إذا كنت في أسوان سرني — فيما يسرني من رحلتها المباركة — أن تتعدد فرص الاجتماع بالنخبة المختارة من أدبائها والمثقفين من ضيوفها، وهم — بحمد الله — كثيرون يزدادون عامًا بعد عام، فإنني أستطيع هنالك أن ألقاهم أيامًا من الأسبوع بدلًا من اليوم الواحد الذي أفرغ فيه للزيارة بالقاهرة، ولا أزال في كل اجتماع أستمع إلى خلاصة الشئون التي تشغل الذهن المثقف في بلادنا وفي غيرها من البلاد العربية. ولا يزال المتحدثون بهذه الشئون يحومون حول كل موضوع يكتبه الكاتب أو يقرؤه القارئ: من حديث الشعر إلى حديث القصة، إلى حديث المرأة، إلى الحديث عن مصير إسرائيل ومصير القضية العربية، إلى كل حديث يتساءل عنه المتسائلون ويختلف عليه المختلفون.

وأهم الأحاديث التي أذكرها بعد هذه الرحلة حديث الاختلاف على ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية، وأحسبه من موضوعات الساعة عندنا وعند المشتغلين بمباحث الأديان الغربيين؛ إذ لا أعرف زمنًا بلغت فيه العناية بالاطلاع على القرآن الكريم ما بلغته منذ نهاية الحرب العالمية على التخصيص.

ومن دلائل هذه العناية ظهور ترجمة «بكتال» بالطبعة الشعبية، ونفادها في أسابيع معدودات، وظهور ترجمة «أربري» للآيات المتفرقة عن الأحكام وآداب الحياة، ثم ظهور الترجمة الكاملة على أثرها في مجلدين. وقد أعيدت طبعة «كازميرسكي» النادرة باللغة الفرنسية، ووصلت منها ثلاث نسخ إلى القاهرة، فما هو إلا أن طلبتها إحدى المكتبات الكبرى حتى جاءها الرد بالاعتذار؛ لأن الطبعة كلها نفدت بعد شهر واحد من ظهورها.

هذه العناية من غيرنا لا بد أن نتلقاها بعناية من نحونا تساويها أو تزيد عليها، فكيف تكون عنايتنا إذا أردنا أن نعمل شيئًا نستطيعه ولا نستطيع السكوت عليه؟

أغاية ما في وسعنا أن نعود إلى الخلافات البيزنطية على جواز الترجمة أو تحريمها، أو جواز بعضها وتحريم بعضها، ثم ترك هذا البعض وذلك البعض على السواء إلى أن يتجدد الخلاف بعد فترة أخرى؟

ينبغي أن نعلم على كل حال أن الخلاف القديم إنما كان على موضوع غير موضوعنا في هذه الأيام، وإنما كان الباعث الأكبر عليه أن الأمراء والولاة من الأعاجم كانوا يريدون أن يستأثروا بالإمامة، وهم لا يعرفون العربية ولا يحسنون القراءة بها، وكان وراءهم أتباع من العرب وغير العرب يراد منهم أن يقيموا الصلاة خلف هؤلاء، سواء عرفوا العربية أو جهلوها.

وليس هذا موضوعنا اليوم؛ لأن أحدًا من الناس لا يريد أن يستأثر بالإمامة بعد ترجمة القرآن إلى اللغة الأجنبية، وكل ما يراد هو تمكين الأمم غير العربية من الوسيلة الوحيدة التي يخلصون بها إلى فهم كتاب المسلمين على أصح الوجوه.

والرأي المتفق عليه أن تفسير القرآن للأميين الذين لا يفهمونه جائز، بل واجب، فلِمَ لا تجوز الترجمة إذا جاز التفسير؟

إن معاني القرآن كانت موجودة قطعًا في اللغات الأخرى كما جاء في الكتاب الكريم: ().

وقد جاء في المبسوط لشمس الأئمة السرخسي «أن الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه أن يكتب الفاتحة بالفارسية، فكانوا يقرءون ذلك في صلاتهم حتى لانت ألسنتهم للعربية» … وروي أنه كتب لهم بعد البسملة: «بنام يزدان بخشايند بخشانيد إلخ.» ولم ينكره النبي عليه السلام.

ومهما يكن من القول المختلف عليه في إمكان الترجمة قبل العصر الحاضر، فالترجمة في هذا العصر أيسر وأقرب إلى الإتقان؛ لكثرة العارفين باللغات الأجنبية من المسلمين، وكثرة التراجم التي نعارض بينها ونستخلص منها الأصح والأجمل الأكمل من التعبيرات والتفسيرات.

أما الطريقة المثلى عندنا في ترجمة الكتاب، فهي البدء بترجمة الآيات الجامعة لحكم الأخلاق، وآداب الحياة، ووصايا المعاملة والمعاشرة، وأسس العقائد والعبادات.

فهذه الوصايا تشوق أناسًا عديدين من القراء غير المشتغلين بالمباحث الدينية، ومنها يتدرجون إلى الاطلاع على الكتاب بتفصيلاته كلما وجدوا من الآيات المتفرقة ما يشوقهم إليه، وبخاصة حين يقرءونه بمقدماته التاريخية، وتعليقاته التي ينفذون منها إلى السير والأنباء في حياة النبي وصحبه، ومناسبات الإيحاء والتشريع.

ولنعلم أن الإفتاء بتحريم الترجمة لن يحرمها على الأوروبيين والأمريكيين، ولكنه يفتح الأبواب جميعًا للأخطاء والأغاليط، ويغلق الباب الوحيد للتصحيح والتحقيق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    endisf upi.edu ·١٣ سبتمبر ٢٠١٦، ٢١:١٧ م

    شكرا لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة هي مؤسسة غير ربحية تهدف إلى نشر التعليم والثقافة وغرس حب القراءة بين المتحدثين باللغة العربية.