لا أحب أن أتعجل الإصلاح؛ لأن شرَّ الإصلاح ما جاء مرتجلًا، لم يأتِ نتيجة التفكير العميق والروية المتصلة والبحث المستفيض. ولكني أحب أن أعرض لأمور لم ينقطع تفكير المصريين فيها منذ كانت الثورة المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى بوجه عام، ومنذ أمضيت المعاهدة المصرية الإنجليزية الملغاة بوجه خاص. وما أعرف أن شعبًا تكلم عن الفقر والجهل والمرض بمقدار ما تكلم عنها الشعب المصري — عامته ومثقفوه — منذ ثلاثين عامًا، ولكن الكلام لا يطعم جائعًا ولا يكسو عاريًا ولا يعلِّم جاهلًا ولا يبرئ مريضًا. وكان يُقال: إن أمور الإصلاح ميسَّرة لا يعترضها إلَّا أمران: ضيق الميزانية من جهة، ووقف الطغاة والأَثِرِين في سبيله من جهة أخرى. وكان ضيق الميزانية ناشئًا دائمًا عن خطأ مألوف في كثيرٍ من البلاد، وفي مصر خاصة. كان الذين يضعون الميزانية يعنيهم قبل كل شيء أن يتحقق التوازن بين الدخل والخرج أو بين الإيرادات والمصروفات في لغة وزارة المالية، وكان تحقق هذا التوازن شيئًا أقرب إلى الوهم منه إلى أي شيءٍ آخر. جماعة من الكاتبين والحاسبين يقدِّرون الدخل بأرقام، ويقدِّرون الخرج بأرقام، ويحرصون أشد الحرص على ألَّا تزيد أرقام ما يُنفق من المال في المرافق العامة على أرقام المال الذي يُجبى من المرافق العامة. وكانوا يفخرون ويبتهجون إذا زادت الإيرادات على المصروفات، يرون في ذلك براعةً في الاقتصاد وحسن تدبير للأموال العامة. وكنا نرى — وما أكثر ما كان قومٌ يضحكون مما كنَّا نرى — أن توازن الميزانية إنما يكون بتحقيق التعادل بين حاجة الشعب الحقيقية إلى الإصلاح ومقدار ما يُجبى من الموارد العامة. وكنَّا نطالب بأن يزداد الإيراد حتى يُعادل الحاجة إلى الإصلاح، وننكر أن يضيق على الإصلاح حتى لا يتجاوز ما لدى الدولة من مال. وكنَّا إذا قلنا ذلك أو شيئًا قريبًا منه ضحك رجال المالية في وجوهنا، وقالوا في كثيرٍ من الرثاء لنا والعطف علينا: هذا كلام من لا علم له بشئون المال.

وكذلك كانت وزارة الصحة تحتاج إلى مقدار من المال؛ لتحقق شطرًا من برنامجها فيُقال لها: حسبك نصف ما تطلبين، ودبِّري أمرك بمقدار ما يُقسم لك من المال لا تتجاوزيه، وإن استطعت ألَّا تبلغيه فافعلي، والخير كل الخير في ألَّا تبلغيه! وكان هذا يُقال لكل وزارة من الوزارات التي تُعالج نحوًا من أنحاء الإصلاح الاجتماعي: وزارة الصحة التي تحارب المرض مقتر عليها، ووزارة الشئون الاجتماعية التي تحارب الفقر مضيق عليها، ووزارة التعليم التي تدافع الجهل من القلوب والعقول محجور عليها؛ لأن الميزانية أصبحت غاية لا وسيلة، ولأن الإصلاح أصبح يُقاس بالإيراد لا بحاجة الشعب إليه. ولم يكن من الميسور أن نطالب بزيادة الإيراد؛ ففي زيادة الإيراد اشتداد على أصحاب الثراء، وأصحاب الثراء أَثِرُون بطبعهم، لا يحبون أن ينفقوا ولا يبغضون شيئًا كما يبغضون الحكومة التي تضطرهم إلى الإنفاق. وأصحاب الثراء هؤلاء يأوون إلى ركنٍ شديدٍ، هو صاحب الثراء الأعظم الذي يملك أعظم حظٍّ ممكن من الثروة، والذي يجمع إلى ثرائه سلطان الدولة، والذي يولِّي الحكومات شئون الحكم ويصرفها عنها؛ يوليها إذا رضيَ عن أعضائها، ويصرفها إذا سخط على أعضائها. فكان من الطبيعي أن تحسب الحكومات لأصحاب الثراء، وركنهم الشديد الذي يأوون إليه ويلوذون به حسابًا أي حساب. حتى كانت بعض الحكومات تتحدث حديث المبتهج المفاخر بأنها لا تريد أن تزيد الضرائب، بل بأنها مصممة على ألَّا تزيد الضرائب. وكانت الظروف القاسية تضطر الحكومات أحيانًا إلى أن تستزيد من إيرادها، فتلجأ إلى الضرائب غير المباشرة، تفرضها على ما يحتاج إليه الناس جميعًا، فيزيد الفقير والبائس فقرًا إلى فقر وبؤسًا إلى بؤس وشقاءً إلى شقاء، ولا ترزأ الغني الموفور من ماله الكثير شيئًا ذا بال!

