شارع «اﻟ …» شارع قديم جدًّا، أنشئ في عهد أمير مصر سعيد باشا، وبقي على حاله الأول إلى يومنا هذا، ولعل السر في ذلك وجودُه في حي قديم بعيد عن الأحياء الأوروبية. وهو كالشوارع القديمة يجمع بين القصور الكبيرة تحوطها الأسوار العالية، والبيوت الصغيرة الحقيرة التي لا تأوي تحت سقفها إلا المساكين. في هذا الشارع قصر كبير لأحد بشوات مصر المعروفين بالجاه والحسب والثروة، ولهذا الباشا أربعة من الأولاد الذكور واثنتان من الإناث يعيشون عيشة هادئة مرضية، وينعمون بلذات الحياة ومسراتها.

أراد الباشا أن يزوج ابنه الأكبر، فخطب له ابنة تساويه مقامًا ومالًا، وأقام الأفراح في قصره أربعين ليلة متوالية، حتى ملَّت النفوس سماع النغمات ورؤية التعاليق والأنوار.

عرس يجمع أربعين عرسًا! تلك لَعَمري مسألة عريضة طويلة حوت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، شيء كانت له ضجة هائلة في ذلك الحي، بل كان حديث الناس في كل مكان.

***

وفي ذلك الشارع أيضًا بيت حقير لحوذي من أصحاب العربات الكارو، له ولد مريض أربى على الثامنة عشرة لازَم الفراش أربعين ليلة وافقت ليالي العرس. كان الباشا يضحك، وكان الحوذي يبكي. كان الباشا يعد معدات العرس، ويصرف من أجل ذلك عن سعة، وكان الحوذي يبيع أثاث بيته ليشتري الدواء لابنه المسكين. كانت النغمات تطن في آذان الباشا فينشرح لها صدره وتنبسط نفسه، وكانت أنفاس الابن تقع في قلب الوالد فتقطع البقية الباقية منه.

وفي صبيحة اليوم الواحد والأربعين زاد على أهل القصر الكبير شخص وهو زوجة الابن الأكبر، ونقص من أهل البيت الحقير شخص هو ابن الحوذي البائس.

أصبح الزوج ينعم مع زوجته بما لَذَّ وطاب، وأصبح الشاب الفقير جثة هامدة تُبلِّلها دموع أبيه المسكين.

ذهب الحوذي لقصر الباشا باكي العين كاسف البال خاوي الوطاب، وسأله أن يعطيه ما ينفقه في سبيل دفن ولده، فامتنع الباشا معتذرًا بأنه أنفق المال الكثير أربعين ليلة متوالية لزواج ولده.

إن ذلك شديد هائل على كل نفس حرة أبية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.