إحداهما صامتة ولكنها تبلغ من إقناع المُكابر وشفاء المريض ما لا يبلغه أبرع القول وأنفذ الكلام، والأخرى ناطقة ولكنها تبلغ من إصابة الهدف وإدراك الغاية ما لا تبلغه السهام الماضية الصائبة، التي لا تنحرف عن مرماها قليلًا ولا كثيرًا. وأريد بهاتين اللغتين لغة العمل الذي لا تردد فيه، ولغة الصراحة التي تبرأ من كل مصانعة أو مخادعة أو مداراة.

وقد كُتب لسياستنا الخارجية في هذه الأيام أن تصطنع هاتين اللغتين في إبلاغ أصدقائنا وخصومنا ما نريد، فأُتيح لها من التوفيق والنُّجْح ما لم يُتح لها مثله، ولا شيء يقاربه في أي وقت من الأوقات في حياة مصر المعاصرة. كانت فيما مضى تعوزها الجرأة التي تحتاج إلى شيء غير قليل من الإيمان بالنفس والاستهانة بالعواقب في سبيل هذا الإيمان، وكانت تعوزها الثقة بحقنا الكامل في المساواة حين نتحدث إلى الخصم والصديق من الدول الأجنبية، ومن الدول الأجنبية القوية خاصة.

كان شكُّنا في أنفسنا يغرينا بالخوف ويغري الخوف بنا، فكنَّا إذا أردنا التحدث إلى دولة من هذه الدول التي بسطت سلطانها على الأرض تحفظنا أشد التحفظ فيما نقول، وترددنا أشد التردد قبل أن نقول، ولم نكن نشفق من شيء كما كنا نشفق من الجهر بالقول لمن نتحدث إليهم من ساسة الغرب. كنا نرى أنفسنا أقل منهم قدرًا وأهون منهم شأنًا؛ لأننا لم نكن نملك من القوة مثل ما كانوا يملكون، بل لم نكن نملك شيئًا وكانوا يملكون كل شيء؛ فكان هذا يضطرنا إلى التفكير والتقدير والنظر في العواقب، ومحاسبة أنفسنا على كل كلمة قبل أن تنطلق بها ألسنتنا أو تجري بها أقلامنا، وكان ذلك يطمعهم فينا ويغريهم بنا ويسلطهم علينا ويدفعهم إلى التحكم في مرافقنا وفي مستقبلنا، وقد اجترأنا على الإنجليز في بعض أوقاتنا فحمدنا نتائج هذا الاجتراء.

اجترأنا عليهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ فأكرهناهم على إلغاء الحماية، وأكرهناهم على أن ينزلوا لنا عن بعض الحق. واجترأنا عليهم منذ سنين، فكدنا نُكرههم على أن يعترفوا لنا بالحق كاملًا. ولكن جراءتنا كانت محدودة يَشوبها شيء كثير من التردد ويفسدها شيء كثير من مكر بعضنا ببعض، وكيد بعضنا لبعض وإيثارنا الاستجابة لصغائر الأمور على الاستجابة لعظائمها.

فكنا كلما دنونا من الغاية رُددنا عنها أعنف الردِّ وأقساه، وكنا كلما كدنا نحس شيئًا من رضى النفوس رُددنا إلى الحزن المر والسخط الممضِّ؛ لأننا لم نكن نقدر على التصميم، ولم نكن نحسن اصطناع هاتين اللغتين؛ لغة العمل الصامت المنتج، ولغة الصراحة الواضحة الناصعة التي لا مداراة فيها ولا مجاراة، حتى كانت هذه الثورة التي غيرت ما بنفوسنا فغيَّر الله ما بنا، حالت الثورة بيننا وبين أن يَمكر بعضنا ببعض، ويكيد بعضنا لبعض، ويتربص بعضنا الدوائر ببعض؛ فانقطع الخلاف وسكتت الخصومة وكفَّ الشر الذي كان يأتينا من ذات نفوسنا، وفرغنا للأجنبي؛ فعرفنا كيف نَثْبت له في الخصومة، وكيف نلقى لغته المخادعة المصانعة بلغتنا الصريحة الواضحة، وكيف نلقى عمله المستتر المستخفي بعملنا الظاهري الصريح، وكيف نلقى شكَّه بإيماننا وتردده بتصميمنا؛ فأُتيح لسياستنا الخارجية من النجح ما لم يتح لها في يوم من الأيام أثناء تاريخنا الحديث.

