… هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.

والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.

وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.

كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟

أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.

فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.

المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.

والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.

ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.

وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.

والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.

أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.

وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.

وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.

فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!

كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.

وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.