نشرت الهلال في عدد الشهر الماضي مقالًا لصديقي الدكتور طه حسين يناقش فيه مقالي الذي نُشِر بهلال ديسمبر عن صلة الأدب بالقانون، وقد أشارت الهلال في كلمة قدَّمت بها مقال صديقي طه إلى ما يقع بيني وبينه من مناقشات ومحاورات بين حين وآخَر، ويجمل بقراء الهلال أن يعلموا أن هذه المحاورات قديمة ترجع إلى عشرين سنة مضت، وأن صديقي طه هو الحريص على إثارتها، فهو مهاجِم أبدًا، ولستُ أذكر لهذه القاعدة شذوذًا إلا حين يُصدِر طه كتابًا من كُتُبه القيِّمة فأتناوله بالبحث، ولعل نشأة طه هي التي تغريه بهذه المواقف. كان المرحوم محمد باشا صالح يحدِّث أنه كان طالبًا بالأزهر مع المغفور له سعد باشا زغلول، فكان سعد ينادي صاحبه يدعوه ليتجادلا ويترك له اختيار الجانب الذي يدافع عنه ليدافع سعد عن الجانب الآخَر، وحدث يومًا أن كان الشيخ محمد صالح غير متهيِّئ للجدل، فلما ناداه الشيخ سعد الله: هلم نتجادل. قال الشيخ محمد: فَلْيكن موضوعنا إذن «فائدة الجدل»، واختار هو الدفاع عن أن للجدل فائدة، ودافع الشيخ سعد الله عن أن الجدل لا فائدة منه ولا غناء فيه.

ولما نشبت الحرب الكبرى في سنة ١٩١٤ عطَّلت أكثر الصحف المصرية نفسها، ولما كنا نكتب في «الجريدة» بإشراف أستاذنا الكبير أحمد بك لطفي السيد، فقد شقَّ علينا تعطيلها، فاشتركنا مع الأستاذ عبد الحميد حمدي في إصدار جريدة السفور وتحريرها، وجاء طه من أوروبا في صيف سنة ١٩١٥ واشترك وإيانا فيها، وكنت يومئذٍ محاميًا بالمنصورة أجيء إلى القاهرة آخِر كل أسبوع، فأساهم في تحرير السفور وإصداره بمصر. وقرأت السفور يومًا فإذا في صدره مقال عنوانه «الحرب والحضارة»، لم أتردد في أنه لصديقي طه، وإن كان موقَّعًا بإمضاء «تاسيت» يدافع فيه عن الحرب، ويقول إنها شيء عظيم لخير الإنسانية، فلما جئتُ آخِر الأسبوع والتقيت وطه سألني إن كنتُ قرأت مقاله، فأبديت له إعجابي به ودهشتي للفكرة التي أملته في وقت تدوي فيه الميادين كلها بأهوال القتل والقتال والتخريب وإحراق المدن، فأجاب: أنا كتبته لترد عليَّ حتى نتجادل، ورددت بدوري وتبادلنا الردود في مقالات انحاز لطه على أثرها فريق من أصدقائنا، وانحاز لي فريق، ومع أن الخصومة الكتابية أوقدت نارها يومذاك بيننا، فقد بقينا كما كنا، وكما سنبقى دائمًا أخلص الأصدقاء.

وهذه الروح هي التي أملت على صديقي طه مقاله في هلال الشهر الماضي يناقش فيه ما كتبت عن صلة الأدب والقانون، ويكفي لأدلك على هذا أن أذكر لك أنه بدأ الجدل في ألفاظ العنوان، فكان أول ما بدأ به مقاله: «ولعل الخير في أن نقول بين الأدب والفقه»، ثم استطرد يبرهن على أن كلمة الفقه أدق في التعبير عما قصدت إليه، وما أريد أن أدخل في هذا الجدل اللفظي معه، أو أثير ما بين الفقه والقانون وفنونه المختلفة من تفاوت، فالمحاماة غير الفقه، والمحاماة أدنى فنون القانون إلى الأدب، لكني لا أستطيع أن أسكت عن السبب الذي دعا صديقي ليؤثر كلمة الفقه ودعاني لأوثر كلمة القانون، فالفقه كان بعض ما درس في الأزهر، والقانون كان أكثر ما درست في كلية الحقوق، فلفظ الفقه محبَّب إلى سمعه أكثر من لفظ القانون، والأمر عندي على النقيض. وكثيرًا ما فسح كثرة توارد الكلمة على سمعنا من مدى ما تشتمل عليه في تصورنا، فإذا تجاوز صديقي في استعمال كلمة الفقه، أو تجاوزت أنا في استعمال كلمة القانون، فَلْيعذرنا القراء ولا يشتدوا في لومنا.

