دخل الصالون مع صاحبه، فقابلتهما مدام ماريون وصافحهما ولدها ماكس، وأقبلت ترحِّب بهما ابنتها جيزيل. أما الأم فامرأة في الخمسين من عمرها قصيرة القامة ذاتُ وجهٍ كثرت فيه التجاعيدُ، وشعرٍ دبَّ فيه الشيب، وعينين برَّاقتين ينبئان عن نشاط وذكاء. وأما الابن فشاب في السابعة والعشرين من عمره، جميل الوجه قصير القامة كثير الحركات خفيف الروح، فهو المثال الحي لما يسمونه «الباريزيانزم». وأما الابنة ففتاة أطول من أخيها قامةً، ولكنها أقل منه جمالًا، كثيرة الحركات والكلام، إذا أصغى لها السامع ساعةً يناله منها ما يصدع الرأس. ثم أمسكت مدام ماريون بيده وقدَّمَتْه للحاضرين قائلة: «أقدِّم لكم شابًّا مصريًّا وفد إلى باريس منذ خمسة أشهر طلبًا للعلم، شابًّا زكيَّ الفؤاد كريمَ الأخلاق …» فقطع عليها حديثها شاكرًا، وقدَّمَتْ إليه الحاضرين وكانوا ثمانية: مدام همري، وهي امرأة تناهز الخامسة والأربعين، طويلة القامة، بدينة الجسم، بيضاء الوجه، إذا تفرست في وجهها نطقت معارفُه بما اتَّصفَتْ به هذه السيدة من الخصال؛ كشرازة الخلق، وعدم المبالاة بالنتائج الوخيمة، والإقدام على كل وسيلة تنيلها غايتَها، وعدم الاكتراث بالشرف والطهارة، وابنتها الكبرى ماري، وهي أشبه الناس بأمها وجهًا وأخلاقًا، وابنتها الوسطى مارجريت، وهي فتاة نحيفة القوام، طويلة القامة، سوداء الشعر، ذات وجه تقرأ فيه آيات الجمال والألم، وعينين جميلتين يفعل سحرهما بالقلب ما تفعله الكهرباء بالأجسام، تراها كثيرةَ التفكير، تنفر من الناس إذا دنا منها أحد، فكأنها قصيدة من الشعر الوجداني، وصورة للجمال الطاهر رسمَتْها يد الحزن والآلام، وابنتها الثالثة إيفون، كانت دون الحُلُم ترقص مع الراقصين، وتضحك مع الضاحكين، وهي لا تعرف شيئًا بعدُ من أسرار المجتمع الإنساني، أما صديقتهن مدام لوشيا فامرأة في الأربعين من عمرها، تمشي على آثار صديقتها مدام همري في كل ما تفعل، وتحذو حذوها سرًّا وعلانيةً. أما الرجال فثلاثة من بولندا: الأول مسيو روسيسكي نزيل مدام ماريون، والاثنان الآخَران مسيو كرينسكي ومسيو يفلوفسكي صديقاه.

ما أجمل هذه الحفلة التي لا يزيد عدد رجالها ونسائها عن اثني عشر، حفلة عائلية يتآخَى فيها الرجال والنساء، وتُرفَع الكلفة، وأمثال هذه الحفلات كثير في باريس، تكاد لا تخلو منها دار أو نُزُل.

جلس حسن مع الجالسين، وضحك مع الضاحكين، ورقص مع الراقصين، ثم جلس ليستريح قليلًا وكان قد رقص مع المدموازيل جيزيل والمداموزيل ماري والمدموازيل إيفون، وأوقعه سوء حظه بين يدَيْ مدام همري ومدام لوشيا، فرقص معهما، ثم نال منه التعب، فجلس في ركن من أركان الغرفة، وإذا به يرى مدموازيل مرجريت في ركن آخَر تقلِّب بين يديها صفحات كتاب صغير، فنظر إليها طويلًا، وودَّ أن يغادر مكانه ليدانيها ويُحادِثها، ويعلم تلك الجاذبية التي كانت تدفعه لتلك الفتاة.

