لقد عرفنا أن حالة الحرب اعتُبرت موجودة بين مصر وإنكلترا بنص الكتاب الذي رد به مجلس النظار برياسة الخديوي توفيق باشا على إنذار الأميرال سيمور في ١٠ يوليو؛ وبعد ذلك أُعلن الحكم العرفي وأخذوا بجمع البغال والخيول وبدعوة الرديف إلى حمل السلاح. وعرفنا بعد ذلك أن الخديوي لما عاد إلى رأس التين ليكون تحت حماية الأسطول خوفًا على نفسه من الجيش، اختلى بالأميرال سيمور مدة طويلة لم يعرف أحد ما دار فيها من الحديث بينهما، ولكنه عُرف بعد ذلك أن الخديوي وجَّه كتابًا إلى عرابي يقول فيه: إن الخلاف مع إنكلترا انتهى بضرب القلاع، فرد عرابي على هذا الكتاب بما ينقضه. وكتاب الخديوي وردُّ عرابي عليه منشوران بالجريدة الرسمية في ١٧ يوليو.

وأصدر الخديوي أمره إلى يعقوب سامي باشا وكيل ديوان الجهادية بأن يعيد مهاجري الإسكندرية الذين خرجوا منها في ١٣ يوليو، كما جاء في الوقائع المصرية بتاريخ ١٥ يوليو، فاعترض عرابي على ذلك، وكانت حجته أن الإنكليز يفتكون بهم، وحرَّم على نظار المحطات السماح للقطارات التي تعود بالمهاجرين كما جاء باعتراف عرابي أمام مجلس التحقيق.

ثم أرسل عرابي إلى يعقوب سامي تلغرافًا يقول فيه: إن الإرادة السنية التي تعنى بالصلح لا حقيقة فيها. وأرسل إلى مأمور ضابطية القاهرة أن النظار هم الآن أسرى الإنكليز؛ لأنهم ظلوا مع توفيق باشا، وأن راغب باشا لم يصدر أمره بعدم التجنيد إلا تحت عوامل الضغط، فلا يجب الأخذ بالأوامر التي أصدرها إلى المديرين والمحافظين، وأن الخديوي قد انضم إلى أعداء المسلمين الذين يقتلون الوطنيين الذين يخاطرون بأنفسهم ويدخلون الإسكندرية، وزاد على ذلك أن الأحكام العرفية موجودة وأن الطاعة واجبة للسلطات العسكرية، فمن لم يطعها يعاقب بأشد الأحكام العسكرية (راجع الوقائع المصرية بتاريخ ٢٠ يوليو).

هذا ما كان بين الخديوي وعرابي. وأراد عرابي أن يعطي عمله صورة العمل المشروع، فلم يكن يصل إلى ذلك من وراء الاستناد إلى المجلس الذي أُلف في القاهرة من يوم ضرب الإسكندرية، ولا إلى المجلس العرفي الذي أُلف بعد ذلك لتولي إدارة البلاد، وهو مُركب من وكلاء النظارات ورؤساء الأقلام ومن كبار الضباط والقُواد. فأراد الاستناد إلى مجلس يظهر عليه تمثيل الأمة، فدعا المجلس العرفي مئات من العلماء والباشاوات والأعيان للاجتماع في نظارة الداخلية، فاجتمعوا يوم ١٧ يوليو، ورأس الجلسة وكيل الداخلية حسن باشا درامه لي، يعاونه محمود سامي ويعقوب سامي.

وكانت الجلسة شديدة الاضطراب، وخطبوا ضد الخديوي واتهمه الأزهريون بالمروق. وكان بين الحاضرين الشيخ عليش شيخ المالكية، فوقف بين الجمع وقال: «اللَّه أكبر اللَّه أكبر، قد خلعناه يا قوم قد خلعناه، اللَّه أكبر على من طغى وتجبر.» فكثر صياح العامة وضجيجهم. وتطوع بعض المشايخ بكتابة فتوى الخلع، فنهض مصطفى عكوش باشا وعبد اللطيف باشا للرد على المتهورين بعرض الأمر على جلالة السلطان، فأسمعهم المتهورون مُر الكلام وهددوهم أشد تهديد والجمهور صامت لا يبدي حراكًا، فتحول الاتفاق عن الكلام في مسألة الخلع إلى الاكتفاء بمواصلة التجنيد.

