الناطور هو ما يُعرَف بخيال المآتة، أستعيره للدلالة على الروتين المخيِّم على الإدارة ليؤدِّي هنا وظيفةً مختلفةً بعض الشيء؛ فهو ليس — كالأصل — يحمي المزروعات من العصافير، ولكنه يُشَكِّل سدًّا منيعًا في وجوه أصحاب الحقوق، ويُحَمِّلهم ما لا يطيقون من العناء. غير أني أعتقد أنه عائقٌ نِصْفُه — على الأقلِّ — وهميٌّ، ضخَّمَتْه الدعايةُ، وهوَّلَه مَكْرُ القائمين عليه ممن يستغلُّون سُمْعَتَه السيِّئة بذكاءٍ لاستغلال العباد وتحقيق المنافع. حقًّا؛ إنه مجموعة من القوانين واللوائح، وهو بهذه الصفة يحتاج بين فترة وأخرى لإعادة النظر؛ لتطويره وتجديده وجَعْله أقْدَرَ على مواجهة مشكلات العصر، ولكن الروتين لا يعمل وحده، وإنما يُنَفِّذه موظفون، وإذا لم يدرك التطوير والتجديد أيدي هؤلاء الموظفين وعقولهم أحالوا أي مشروع جديد إلى مصيدة جديدة، وتبدَّدَ كُلُّ جهد يُبذَل للإصلاح المنشود.

وتحضرني بهذه المناسبة ذكرى روتينيةٌ جديرةٌ بالعرض؛ فقد كنتُ موظفًا بوزارة الأوقاف، وهي مضرب المَثَل في فقه الروتين وعبقريته، وإذا بالمرحوم عبد السلام الشاذلي يتولَّى وزارتنا، وكان رحمه الله معروفًا بالحزم والشدة. فمنذ أول يوم له في الوزارة أمَرَ بأن تُغلَق أبواب الوزارة في تمام الثامنة صباحًا، وأن يُعتبَر المتخلفون عن الحضور في إجازة تُخصَم من إجازتهم السنوية في المرة الأولى، وكلما تكرر التأخير بعد ذلك يُخصَم يوم من المرتب. وسرعان ما انتظم الحضور والانصراف كالساعة، لا فرق بين أكبر مدير وأصغر فرَّاش، ثم سُمِحَ بفتح باب واحد بدءًا من التاسعة يقف وراءه موظفان؛ أحدهما للاستعلامات والآخر من إدارة التحقيقات. فإذا قصد الوزارةَ شخصٌ سُئِلَ عن حاجته، فإن كان قد جاء لزيارةٍ مُنِعَ، وإن كان صاحبَ مصلحة اتصل موظف الاستعلامات بالإدارة المختصة، وجاء الجواب الشافي أو ضُرِبَ له موعدٌ آخر. وفي الموعد المضروب يرجع موظف الاستعلامات إلى الإدارة مستخبرًا عمَّا تَمَّ، ولدى أيِّ تأخير يُحَقِّق موظف التحقيقات في الموضوع، ويرفع به مذكرةً إلى الوزير، وكانت أقل عقوبة يوقعها هي خصم نصف شهر من مرتب المسئول … وقد حدث أن أهمل موظف أحد التفاتيش في تحصيل بعض الإيجارات مما ضَيَّعَ على الوزارة مائتي جنيه، فما كان من الوزير إلا أن أَمَرَ بخصم المبلغ كله من مرتبه مُقَسَّطًا على أربعة أعوام … في تلك الأيام كنت أشاهد كبار موظفي الوزارة — عندما يُدْعَوْن إلى مقابلة الوزير — وهم يستعدون للمقابلة أمام بابه، يزررون الجاكتة ويُبَسْملون ويهمسون بآيات من القرآن ثم يدخلون، والسعيد منهم من يخرج مُتهلِّلَ الوجه لم يُصِبْه زَجْرٌ أو عِقابٌ؛ إذ كان معاليه يعاقب الكبير كما يعاقب الصغير.

ماذا حدث لوزارة الروتين في تلك الأيام الخيالية؟

انقلبت إلى مثالٍ فريدٍ في الانضباط والإنجاز والاستقامة والتحصيل والإنتاج، اختفى شبح الروتين؛ فلم يسمع عنه أحد، ولا تعلَّلَ به أحد، وقد أدركتُ في تلك الأيام أن المشكلة الأساسية تنحصر في الوزير، أو على أكثر تقدير في الوزير والموظف.

وأُكرِّر: إنني لا أعني بذلك أن الروتين خرافة، إنه نظام قديم، سبَقَه الزمانُ، ويحتاج بلا شك إلى تجديد، ولكن أُومِن أيضًا بأنه خدعة الأبرياء، وعذر الماكرين، وأن جوهر الحل السليم يتلخَّص في كلمتين: الوزير، والموظف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.