رآها تقرأ، ثم تطيل التفكير، فعلم أنها لم تمسك بالكتاب في يدها إلا لتفكِّر، أو لتعمد للسكون والوحدة؛ حتى لا يعكِّر صفاءها مَن يودُّ الرقص معها، وكان الجميع يتهافتون على ذلك، أما حسن فقد احترم إرادتها، وظل ساكنًا في مكانه ينظر إليها، وقد اكتفى بنظراته الطويلة، وودَّ من صميم فؤاده أن يطول جلوسها ليمتِّع عينَيْه بجمالها الطاهر وتلك الصورة الحديثة التي رسمَتْها يدُ الألم على وجهها الجميل، وإذا بمدام ماريون قد اقتربت منه وقالت: يا لك من كسلان، أَلَا ترى الجميع يرقصون؟

ثم التفتَتْ إلى مرجريت وقالت لها: «وأنتِ أيضًا، ما هذا الكتاب الذي تقرئين؟» وانتزعَتِ الكتابَ من يدها وهي تضحك، ثم خاطبَتِ الاثنين قائلة: «إلى الرقص، إلى الرقص، حالًا.» فقام حسن وقامت مرجريت، ومشى إليها وهو يتعثَّر في مشيته، ورقص معها رقصة «الفالس»، ثم جلس بجوارها وتحادَثَا سويًّا فقال لها: يظهر لي أن المدموازيل تحب آدابَ اللغة الإفرنسية، لقد شاهدتُها مند حين تقرأ روايةَ أنديانا للكاتبة الشهيرة جورج صاند.

– لا تقل يا سيدي إني أحب آداب اللغة الإفرنسية، بل قل إني أحب منها ما يساير أهوائي، لقد كنتُ أقرأ أنديانا منذ حين، ولقد قرأتها قبل ذلك كثيرًا، ولقد وجدتُ فيها ما طوعَتْ لي النفسُ قراءتَه، وفي ذلك ما يبعثني على تلاوتها مرارًا.

– وأنا أيضًا أحب تلك الرواية حبًّا جمًّا، لقد قرأتها منذ شهرين، ولا أُخفِي عليك أني معجب بأخلاق أنديانا.

– معذرة إذا خالفتُ رأيك؛ لأني لا أعجب إلا بأخلاق السير رالف، وكنتُ أودُّ أن تسمِّي جورج صاند روايتَها «السير رالف» …

وإذا بالمدموازيل ماري قد أقبلَتْ عليهما وهي تقول: أنبأَتْني جيزيل يا مسيو حسن أنك تملك آلة فوتوغرافية ذات عدسة من نوع «زيس»، فهل هذا صحيح؟

– هذا صحيح يا مدموازيل.

فصفَّقت بيدَيْها فرحًا وقالت لأختها: ما رأيك يا مرجريت، ما رأيك في ذلك؟

فابتسمَتْ مرجريت ولم تُجِبْ، ونادت ماري أمها قائلةً: ماما، ماما، إني أقترح عليكِ شيئًا، المسيو حسن يملك آلة فوتوغرافية، فهل يجود علينا بزيارته غدًا أو بعد غدٍ ليصوِّرنا؟

فأجابتها أمها: يا حبذا لو صحت عزيمته على ذلك، اليوم يوم الأحد، وغدًا سنذهب جميعًا لزيارة أسرة تيري، وبعد غد سأذهب لزيارة أصدقاء آخَرين، فهل يتكرَّم علينا المسيو حسن بزيارتنا يوم الثلاثاء.

فأجابها حسن وهو يبسم: هذا جل ما أتمنَّاه يا مدام.

فصفَّقت الصغيرة إيفون بيدَيْها، وطافت أركان الغرفة وهي ترقص وتقول: سيصورنا بعد يومين، سيصورنا بعد يومين.