ولما سكتت الضوضاء قليلًا اقترح بطريرك الأقباط وعلي باشا مبارك إرسال وفد إلى الإسكندرية ليتحقق من مركز الخديوي والنظار، فوافقوا على هذا الاقتراح، ووقع الاختيار على علي باشا مبارك ورءوف باشا وأحمد بك السيوفي والشيخ سعيد بك والشيخ علي نايل والشيخ حمد كيوه. فذهب هذا الوفد إلى كفر الدوار واجتمع بأحمد عرابي، فسمح لعلي باشا مبارك بالسفر إلى الإسكندرية، ولما مثل بين يدي الخديوي ونقل إليه الحديث كله اشتد استياؤه، وأصدر أمره بعزل عرابي من نظارة الجهادية، وأرسل إلى الآستانة يُظهر تمرد عرابي وجماعته ويبرأ من تبعة أعمالهم.

ولما وصل أمر الخديوي إلى القاهرة بخلع عرابي، جمع يعقوب سامي وكيل ديوان الجند الذين حضروا المجلس الأول، وتلا عليهم الأمر الخديوي، فاشتد الهرج وتضاربت الآراء، وظهر للضباط أن الغالبية ميالة إلى عزل عرابي، فصاحوا في وجوه الحاضرين ضد الخديوي ونادوا بالحرب والقتال، ثم استلوا سيوفهم فخاف الحاضرون ووجموا، فقرَّ الرأي على استبقاء عرابي في نظارة الجهادية وتكليفه الذب عن البلاد ما دامت مراكب الإنجليز أمام الإسكندرية وعدم الالتفات إلى أمر الخديوي. وطيَّر يعقوب سامي القرار إلى جميع أنحاء البلاد، ولكن الضباط منعوا وصوله، وانتشر الخطباء والشعراء في أنحاء القطر لتأييد عرابي.

ومن قصائدهم يومئذٍ قصيدة لأحد شيوخ الأزهر قال فيها:

لعمرك ليس ذا وقت التصابي

ولا وقت السماع على الشرابِ

ولا وقت الجلوس على القهاوي

ولا وقت التغافل والتغابي

ولا وقت التشبب في سليمى

ولا وقت التشاغل بالربابِ

ولكن ذا زمان الجد وافى

وذا وقت الفتوة والشبابِ

ووقت ليس فيه يليق إلا الـ

إقامة بالقلاع وبالطوابي

ووقت فيه الاستعداد فرض

لتنفيذ الأوامر من عرابي

وقولوا يا عرابي مُر بأمر

تراه فأنت ذو الأمر المجابِ

وقولوا يا عرابي دُم رئيسًا

لحزب النصر محفوظ الجنابِ

ومن شعر ناظم آخر:

نوال المعالي في طعان الكتائب

ونيل الأماني من ثمار المتاعب

ومَن كعرابي في البرايا وحزبه

أُولِي العزم أصحاب القنا والقواضب

وإذا كان الخديوي قد رفع أمر عرابي إلى السلطان، فإن المجلس العرفي كتب القرار الذي قرروه في الاجتماع الكبير الذي وصفوه بالجمعية الوطنية ورفعوه للباب العالي، وغنم رفعت بك الفرصة ليراسل الباب العالي، ودامت هذه المراسلة بين الفريقين إلى يوم وقعة التل الكبير.

ولم يحرك أتباع الخديوي أو خصوم عرابي ساكنًا خوفًا على أنفسهم؛ لأن سجن الطوبخانة في القلعة كان قد غص بالمعتقلين الذين أربى عددهم على الألف، وكانت الشبهة الصغيرة تكفي للاعتقال والتعذيب ومصادرة الأملاك، وقد اعترف بتعذيب المعتقلين تعذيبًا شديدًا في سجن الطوبخانة حسن الدرامه لي ويعقوب سامي ومصطفى رمزي.

لذلك كله اكتفى راغب باشا بأن يكتب في ١٧ يوليو إلى الأميرال سيمور بأن أعمال العصاة مخالفة لإرادة الحكومة وأوامرها، ولكنه لم يجرؤ أن يعتبر الثوار خارجين على القانون والنظام، إلى أن بلغ القنوط بالخديوي مبلغه فقابل الأميرال سيمور، وطلب منه التعجيل في الأعمال العسكرية كما يؤخذ من تلغراف وكيل قنصل إنكلترا إلى اللورد غرنفل في ١٩ يوليو.