وكذلك أصبح الإصلاح عندنا كلامًا، وأصبح الجِدُّ فيه خطرًا على من يحاوله أو يدعو إليه، فضلًا عن أن يلح فيه. ثم تجاوز الأمر هذا الحد، فأصبح الإلحاح في الدعاء إلى الإصلاح عندنا شيوعية أو شيئًا قريبًا من الشيوعية، يضيق به صدر السلطان، وربما فتحت لأصحابه أبواب السجون وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

ومهما أنسَ فلن أنسى، ولن ينسى الوزراء الذين اشتركوا في وزارة الوفد الأخيرة ليلة ذهبنا نقسم اليمين الدستورية بين يدي الملك السابق. فلما فرغنا من يميننا تمنَّى رئيس الوزراء أن تجري الأمور على ما يصلح الوطن ويحقق آماله، ورد الملك السابق عليه فتمنَّى مثل ما تمنى الرئيس. ولكنه لم يلبث أن انحرف عن حديثه إلى جماعة الوزراء ورئيسهم، واتجه إلى وزير المعارف خاصةً يدعوه باسمه، وينبئه بأنه يعرف ما كان ينشره في الصحف، وينذره بأن اختياره للوزارة لم يكن إلَّا امتحانًا له، فهي فرصة أخيرة تُتاح له لعله يثوب إلى نفسه ويعدل عمَّا كان قد مضى فيه من تلك الكتابة المثيرة. ولم يجب وزير المعارف بشيء، وإنما خرج الوزراء وأنفقوا أيامًا وأسابيع يتندرون بزميلهم يدعونه باسمه كما فعل الملك السابق، ويذكرونه كتابته المثيرة والفرصة التي أُتيحت له ليرجع عنها. وواضح أن وزير المعارف ذاك لم ينتهز الفرصة التي أُتيحت له، ولم يرجع عن شيء عمَّا كان يدعو إليه، وإنما مضى في شئون التعليم على نحو ما كان يرسم قبل أن يكون وزيرًا، لا يقفه في طريقه إلَّا ما يقف الوزراء جميعًا من الميزانية وفهم رجال المالية لتحقيق التوازن بين الدخل والخرج.

ومضى عام وعام، واستقرت مجانيَّة التعليم العام، وأقبل العام الثالث، وجعلت الوزارة تعد خطاب العرش، وطلب وزير المعارف أن تتغير سياسة التعليم الجامعي، فتقرر فيها المجانية على ألَّا تقبل الجامعات من أصحاب الشهادة الثانوية إلَّا القادرين حقًّا على أن ينتفعوا بما يلقى فيها من التعليم. ولكن القصر وقف في سبيل هذه المجانية الجامعية، فحال بينها وبين أن تذكر في خطاب العرش، وحال بينها وبين أن تصبح أمرًا واقعًا. والغريب أن وزير المعارف كان متفقًا على ذلك مع الجامعات الثلاث.

ثم ولد ولي العهد، واجتمع مجلس الوزراء وأراد أن يظهر ابتهاج الحكومة والشعب بمولد أمير الصعيد، فاقترح بعض الوزراء أن يُعفى الطلاب الجامعيون من المصروفات التي لم يؤدوها، وسأل رئيس الوزراء وزير المعارف وهو يضحك: أراضٍ أنت عن هذا الإعفاء؟ قال الوزير: لا، إنما أرضى بتقرير المجانية الكاملة؛ وليكن ذلك ابتهاجًا بمولد الأمير. ولكن الوزراء تضاحكوا واكتفوا بما اتخذوا من قرار.

ولم يكن ذلك شأن الإصلاح في التعليم وحده، وإنما كان شأن الإصلاح في كل مرفق من مرافق الحياة. لم يكن بدٌّ من أن يتحقق الإصلاح بقوانين أو مراسيم، ولم يكن سبيلٌ إلى إمضاء القوانين أو المراسيم إلَّا إذا رضيَ عنها القصر، ولم يكن رضا القصر عن بعض الإصلاح يسيرًا ولا سهل المنال، ويجب أن نقول الحق: فقد كان للقصر أعوان في هذا الخوف من الإصلاح الذي يعرض ثراءهم لنقص قليل أو كثير.

