يغلب الدنيا من يرضاها، هذا مثل يتداوله الناس، ومن حقنا أن نسأل: أويؤمنون به رغم تداولهم إياه، أم أنهم جميعًا يذكرونه عجزًا لا إيمانًا، وأن الحقيقة في أمرهم أن كل واحد فيهم راض عن نفسه، غير راض عن حظه، أي غير راض عن هذه الدنيا لما فيها من متاعب لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة؟

والعجب أن ما يشكو أحدهم من فقده يشكو الآخر من وجوده، بل من كثرته، فهذا رجل لم يتزوج، وهو لذلك غير راض عن الدنيا، غير راض عن حياة الوحدة التي تثقل كاهله، وهذا رجل تزوج ولم ينجب أطفالًا فهو شقي تعيس؛ لأنه لن يترك خلفًا له، وهذا ثالث منَّ الله عليه بالكثير من الأولاد والبنات فهو في حيرة كيف يلبي كل مطالبهم، وأنت تسمع شكاة هذا وذاك، وهذه وتلك، فتسأل نفسك: أيهم راض عن الدنيا ليغلبها، وما قيمة المثل الذي يقوله الناس إذا لم يكن له تطبيق في الحياة؟

ومع هذا، ومع هذه المشكلة المتكررة، فالحياة محببة للجميع، محببة لذاتها رغم غدرات الدنيا وما يلاقيه الناس فيها من آلام، وحبهم الحياة هو الذي يحثهم على العمل فيها والدأب لنيل أنعمها، أعرف سيدة تزوجت مرتين ومات زوجاها فبرمت بأمر الزواج ونذرت حياة الفردية، ولم تكن قد أنجبت من أيهما، وهي مع ذلك دءوب على العمل، تريد أن تبني، ثم تريد أن تهدم ما بنت لتشيد بناء خيرًا منه، فإذا قيل لها: وما جدوى هذا العناء الذي يكلفك من الجهد ما تنوءين به؟ قالت: أليس هذا الجهد وهذا العناء خير من أن أشقى بفراغ الحياة من حولي، وأنني لا عمل لي فيها إلا أن آكل وأشرب وألبس في انتظار نهايتها، وترى أنت لهذه الحجة وزنها فتدعو لهذه السيدة بالتوفيق فيما تبني وتهدم، لعل هذا التوفيق يجعل الحياة أكثر ابتسامًا أمامها.

وأعرف سيدة أخرى أفاء الله عليها سعة من الرزق تمكنها من أن تبني وتهدم ما شاءت الهدم والبناء، ولم تنجب هذه السيدة كما أن السيدة الأولى لم تنجب، وهي لذلك ترى أن تكتفي بما عندها، وأن تنفق ثمراته في المتاع بأنعم الحياة، فلا تأبى على نفسها أن تشتري الجوهر النفيس، أو أن تسافر لتصطاف في أجمل بقاع العالم، فإذا قيل لها في ذلك، كان جوابها: وما فائدة ما أذر بعدي من المال وقد حرمني الله العقب، إن متاعي بهذا المال نوع من التحدث بنعمة الله حديثًا لا يُضار به أحد، وأنعم أنا به على ما أحب وأهوى، ولهذا الكلام لا ريب وزنه، وأنت لذلك تدعو لهذه السيدة بأن يمتعها الله من الحياة بكل ما تطمع فيه من ألوان النعيم.

وأنت مع ذلك تستطيع أن تقول إن كل واحدة من هاتين السيدتين رضيت بالدنيا؛ لأنها استطاعت الملاءمة بين طبيعتها هي، وبين شئون الحياة، وأنها لذلك تستطيع أن تكون راضية عن الحياة وعن نفسها، ولكن كم من الناس يستطيعون هذه الملاءمة. إن مئات الألوف، بل مئات الملايين، تسيرهم الحياة كما تريد، لا كما يريدون، فهم لا يستطيعون الملاءمة بين ما يطلبون، وبين ما تهبهم الحياة، بل يضطرون لقبول ما تجود به الحياة قل أو كثر، أفنستطيع أن نقول إن هؤلاء راضون بالدنيا أو راضون عنها، وإن هم قالوا إنهم راضون، أفلا يقولونها كرهًا لأنهم لا اختيار لهم فيما يصنعون وما يدعون، وما قيمة هذا أيضًا الذي يُكره عليه صاحبه، وكيف يغلب به الدنيا وقد أذعن لها صاغرًا.

لكن المثل مع ذلك يقول: يغلب الدنيا من يرضاها، ولو كان هذا الرضا على كره ومن غير اختيار، فما رأي السادة القراء في هذا؟ كيف تراهم يصورون رضا المكره؟ ما رأي السادة القراء في هذا، وما رأي رجال القانون منهم خاصة؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.