ظل الإنكليز حتى ٢٠ يوليو وهم لا يبدون حراكًا، ففي ذلك اليوم أخذوا بتحصين المدينة حتى لا يؤخذوا فيها على غِرة. وفي ٢١ منه ظهر لهم أن مياه ترعة المحمودية تهبط سريعًا فتولاهم القلق، وظهر أن المهندسين المصريين أقاموا سدًّا عند محطة كنج عثمان، وبما أن السد بعيد عن مصب القناة ظلت المياه في قاع الترعة لمدة بضعة أيام، ثم تحول طعم المياه وأصبح لا يصلح للشرب؛ لأن المهندسين المصريين حفروا قناة صغيرة تصل الملَّاحة بالترعة وتصب فيها الماء الملح، فجرَّد القائد الإنكليزي طليعة سارت حتى وابور المياه في الرمل، وفي ٢٢ أرسل طليعة تجاوزت مصب الملَّاحة، وبعد قتال قليل مع العرابيين ارتدت بعد أن دمرت الخط الحديدي.

وكانت قد وصلت إلى الجنرال آليزون الأمداد وهي ١١٠٨ جنود وبطارية من المدافع، فعزم على احتلال الرمل فاحتله بلا قتال، وأقام المتاريس للحيلولة دون العرابيين في ممر أبو قير ومريوط.

وفي اليوم ذاته نظموا في الإسكندرية إصدار الجريدة الرسمية الفرنساوية «مونيتور إجبسيان» بإدارة بورللي بك رئيس قلم قضايا المالية؛ لأن الوقائع المصرية ظلت في قبضة الثوار بالقاهرة، يديرها ويحررها الشيخ محمد عبده. فنشرت المونيتور في أول عدد من أعدادها الأمر العالي بعزل عرابي، وفي هذا الأمر ينكر الخديوي على عرابي جلاء الأهالي من الإسكندرية، وسحب الجيش إلى كفر الدوار، وقطع المواصلات ومنع الأهالي من العودة إلى المدينة، ومواصلة الاستعدادات رغم أمره بالكف عنها، والامتناع إلى الشخوص إلى رأس التين كما أمره.

وفي إرادة سنية إلى الشعب يبسط الخديوي فيها أخطاء عرابي، ويذكر من تلك الأخطاء أن سيمور كان قد وعد بإعادة المدينة إلى يد السلطة المصرية إذا كان لديها الجنود المخلصون الذين يتسلمونها، ووعدت إنكلترا بأنها لا تعارض في نزول الجنود التركية، وفي النهاية ختم الرسالة الخديوية بالعفو إلا عن الرؤساء.

وألحق بالرسالة الأمر العالي بتعيين عمر باشا لطفي ناظرًا لديوان الجهادية (المونيتور إجبسيان ٢٤ يوليو).

***

ولنرجع الآن إلى مهمة علي باشا مبارك ورفاقه، فإنهم مروا بكفر الدوار — كما قلنا — واتجهوا إلى الإسكندرية، ولكن قطع المواصلات حال دون وصولهم إلا علي باشا مبارك الذي كان يعتقد أن الاتفاق سهل على قاعدة الإنذار الإنكليزي الفرنساوي (٧ يونيو)؛ وتمكَّن من التغلب على سخط توفيق باشا بأن أظهر له الصعاب التي تقوم في وجه الأعمال العسكرية إبان الفيضان والخطر من وراء يأس الجيش حتى يقطع الجسور ويُغرق البلاد، فأحاله الخديوي على السير كولفن الذي جعل الشرط الأول فتح ترعة المحمودية.

وفي هذا الوقت أعاد عرابي المواصلات التلغرافية مع الإسكندرية، وأذن لبقية الوفد بالسفر إليها، وظل الوفد يعتقد أن الضباط يرضون بتسريح الجيش وبأن يبتعدوا هم عن البلاد برتبهم ورواتبهم.

وفي ٢٧ رفض عرابي جميع الشروط، فلم يبقَ أمام الوفد إلا أن يكتب تقريره بأن النظار أحرار، وبأن الحكومة المشروعة تعمل بكل انتظام.

وظل علي مبارك إلى جانب الخديوي، وعاد رفاقه بالتقرير إلى المجلس العرفي.

وفي ٣١ يوليو أصدر مجلس النظار منشورًا يعلن فيه الشعب بأن عرابي معزول مطرود، ولكن عرابي كان قد تقدمهم ونشر في الوقائع المصرية في ٢٥ يوليو أن الخديوي أسير الإنكليز، فإذا هو تكلم لا يتكلم إلا لحسابهم ويضحي مصالح البلاد وأهلها، فعلى كل مصري وكل ضابط وجندي وغفير ضبط الجواسيس الذين يحملون أوامر أو منشورات صادرة من أي شخص غيري؛ لأن العدو يريد أن يأخذنا بالحيلة، وبأمر الخديوي الذي باع وطنه وشعبه للإنكليز، فكل من يحمل ورقة موحى بها يحال إلى المجلس العسكري، فيعاقب أشد العقاب. أما نحن فلا نسلِّم البلاد وفينا عِرق ينبض.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.