هذا كتاب جديد نُشر منذ شهور قليلة اسمه: «الدستوران»، موضوعه: دراسة مقارنة للدستورين الإنجليزي والأمريكي. أحاول أن أبسط للمستمعين بعض القضايا الأساسية في هذا الموضوع الخطير.

وقبل أن أفعل ذلك، أعرِّفكم بمؤلف الكتاب: هارولد ستانارد، وهو جامعي أهلته دراساته الأدبية والتاريخية وما أحرزه فيها من علو المقام للأستاذية الجامعية، ولكنه آثر عليه ذلك النوعَ من الصحافة الذي يعرفونه في الغرب، والذي يجمع بين خصائص التحقيق العلمي والعرض السهل عن طريق الجريدة والمجلة، يراعون فيه جمهرةَ القارئين من جهة، كما يراعون ربط القضايا العلمية بحقائق الحياة الواقعية من الجهة الأخرى؛ وهدفهم إنارة الطريق أمام الرأي العام.

لذا، اختار هارولد ستانارد المقارنة بين الدستورين الإنجليزي والأمريكي موضوعًا لكتابه هذا، علمًا منه باهتمام الناس جميعًا؛ باهتمام القارئين في كل مكان — لا في إنجلترا أو في أمريكا فحسب — بهذين النظامين، اهتمامًا نرده إلى صفة عصرنا الحاضر، إلى ما يسود الإنجليز والأمريكيين من فقْد الإيمان التام والوثوق الكامل بالنظم الموروثة عن آبائهم. مضى زمن كانوا فيه يؤمنون بأن هيئاتهم النيابية وسلطاتهم القضائية والتنفيذية هي خير ما أُخرج للناس، وبأن سعادة الدارين مكفولة لمن هداه عقله وأنار الله بصيرته فحذا حذوهم وسار على دربهم. مضى ذلك الزمن وحلَّ زمن آخر تبدد فيه ذلك الوثوق القديم، وأعلنت طوائف لا يستهان بها سخطها، وأقسمت أخرى لتحطمن تلك النظم إن وقفت تعترض سبيل الانقلاب الاجتماعي. وهكذا في إنجلترا وفي أمريكا، أما في غيرهما فقد شهدنا انهيار الاستقلال والسيادة القومية في أنحاء كثيرة من العالم الأوروبي، ورأينا في أيامنا أممًا أوروبية تؤثر على الحياة القومية المستقلة انحيازًا لمجموعات قوية؛ وذلك تحقيقًا لأهداف الثورة الاجتماعية. وقد صحب هذا كله محنة عصيبة لرجال الدين وللمؤمنين بالله وبالقيم الروحية؛ فلا عجب أن امتُهنت كرامة الإنسان واستُهين بحقوقه الأساسية، وامتدت الفوضى فعمَّت حياة الأسرة، واختلت مقاييس الشئون، فأصاب المسخ والتشويه كل ما يُرسم وكل ما يُنحت، وسخَّر العلماء ما وهبهم الله لاستكمال أدوات الفتك والخراب، وسخَّر أصحاب الأقلام أقلامهم لتسميم العقول وإفساد النفوس.

فلا عجب أن انبعث الاهتمام من جديد بالنظم السياسية، ورحَّب الناس بكل ما يُكتب فيها متسائلين عن سبل الإصلاح. وعاد القراء من الإنجليز يهتمون بما يجري في أمريكا، والقراء الأمريكيون بما يجري في إنجلترا؛ ودعاهم هذا للسؤال: هل يمنع ما بين الدستورين من اختلاف المجموعتين الأمريكية والبريطانية من تأليف جبهة فكرية تقارع النظام الروسيَّ؟ وهل يجد الإنجليز في الدستور الأمريكي والأمريكيون في الدستور الإنجليزي علاجًا لعلل العصر الحاضر؟

هذا السؤال وأمثاله مما دعا ستانارد لتأليف كتابه في الدراسة المقارنة تأليفًا صحفيًّا بالمعنى الذي حددت في أول هذا الحديث. فله إذن غرض واقعي، حقيقةً لا يخوض في العلاقات بين الحكومتين الأمريكية والإنجليزية، ولكنه يؤمن بأن الرأي العام — في بلاده على الأقل — ينتفع حقًّا إذا ألمَّ بالحقائق الأساسية لدراسة مقارنة عنده على درس النظم الفعالة في نطاق الحياة السياسية، فبدأ بما يفيده «دستور» في أمريكا وفي إنجلترا؛ أي بالأصل في الدولتين، بالنبع: بالتاج في إنجلترا ويصفونه بأنه «التاج في البارفان» وبالدستور المكتوب في أمريكا. وانتقل من ذلك للملك ورئيس الوزارة في إنجلترا ولرئيس الجمهورية في أمريكا، وحتى يبحث القول بأن الشبه الحقيقي يقع بين رئيس الجمهورية الأمريكية ورئيس الوزارة الإنجليزية. ويتحدث بعد ذلك عن الهيئة التشريعية: البارفان والكونجرس، ومنه للأحزاب، ثم يعود لتحليل الهيئة التشريعية فيقارن ما بين السناتو الأمريكي ومجلس اللوردات وما بين مجلس العموم الإنجليزي ومجلس النواب الأمريكي، ثم القضاء. ويختم الكتاب بأجود ما فيه: المركزية الإنجليزية والاتحادية أو التعاهدية الأمريكية.

