتهم المفتنّين فيها، هؤلاء جميعًا يرون المثل الأعلى في إتقان ما يحبون من فنونهم، وفي مواصلة العمل، لبلوغ درجة الإتقان هذه، ولقد تقتصر مداومة العمل عند مداومة التفكير في الغاية التي يقصدون إليها، وقد تكون الثمرات التي ينتجونها قليلة غاية القلة، لكنك إذ تراها ترى فيها ظاهرة هي التي تدلك على أن صاحبها قصد بها إلى بلوغ المثل الأعلى، هذه الظاهرة هي حب العامل عمله حبًّا وصل به إلى إنتاج هذه الثمرة، وهذا الحب تراه واضحًا متجليًا في المذهب الفلسفي الذي يعرضه الفيلسوف، وفي القصة الشعرية التي يفيض بها الإلهام على براعة الشاعر، وفي القصة التي يكتبها الكاتب، وفي قطعة الحجر النفيس التي نفشها الصائغ، وفي العصا التي جمّل الصانع يدها، وفي كل ثمرة من الثمرات التي تدفع بالحياة للتقدم إلى ناحية الكمال، والتي تبعث إليها روحًا جديدًا من فيض الجمال.

أحسب أن المثل الأعلى في هذه الصور الأخيرة أقرب إلى تحقيق معنى هذه الكلمة، مما يصنع «الفقير» الذي يريد أن يتغلب على الحياة بالسمو فوق الحياة، ومما يصنع المناضل فهو يريد أن يتغلب على الحياة بالتغلب على أمثاله في الحياة، والمثل الأعلى في هذه الصورة الأخيرة، يسلك السبيل إلى غايته عن طريق العمل، وحب هذا العمل، والحب هو السر في هذا المثل الأعلى الذي نصل إليه، هو الذي يفيض على عملنا، كما يفيض على الحياة كلها نورًا وجمالًا يرتفعان بها فوق «النرفانا» وفوق الغلب في النضال، وفوق كل معنى آخر يعتبره الأكثرون ساميًا.

وأنت إذا حللت هذا الحب للعمل حبًّا ينسيك نفسك في عملك، ويدفعك لتطلب غاية ما يصل إليه العمل من كمال وجمال لرأيت فيه هذين المعنيين: معنى النرفانا — أو الفناء في الروح العام وفي وحدة الوجود — ومعنى الغلب والتفوق، ولكنك تجد فيه هذين المعنيين ماثلين في صورة سامية جميلة تتألق نورًا وسنًا. أليست ثمرة العمل الذي يحبه صاحبه ما تكاد تخرج من بين يديه حتى تصبح ثروة جديدة للعالم وللإنسانية، ومعنى جديدًا من معاني السعادة في الحياة؟ فهي إذن ثمرة «غيرية» كل ما لصاحبها منها فضل إنتاجها، والعالم إذ يستمتع اليوم بهذا التراث الخالد من فلسفة أفلاطون وسقراط وديكارت وكمت وبرجسن، ومن تصوير رفايل ومكلنج وروبنص، ومن موسيقى بتهوفن وفاجنر وموتزار وفردي، ومن شعر امرئ القيس والمتنبي وفرجيل ودانت وشكسبير وملتن وراسين ولامارتين، ومن أدب فولتير وروسو وجيتي ولا بروبير ولوي، ومن صناعات الصناع المتفننين، وآثار المغنين والممثلين ممن أحبوا عملهم فبلغوا به حد الإتقان، وإن كلفهم ذلك من الجهود والعناء ما كلفهم، وإن أقعدهم في ضيق الفقر والمرض، فالعالم إذ يستمتع بهذا التراث الخالد، إنما يستمتع بآثار المثل العليا مما أنتج العمل وحُب العمل، بينما هؤلاء الفلاسفة والشعراء والكتاب والموسيقيون والممثلون كانوا لا يصبون إلى شيء مما يطمع فيه غيرهم من مال أو جاه أو بعد صوت أو مجد؛ وإنما عرفت أسماؤهم الجاه والمجد وبعد الصوت، وعرف بعضهم الثراء والرخاء؛ لأن ذلك كله جاء عفوًا، وثمرة لاعتراف الإنسانية بجميل هؤلاء عليها بما خلفوا وراءهم من أسباب سعادتها، وزيادة متاعها بالحياة.