ويوافقني طه على أن الصلة واقعة بين الأدب والقانون، أو بين الأدب والفقه، أو بين رجال القانون والأدب كما يحلو له، وهذه الصلة واقعة ومشروعة عنده للأسباب التي ذكرنا منذ شهرين في الهلال، وهو يرى أن هذه الصلة أثبت وأظهر من أن تحتاج إلى كتابة فصل كالذي كتبت. ثم يذهب طه إلى بيان أن الكاتب كثيرًا ما يكتب من غير أن تكون هناك حاجة إلى الكتابة، وأن الظن بمثل هذه الكتابة التي لا حاجة بالناس إليها، إنما هي فضول وأيضًا ظن خاطئ أشنع الخطأ، وأن مثل هذه الكتابة ليس فضولًا ولكنها ترف، والترف الأدبي هو خير ما في الأدب من متاع، ومع ذلك فالفصل الذي كتبت أنا من شهرين موجَز إلى أضيق حدود الإيجاز، وإنما يحسن أن يعرف الناس أي الأمرين كان أبلغ في صاحبه أثرًا وأكثر له غناء: الأدب أو الفقه. وهو يجيب بأن الفقه أنشأ فن المحاماة وهي ليست فقهًا، وإنما هي أدب يستعان عليه بالفقه، فالمحامون متأثر فقههم بأدبهم أكثر من تأثر أدبهم بفقههم، أما الفقهاء النوابغ فيأتيهم نبوغهم من الفقه وحده. ويترك لي طه أن أجيب بعد أن أرجع إلى تاريخ المحاماة عما إذا كان الفقه قد أنشأ المحاماة، أم هي المحاماة قد أنشأت فقه المحاماة، لكنه مع ذلك يشير إلى أن المحاماة نشأت عند اليونانيين في القرن الخامس قبل الميلاد، وأن كبار المحامين في العصور القديمة كانوا يعرفون بالأدب أكثر مما يعرفون بالمحاماة، وأن المحاماة ظاهرة الأثر في انتشار علم البيان وتنظيم قواعد النقد وأصوله منذ أرسطاطاليس، وأنها دعت إلى فنون من الأدب جديدة ما كانت لتظهر لو لم توجد المحاماة.

لست أقف طويلًا عند ما ذكر طه عن الترف الأدبي، وأنه خير ما في الأدب من متاع، فأنا أشاركه في رأيه، ولست أقول إن هذا الرأي من البداهة بحيث لا يحتاج إلى أن يكتب فيه الصديق ما كتب، وإن الترف أساس الفنون جميعًا، فكلما ازداد هذا الترف ازدادت الفنون سموًّا، وإنما أقول ما قال تولستوي لرجل جاءه يومًا فذكر له أن ما في كتبه جميعًا واضح يعرفه الناس جميعًا، لأنه من بسائط ما في الحياة من حقائق، فكان جواب الفيلسوف الروسي: إن الناس جميعًا يعرفون ضوء الشمس وأنه حقيقة واقعة، لكن الأقلين منهم هم الذين يستطيعون مواجهة الشمس والتحديق بها. وكذلك الحقائق يحسها الناس ثم لا يستطيعون مواجهتها حتى يبينها لهم كاتب قدير على مواجهتها، وحبذا لو عقد لنا طه فصلًا في الهلال عن «الترف الأدبي»؛ ليبيِّن فيه أن خير الآثار الأدبية لأكبر الكتَّاب والشعراء، كما أن خير الآثار الفنية جميعًا، إنما نشأت عن رفاهة في الترف النفسي والعقلي بلغت غاية حدود الرفاهية، وأن هذه الآثار هي مع ذلك قوام الوجود الإنساني، وما خلق الإنسان على الحياة من مجد لا سبيل لغير الإنسان إلى خلقه.

أما ما ذكر صديقي عن المحاماة، وما أنشأت من فنون في الأدب، فاتجاه بالموضوع إلى غير ما قصدت مما يحاورني فيه، صحيح أن المحاماة أدنى فنون القانون إلى الأدب، لكنها مع ذلك ليست أدبًا بطبعها، ومن كبار المحامين وفحولهم مَن ليسوا أدباء ومَن لا يسيغون الأدب بالمعنى الذي يفهمه الناس، وهي فن أنشأه القانون لا ريب، سواء كانت قد نشأت لأول عهدها في القرن الخامس قبل الميلاد، أو أنها نشأت قبل ذلك بألوف السنين عند قدماء المصريين أو عند غيرهم، وكما أن من كبار المحامين وفحولهم مَن ليسوا أدباء، وإنما تفوُّقهم في علوم القانون، وفي دقة سرد الوقائع، فإن من القضاة ومن رجال النيابة أدباء بارعين يتصرفون في ألوان الكلام تصرُّفَ مَن يملك أعنة الأدب، بل إن منهم لشعراء وقصصيين ومسرحيين اعترفت لهم أممهم بالتفوق والنبوغ؛ ذلك أن وُهِبوا هبة الأدب ودرسوا علوم القانون، فصقلت نفوسهم وسمت بموهبتهم وجعلت منهم كتَّابًا، وجعلت منهم أدباء بزوا في بعض الأحيان معاصريهم، كما بز جيتي أدباء الألمان، كما انعقد لواء الشعر العربي لشوقي. وما أظن صديقي طه يخالفني في أن للمرحوم قاسم أمين في كتبه المختلفة صحفًا تسمو في الأدب إلى غاية مراقي السمو، وإن كانت كتب قاسم ليست كتب أدب، وإن لم يكن قاسم أديبًا، بل كان كاتبًا اجتماعيًّا.