وقد نُشر الكتاب بعد موت المؤلف في سنة ١٩٤٧م؛ ولهذا تنقصه دراسة الحقبة الأخيرة من تاريخ الحياة السياسية الإنجليزية، فلم يشهد المؤلف أطوار الحكومة العمالية الأولى التي تألفت عند نهاية الحرب الكبرى، والتي انتهت بالانتخابات العامة التي حدثت في إنجلترا منذ عهد قريب وجاءت نتيجتها على النحو الذي يعرفه الناس.

وقد ترتب على هذا أن الكتاب لا يصور تمامًا كل النتائج الخطيرة التي أظهرتْها واضحةً كلَّ الوضوح محاولةُ العمال إحداثَ انقلاب اجتماعي خطير بوسيلة الأغلبية البارفانية. وسنعود لهذه المسألة الخطيرة بعد قليل.

الدستوران الأمريكي والإنجليزي يختلفان الواحد عن الآخر كلَّ الاختلاف؛ فكيف ومتى حدث هذا الاختلاف بعد اتحاد الأصول؟ سؤال أساسي، هو تاريخي، ولكن لا بد من أن يعرض له المؤلف قبل أي شيء.

نبتت أصول الفكرة السياسية الأمريكية في حركة الإصلاح الديني البروتستنتي الإنجليزي في القرن السادس عشر والسابع عشر، وترعرعت في جو الحرية الكاملة للفرد؛ له أن يستخدم عقله في مسائل العقيدة، وله أن يحكِّم ضميره، وله أن يستخدم ذكاءه ونشاطه فيما يحقق منافعه ومصالحه، له أن يزرع وله أن يجني ثمرة ما زرع. وهذا المؤرخ الاقتصادي توني Tawney يضع كتابًا مشهورًا في أصول النظام الرأسمالي يذهب فيه إلى نمائه في البيئة البروتستنتية.

قلت: إننا نجد الأصول الأمريكية في الإصلاح البروتستنتي الإنجليزي؛ أي في حركة إنجليزية. ولكن الحركة في إنجلترا انتابتها ثورات وحروب؛ هي حروب القرن السابع عشر الدستورية، تخللتها الدكتاتورية الدينية العسكرية بزعامة كرمويل، وانتهت بانهيار النظام الكرمويلي وعودة إنجلترا لنظامها التقليدي: الملك والبارفان. واستتب الأمر للبارفان، أو بعبارة أصح للأغلبية البارفانية؛ أي إن النظام الحزبي هو قطب الرحى في الحياة السياسية. لم يحدث هذا في أمريكا، بل بقي الأساس من أول الأمر لآخره حقوق الفرد الطبيعية، حقوق لا يستمدها من سلطان ما، هي له بحكم إنسانيته وحدها، وما تنشأ حكومة ولا يقام سلطان إلا لحماية تلك الحقوق وتحقيقها. وخير ما يعبِّر عن الفكرة الأمريكية كتاب لوك Locke المشهور «رسالة في الحكومة المدنية». أما الدستور فقد وُضع بعد نهاية حرب الاستقلال، وكان همهم أن يوفقوا بين حقوق الولايات أو المستعمرات التي ثارت على الحكومة الإنجليزية وبين حاجات الاتحاد الذي ألَّفوه من جهة وبين السلطات؛ فلا تطغى سلطة على أخرى لمنع الاستبداد ولكفالة الحقوق الطبيعية من الجهة الأخرى، محققين لفكرة أن السلطان مصدره الأمة بالرجوع لها في اختيار ممثليها أو في اختيار أصحاب المناصب.

وعلى هذا فإذا ما اشتد الخلاف بين الأحزاب وتكافأت قواتها، أو بين رئيس الجمهورية والكونجرس وتعطل دولاب الحكومة المركزية، فإن الأداة الحكومية لا تتعطل تمامًا؛ إذ تبقى الولايات وحكوماتها تباشر ما خصها به الدستور. وعلى عكس ذلك في إنجلترا، قد يعطل مجلس اللوردات العمل مثلًا برفض مشروعات للقوانين أقرها مجلس العموم، فيعطل كل شيء. ولا بد من وسيلة للخروج من المأزق، أو على حسب التعبير الإنجليزي: لا بد لحكومة جلالة الملك من أن تستمر. وقد تكون الوسيلة أن تهدد الحكومة بخلق أغلبية في مجلس اللوردات بمنح أنصارها ألقاب النبل التي تعطيهم عضوية مجلس اللوردات، ويكفي مادة التهديد بمثل هذا لعدول اللوردات عن معارضتهم؛ أي إن الأمر في إنجلترا لأصحاب الأغلبية ويمكنهم دستوريًّا أن يفعلوا ما يشاءون، على عكس الحال في أمريكا تمامًا. حقيقةً قد يقف في سبيل أصحاب الأغلبية البارفانية ما اصطلحوا على تسميته باسم «التقاليد أو العرف الدستوري»، وقوة هذه التقاليد تنحصر في تأييد الرأي العام لها، ولكن ما قيمتها إذا تطورت الحال فحل في الحكم — كما هو الأمر الآن — حزب مصمم على السير في إحداث انقلاب اجتماعي؟ وخصوصًا إذا خضع هذا الحزب — كما هو الآن — أيضًا لنفوذ هيئات قوية غير بارفانية كمؤثر النقابات مثلًا.

وختام القول في هذه المباحث الدستورية أنه لا بد من الوصل بين النظم في حدِّ ذاتها والبيئة التي تعمل فيها، من حيث التيارات الفكرية والمصالح التي تتنازع الأمر فيها. وهذا بالضبط ما نلحظه على الكتاب الذي تشرفت بعرضه عليكم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.