على أن في هذه الثمرات «الغيرية» للذين يحبون عملهم حبًّا صادقًا معنى النرفانا ومعنى التغلب والتفوق، وإن لم يقصد هؤلاء إلى أي من هذين المعنيين لذاتهما، فيه من النرفانا نسيان العامل نفسه في عمله وسموه به؛ ليصل إلى درجة الكمال في جمال الكون، وليكون بذلك بضعة من الروح العام في وحدة الوجود، وفيه معنى التفوق لسموه على ما سبقه، ولتقدمه بالإنسانية خطوة إلى الأمام، لكن الدافع إليه يخالف دافع «الفقير» والآخذ بمذهب نيتشه، فالفقير الزاهد في الحياة المتخلي عنها يضرب للناس مثلًا في هذا الصنف من العيش علهم يحتذون مثاله فيتخلون عن الحياة، أما العامل المحب لعمله فيريد أن يزداد الناس بالحياة استمتاعًا، والقراء جميعًا يذكرون أن الموسيقي العظيم بيتهوفن كان في قرارة فقره ومرضه دائم التوجه، ليضع للناس لحن المسرة يهبط به إليهم من عالم السماوات، فهو وأمثاله من النوابغ الطامحين للمُثل العليا عن طريق حب العمل، يحبون الحياة، ويحبون للناس أن يزدادوا شعورًا بنعيمها وحرصًا عليها، والآخذ بمذهب نيتشة يريد الغلب للغلب والتفوق للتفوق. أما صاحب المثل الأعلى عن طريق العمل المحبوب فهو يصل للتغلب وللتفوق لا لأنه يريدهما؛ ولكن لأن حبه لعمله، وسعيه في سبيل المثل الأعلى، واتجاهه نحو الكمال؛ يسمو به فوق غيره من الآثرين الذين يطمعون في نعيم ذواتهم، سموًّا يجعله يتغلب عليهم غلبًا تبدو آثاره سواء في حياته، أو بعد مماته.

إن المُثل العليا إذن هي ثمرات العمل المحبوب الذي يخلص له صاحبه. على أن الناس قد اعتادوا حتى في المثل العليا، أن يجعلوها طوائف ومراتب، وأن يجعلوا بعضها فوق بعض درجات. فهذا الصانع المتقن عمله لا يقف في تقديره للمثل العليا الموقف الذي يقفه العالم أو الفيلسوف أو الفنان أو الشاعر أو الكاتب، ذلك بأنه وإن قصد كمال الجمال، إلا أنه يقصده في دائرة محدودة، وفي زاوية من نواحي حياة الوجود. فأما الذين يسمو بهم تفكيرهم وخيالهم إلى الإحاطة بالعالم كله، ليرسموا لأنفسهم منه صورة يريدون أن يطبعوها في نفس الإنسانية، وأن يحملوها على الإيمان بها، فأولئك ينظر إليهم العالم بغير العين التي ينظر بها إلى غيرهم، ولعلك تراه ينظر إلى رجال الفن في النقش، والتصوير، والموسيقى، والشعر، والأدب فيحلهم من المثل العليا في الدرج الأول به والمكان الأرفع، وينظر إلى ثمراتهم نظرات إعجاب وتقديس أكثر مما ينظر بالإعجاب والتقديس لثمرات أعمال غيرهم، والسر في ذلك أن هؤلاء يحلون عليه ما يعتقدونه كمال الحياة وجمالها في صور ذات بهاء وروعة تخلب لبه، وتملك قلبه، وتنسيه نفسه كما أنست الباحثين عنها أنفسهم حين هبط عليهم فيض وحيها فنًّا مقروءًا أو مسموعًا أو منظورًا.

وسواء أكان الناس على حق في الدرجات التي يضعون فيها المثل العليا، أم لم يكونوا، فإن هذه المثل العليا جميعًا تستحق الإعجاب والتقديس، كما يستحقهما حب العمل والإخلاص للغاية السامية إخلاصًا صادقًا. فهذا الحب وهذا الإخلاص هما أثمن ما في الحياة، هما مفتاح سر ما في الحياة، بل ما في الوجود كله من كمال وجمال، وبهما تستطيع الإنسانية التقدم إلى هذين: الكمال والجمال، وهما أنبل غاياتها وأسمى منازلها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.