ولست أقصد إلى إنكار ما أنشأت المحاماة من طريق كبار المحامين الأدباء من فنون في الأدب جديدة، فمرافعات هؤلاء المحامين في القضايا الكبرى كانت في كثير من الأحيان تسمو إلى أسمى مقام في البلاغة، لكن هذه البلاغة لم تأتِ المحامي من دراسته الفقه، وإنما هي موهبة هذا الرجل وجَّهها اشتغاله بالقانون في طريق المحاماة، وهذا ما يقرني طه عليه حين يقول إن المحاماة أدب يستعان عليه بالفقه. فما أنشأت المحاماة من فنون جديدة في الأدب ليس أثرًا من آثار الفقه في المحاماة، ولكنه أثر أقل اتصالًا بالفقه منه لما يعرض له المحامي من وقائع ومن صور نفسية ومن بحوث علمية، بل إنك لتجد المحامي القدير أقل بلاغة حين يعرض للشئون الفقهية، بينما يتدفق كلامه روعة ويأخذ بمجامع القلوب حين يعرض الوقائع، وحين يحلل الدوافع التي دفعت إليها، وكذلك شأن رجل النيابة حين يترافع، وشأن القاضي حين يكتب حكمه، إذا كان رجل النيابة أو كان القاضي ممَّن أُوتُوا موهبة الكتابة والكلام.

ويخالفني صديقي أخيرًا في التفريق بين الكتابة والأدب، ويحسب أني لم أوفَّق في هذا التفريق إلى الصواب كله، وهو يجعل النقد الأدبي وتاريخ الأدب أدبًا لا فنًّا آخَر من فنون الكتابة، ويذكر لذلك أني أخطأت حين قلت إلى كتابيه «على هامش السيرة» و«الأيام» أدب، وأما سائر كتبه في النقد وفي التاريخ الأدبي فليست أدبًا، وإن كانت فنًّا آخَر من فنون الكتابة. وأود قبل أن أناقش الصديق رأيه أن أذكر أن كتابة التاريخ سواء أكان تاريخ الأدب، أم التاريخ السياسي، أم تاريخ الحروب، أم التاريخ المالي والاقتصادي لأمة من الأمم، ليست دون الأدب مكانة ومقامًا، والتاريخ ينبوع فياض من ينابيع الأدب، لكن كتابة التاريخ لا تدخل في فنون الأدب إلا إذا صورت أدبًا كما فعل هو في كتاب «على هامش السيرة»، وكما فعل ولتر سكوت وغيره في إنكلترا، وإسكندر دوماس وغيره من أدباء فرنسا الكبراء، ولم تخلُ أمة من الأمم من أدباء جعلوا تاريخ بلادهم مصدرًا لأدبهم، لكن كتابة التاريخ على النحو العلمي لا تُعتبَر فنًّا من فنون الأدب، وإن بلغت روعة الأسلوب، وبلغ جمال التنسيق ما بلغا من السمو، وإن كان هذا التاريخ موضوعًا لأدب أمة ما. وأحسب صديقي يوافقني على أن ما كتبه أولار عن الثورة الفرنسية، وما كتبه لامسون عن تاريخ الأدب الفرنسي، وما كتبه الكثيرون في تاريخ الأدب في الأمم المختلفة، ليس فنًّا من فنون الأدب، وإن كان فنًّا من فنون الكتابة، له قواعده وضوابطه التي لا تتفق في كثير من الأحيان مع قواعد الأدب في مختلف فنونه.

والنقد الأدبي في رأيي فن من فنون الكتابة، وليس فنًّا من فنون الأدب إلا أن يكون نقدًا ذاتيًّا يعتمد صاحبه على هواه وخياله أكثر مما يعتمد على ما عُرِف لهذا النقد من قواعدَ. ولست أرتاع حين يذكر الصديق «حديث الإثنين»، ونقد أناتول فرانس، ولست أرتاع حين أذكر ما كتبه تين ولمتر وغيرهما في النقد الأدبي حين اعتبر النقد فنًّا من فنون الكتابة، وليس فنًّا من فنون الأدب، فأول شرط في الأدب أن يصدر عن ذاتية الأديب، فأما الناقد فيتقيد بقواعدَ موضوعيةٍ تحد من حرية الأديب، لو أن النقد كان أدبًا.

أحسب صديقي بعد الذي قدَّمتُ يوافقني على هذه التفرقة، وعلى أني لم أقصد بها إلى الغض من قدر الكتابة والكتَّاب ممَّن يتناولون فنونًا غير الأدب. وفنون الأدب هي الأخرى من فنون الكتابة والكلام، لكنها تخصَّصت ووجهت إلى اتجاهات خاصة غير ما وُجِّهت إليه سائر فنون الكتابة، وليس في ذلك ما يرفع من قدرها على سائر تلك الفنون. أما إن شاء صديقي أن يقول إن الأدب والكتابة والكلام كلها شيء واحد، ما دام الأداء حسنًا، فله في ذلك رأيه وإنْ كنتُ أخالفه فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.