هذه اللغة التي تكلم بها رئيس الحكومة إلى الضباط والجنود المرابطين على الحدود، والتي خيبت آمال الإنجليز فيما يقول متحدثهم الرسمي، كان من الطبيعي أن تخيب آمالهم؛ لأننا عودناهم فيما مضى من الأيام أن نتحدث عما بيننا وبينهم من الصلات بلغة أخرى، عودناهم ألَّا نسمي الأشياء بأسمائها، وألَّا نضع النقط، وألَّا نتهمهم ونتهم حلفاءهم بالمكر والخداع والائتمار الخفي بحياة الشعوب ومصيرها. فكان من الطبيعي أن تفاجئهم لغتنا الجديدة، وأن تكذب بنا ظنونهم وتخيب فينا آمالهم، وأن يعلموا أنهم لن يستطيعوا بعد الآن أن يخدعونا، ولا أن يتحكموا من قريب أو بعيد فيما نعمل أو نقول؛ لأننا ذكرنا أن لنا سُنَّة موروثة تعلِّمنا أن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين. وقد عرفنا أننا لم نكن مؤمنين بأنفسنا ولا بحقنا؛ فلُدغنا من جحر مرات لا تُحصى، ثم ثاب إلينا إيماننا بنفوسنا وحقوقنا واستخفافنا بالعواقب مهما تكن في سبيل هذا الإيمان، فأصبح من العسير، بل من المتعذر أن نُلدغ من هذا الجحر ومن أمثاله مرة أخرى، وأصبح من أيسر الأشياء وأهونها أن نقول لهم ولحلفائهم في غير مداورة ولا تنميق للقول إنهم يمكرون بنا، ويكذبون علينا وعلى أنفسهم حين يزعمون أنهم يريدون تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وإنهم من أجل ذلك يأبَون أن يبيعوا لنا أسلحتهم؛ لأنا نعلم أنهم لا يريدون تحقيق السلام، وإنما يريدون أن يمدُّوا لعبتهم إسرائيل بالأسلحة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ ليتخذوها وسيلة إلى الوعيد والتهديد والتحكم في هذا الشرق العربي، الذي لا يستطيعون أن يجدوا العزاء عن تحرره من سلطانهم وتخلصه من تحكمهم، نعلم ذلك ونعلم أنهم يمكرون بنا ويكذبون علينا وعلى أنفسهم، حين يزعمون أو يزعم بعضهم أنهم يكفُّون الأسلحة عن إسرائيل؛ لأنهم يرسلونها إليهم ويغرون فرنسا خاصة بإرسالها نيابة عنهم. ولعلهم أن يغلوا أثمانها التي يؤدونها إلى فرنسا، يشترون أصحاب رءوس الأموال من أبنائها بهذه الأثمان الغالية، ويخيلون إلى فرنسا أنهم سيؤيدون بَغْيها على الجزائر وسطوتها بأهلها على هذا النحو البغيض، الذي لا تستحي منه ضمائرهم حين يخلون إلى أنفسهم وحين يشاركون في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة.

نعلم هذا ونقوله لهم في صراحة لا غموض فيها ولا التواء، ثم لا نكتفي بصراحة القول، ولكنا نضيف إليها صراحة العمل، وربما عملنا قبل أن نقول، ومن أجل ذلك اشترينا الأسلحة حيث وجدناها وسنشتريها حيث نجدها لا نحفل بما يَملئون الدنيا به من نذير وتحذير.

ثم نحن لا نكتفي بهذا، وإنما نمضي في سياسة الصراحة في القول والعمل إلى أبعد حدودها؛ فنتبرأ من هذه الحماقة التي تتورط فيها بعض دول الغرب، ونعترف بالصين الشيوعية التي يسكنها الشعب الصيني بما يحصى من مئات الملايين، نعترف بها كما نعترف بروسيا السوفييتية، فمن أسخف السخف أن نعترف بالدول الشيوعية حين تكون في أوروبا وننكرها حين تكون في آسيا، ومن أسخف السخف أن ننظم الصلات التجارية والاقتصادية والثقافية بيننا وبين الصين الشيوعية، ولا ننظم الصلات السياسية كما نظمنا غيرها من الصلات. نعترف بالصين الشيوعية لأننا لا نريد أن نناقض أنفسنا كما يناقض غيرنا أنفسهم، ولا نريد أن ننافق مع أنفسنا كما ينافق غيرنا مع أنفسهم، ولا نريد أن نكذب على أنفسنا وعلى غيرنا كما يكذب قوم على أنفسهم وعلى غيرهم، ثم لأننا لا نريد آخر الأمر أن نخضع في سياستنا الخارجية لما يرسمه الغرب لنفسه من سياسة؛ وإنما نريد أن نَصْدر في هذه السياسة عن أنفسنا وعن مصالحنا كما تصدر الشعوب المستقلة عن أنفسها وعن مصالحها. ونريد أن نتحدث إلى الديمقراطية الغربية والديمقراطية الشرقية كلتيهما بهاتين اللغتين وحدهما؛ لغة الكلام الصريح الواضح الذي ليس فيه خداع ولا مداورة ولا تكلف، ولغة العمل المصمم المستقيم الذي ليس فيه مكر ولا كيد ولا نفاق.

فإذا رضي الغرب — على اختلاف دوله — عن هاتين اللغتين، فليس أحب إلينا من أن نسمع منه ونقول له، وإن كرهها فلْيلتمس له مصرًا أخرى في أي جزء شاء من أجزاء الأرض، فأما مصر هذه التي يجري فيها النيل وتقوم في مكانها الذي قُسم لها من الأرض، فلن تتحدث إلى الناس إلا بهاتين اللغتين؛ لغة القول الجريء الواضح الصريح، ولغة العمل المصمم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.