وللقارئ أن يظن بي ما أحب من السذاجة — والعبط — كما يقول الناس، ولكن أذكر سلسلةً من المقالات لعلها بلغت عشرًا أو جاوزت هذا العدد، وكان موضوعها واحدًا، وكان يسيرًا سهلًا، وهو أن إصلاح التعليم الذي عمدت إليه وزارة الوفد الأخيرة إنما كان شيوعية سافرة. كان من الشيوعية أن يكون التعليم بالمجان، وكان من الشيوعية أن تفتح المدارس لعدد من أبناء الشعب لم يكونوا ليدخلوها من قبل، وكان من الواضح جدًّا أن كاتب تلك الفصول لم يكن يؤمن فيما بينه وبين نفسه بما كان يكتب؛ لأن له حظًّا من الثقافة يُتيح له التفريق بين الشيوعية ونشر التعليم. إنما كان يريد أن يخاصم الحكومة القائمة، ويُغري بها أصحاب الثراء، ويُغري بها من كان يرى لنفسه حق التولية والعزل، وحق إجازة القوانين والمراسيم وتعطيلها.

وأحب أن يعرف القارئ أني لست شيوعيًّا، ولم أكن شيوعيًّا قط، ولن أكون شيوعيًّا آخر الدهر، لا لأني أخاف على نفسي عواقب الشيوعية في مصر، فما أكثر ما تعرضت لما يخاف، فلم يصرفني الخوف عما أردت؛ بل لأني أؤثر الحرية على كل شيء من جهة، ولأن الشيوعية لا تلائم حياتنا المصرية المتدينة بالإسلام أو المسيحية، ولا تلائم الطور الذي وصلنا إليه من الرقي من جهة ثانية، ولأني مؤمن بأن في طبيعتنا وفي ديننا ما يمكننا من تحقيق العدل الاجتماعي دون حاجة إلى شيوعية لينين وستالين. ومع ذلك، فإني أذكر ديمقراطية قديمة عاشت في القرن الخامس قبل المسيح لم تكن شيوعية، ولم تدَّخر وسعًا في تأييد الحرية وملكية الأفراد لما يكسبون في حدود القانون، ولكنها لم تكن تكره أن تشق على أغنيائها في بعض ما لا تقدر عليه مواردها، فكانت تكلف أغنياءها بناء سفن الحرب، وكانت تكلف أغنياءها تلهية الشعب بتمويل التمثيل. ونشأ عن شدتها تلك على الأغنياء أن أصبحت مدينتها أثينا سيدة البحر، وأن تركت هذه المدينة للإنسانية تراثًا رائعًا خالدًا من الأدب التمثيلي.

وما أريد أن تشتد مصر على أغنيائها كما كانت تشتد أثينا على أصحاب الثراء فيها، ولكن لا أجد بأسًا في أن تعيد الديمقراطية المصرية الثائرة نظرها في توزيع الضرائب، وأن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء كما يأمر الإسلام، وأن تكلف الأغنياء إقامة المدارس والمستشفيات حين تسمح لهم ثروتهم بإقامة المدارس والمستشفيات، تأخذ من أموالهم صدقات تطهرهم وتزكيهم بها كما يقول اللَّه في كتابه الكريم. وأحبُّ أن يكون هذا كله بالقانون عن رضًا من البرلمان، لا عن تسلط من الحاكمين.

ولست أدري أين قلت في بعض كتبي منذ أكثر من خمس عشرة سنة أن من تغل عليه ثروته ثلاثين ألفًا من الجنيهات مثلًا سيظل غنيًّا حين ينفق نصف هذا الدخل فيما يطلب إليه من الضرائب؛ لتحقيق ما يحتاج إليه الوطن من الإصلاح.

إن الثورة الصادقة التي تصدر من أعماق الشعب تلغي الأثرة، وتضع مكانها في قلوب الناس شيئًا آخر هو الإيثار والتضحية في سبيل المنفعة العامة. وما أشكُّ في أن ثورتنا صادقة، وما أشكُّ في أنها صادرة عن أعماق الشعب، وما أشكُّ في أن من حقِّنا أن نرى الأثرة تجري عن مصر مع الطغيان، وأن نرى الإيثار يحتل مكانها في قلوب الأغنياء والموسرين، فينفقون عن سعة في سبيل الإصلاح، ويذكرون أن ما يفعلون من خير سيجدونه عند اللَّه، وأن الشاعر القديم لم يكذب حين قال:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين اللَّه والناس

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.