نعت إلينا برقية هافاس الشاعر الدرامي الكبير أدمون روستان؛ اختطفته المنية بعد حياة بيضاء ناصعة قضاها في سبيل فنه جامعًا بين الشعر والتمثيل، فذهب ضحية الحمى الأندلسية في الساعة التي خفقت فيها قلوب الإفرنسيين فرحًا بنصرهم العظيم، وشوقًا لسماع أشعاره الحماسية عن فوزهم الكبير. مات الشاعر العبقري صاحب الصيت الطائر والشهرة الواسعة تاركًا روايته الخالدة حية تقرؤها الناس في كل مكان، ومن ذا الذي لا يعرف روستان «وسيرانو دي برجراك» خير ما أخرج للناس في القرن العشرين، بل خير كتاب أخرجه المذهب الرومانتيكي من يوم نشأته إلى يومنا هذا؟ بدأ روستان حياته الأدبية في العشرين من عمره بديوان من الشعر أطلق عليه اسم «ليمزارديز»، رأى فيه النُّقَّاد تلك الرُّوح الحائرة التي رأَوْها في أشعار موسيه الأولى. ثم تحوَّل عن الشعر إلى الشعر التمثيلي وألَّف رواية «لاسماريتين»، وأعقبها برواية «لابرنسس لوانتين»، ثم ألَّف رواية «ليرومانسك»، وظهرت في رواياته الثلاثة تصوُّراته البديعة وخيالُه السامي وعواطفه الفياضة، وما كانت هذه الروايات غير مجموعة من القصائد التمثيلية التي يلتقي فيها الإحساس بالخيال، ثم أخرج للناس رواية «سيرانو دي بروجراك» في وقت اتَّخذ فيه الكتاب خطة «الرياليزم»؛ أي الوقائع والحقائق، وتعددت فيه الروايات الأجنبية، وكثُرت روايات الفودفيل حتى مَلَّ الجمهور هذه الأنواع، وود أن يرى رواية تجمع بين الحماسة والحب الطاهر والتضحية مع المواقف الهزلية؛ أي رواية من نوع الرومانتيك «نوع شكسبير»، فأتاه روستان بروايته الجديدة، ووجد فيها الجمهور أمنيته، فأعلى من شأنها عن جدارة واستحقاق، وتحدثت بها الناس في العالَمَيْن الأوروبي والأمريكي، وعدَّها الأدباء خير رواية ظهرت في عالم الأدب بعد رواية «السيد» لشاعر فرنسا الكبير «بيير كورنيل»، ثم ألف رواية «النسر الصغير» عن حياة ابن نابوليون الأول، وكتب في مقدمتها بيتين من الشعر معناهما: «علِم الله أني لا أهاجم أحدًا ولا أدافع عن أحد، ولكني أكتب قصة طفل بائس.» وخير ما في هذه الرواية تلك القصيدة البديعة التي يقولها ابن نابوليون وهو يحلم بواقعة «فجرام» سامعًا صراخ المنتصرين وأنين المحتَضَرين. وستبقى تلك القصيدة خالدة رغم أنف الليالي والأيام. ثم كتب رواية «شانتكلير»، وما هي إلا دعابة من نوع دعابات شكسبير وذكرى تعيد لقارئها روايات رينارت وقصائد لافونتين، وفيها يخرج الممثلون على المسرح في زي الحيوانات يمثلون حسنات الناس وسيئاتهم، ولكنه لم يبلغ فيها ما بلغه في رواياته السالفة. واشتغل روستان بعد ذلك بتأليف رواية «دون جوان»، ولكنه مات قبل إتمامها أو قبل إخراجها للناس.

هذه هي حياة الشاعر الكبير، وهي — كما نرى — حافلة بأكبر المآثر، ومن العجيب أن زوجته شاعرة أيضًا. رحم الله روستان الشاعر العبقري والعامل المُجِد، وليس لنا حيال هذا المصاب الكبير إلا أن نعزي الأمة الإفرنسية بفقد رجُلها القادر والعالم أجمع بموت شاعره الدرامي العظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.