وعُزِفت الموسيقى، فهبَّ الجميع للرقص، وكانت الآنسة ماري من نصيب حسن، فلما خاصَرَها قالت له في أذنه: «ما أجمل عينيك!» فأدهشته تلك الجملة، فنظر إليها نظرةَ الحائر، ولم يُجِبْ بحرف واحد، فسكتت أيضًا ولكنها كانت تبتسم له كلما وقع بصره على عينيها، ثم انتهت تلك الرقصة وتفرَّقوا في أنحاء الغرفة ليستريحوا، ومكثوا هنيهة وهم لا ينطقون ببنت شفة، وطال سكوتهم، فهمَّ البولندي كرنسكي من مكانه، واقترح عليهم أن يلعبوا لعبةً تكون ختام الحفلة، فأقرَّ الجميع لعبةً تشبه لعبة «استغماية» التي يلعبها الأطفال في مصر، وانتخبوا من بينهم ملكًا جلس على كرسي، وكان الانتخاب من نصيب روسبيسكي، أما كرنسكي فكان من نصيبه أن يجلس بين يدي الملك وهو مغمض العينين، ثم يمد يده فيصافحه الجميع، فيسأله الملك: «ماذا تريد أن تفعل بمَن صافحَكَ؟» فيجيب بما يرتئيه دون أن يعرف الشخص الذي صافحه. فلما صافحَتْه مدام ماريون سأله الملك سؤاله فأجابه: «يقبِّل هذا الشخص جدرانَ الغرفة.» وما زال يُصدِر كرينسكي أحكامَه إلى أن أتى دور بفلوفسكي، فإذا به يحادث كرينسكي بالبولونية قبل أن يصافحه، ولم يلاحظ ذلك غير حسن، ثم صافَحَه، فقال الملك: «ماذا تريد أن تفعل بهذا الشخص؟» فأجاب كرينسكي: «يقبِّل المدموازيل مرجريت.» ففهم حسن سر ذلك، وسكت وهو يكتم غيظه، وقام الجميع لتنفيذ الأحكام، وقبَّلَ بفلوفسكي مرجريت، فأزاحت عنه رأسها قليلًا فوقعت القبلة على شعرها، واكفهرَّ وجه حسن ولاحَظَ صاحبه ألبير ذلك، فأسر له تلك الجملة: «يا صديقي المسكين.» فابتسم حسن ابتسامة الحزين البائس، ونظرت مدام همري في ساعتها وقالت: لقد آنَ الرحيل. وخرجوا جميعًا بعد أن ودَّعوا أسرة ماريون، فلما وصلوا إلى الشارع صافَحَهم حسن، فقالت له ماري: لا تنسَ أن تزورنا يومَ الثلاثاء.

فأجابها حسن: سأكون في الميعاد يا مدموازيل.

وسار في طريقه مع صديقه ألبير، وظلَّا ساكتين هنيهة، ثم قال ألبير: ماذا حلَّ بك أيها الصديق؟ لماذا لا تتكلم؟

– لقد تملَّكَني الإنضاء يا صديقي، وسأنام الليلة ملء جفوني.

– أراهن أنك ستسهر للصباح.

– ماذا تقول؟

– أقول إن مدموازيل مرجريت جميلة جدًّا.

فضحك حسن وقال: لا أنكر أن الفتاة جميلة، ولا أنكر أنها استلفتَتْ نظري، ولكنها لم تملك عليَّ قلبي.

– مَن يدري، سنرى ماذا يكون من أمركما يومَ الثلاثاء.

وما زالا يتحدَّثان إلى أن افترقَا عند شارع المدارس، وسار حسن إلى النُّزُل وهو يفكِّر، ثم صعد إلى غرفته، وخلع ملابسه، واستلقى على سريره، وحاوَلَ أن ينام فلم يقدر، فحادَثَ نفسه قائلًا: «أسرة غريبة؛ أمٌّ لا تركن إليها النفس، وابنة تبوح بهواها قبل أن يبوح به مَن راق في ناظرها، وابنة أخرى صغيرة ليست في العير ولا في النفير، أما الثالثة الوسطى فهي أحجية من الأحاجي، بل لغز من الألغاز.» ثم فكَّرَ قليلًا: «وربما كانت ضحية …» وما زال يردِّد هذه الكلمة، ثم غلبه النعاس فنام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.