نعم بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة في تاريخهم القديم والحديث، قوامها هذه العظمة التي يُحبها الناس جميعًا، ويأنس إليها الناس جميعًا، والتي تُثير الإعجاب في نفوس كبار النَّاس، وتُثِيرُ الحُبَّ والوُدَّ في نُفُوسِ صِغَارِهِم، وتُحِيطُ صَاحِبها بجوٍّ صافٍ نقيٍّ من إكبار الناس له، وإخلاصهم في حبه، واتخاذه مثلًا أعلى لكل ما تكمل به رجولة الرجل العظيم، بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة.

هذه التي امتاز بها الملك ألبير، شهيد البلجيكيين، أول أمس؛ فقد عاش عيشة البطل، ومات ميتة البطل، وسيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن حياته العظيمة كما سيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن موته العظيم.

كل الناس عرضة لأن يلقى ما لقيه الملك ألبير فتزل به قدمه، ويهوي من القمة إلى القاع، ويدركه الموت في أثناء ذلك، ولكن الملوك قلما يعرض لهم مثل ما عرض لهذا الملك؛ فأنت تستطيع أن تبحث عن الملوك والرؤساء، بل تستطيع أن تبحث عن القادة والسادة وأشراف الرجال وأغنيائهم. هؤلاء الذين يخرجون للرياضة منفردين لا تُحيط بهم الحاشية، ولا يطيف بهم الأتباع، ولا تسبقهم الطلائع، ولا تسعى في آثارهم الأمداد.

تستطيع أن تبحث عن هذا الرجل ذي المكانة الذي يخرج للرياضة ليس معه إلا خادم، والذي يخرج للرياضة وهو يسوقُ عَرَبَته، والذي يبلغ مكانَ رياضته فيدع خادمه في عربته، ويصعد في الجبل وحيدًا فريدًا كما يصعد في الجبل أقل الناس شأنًا، وأيسرهم خطرًا، ثم ما يزال يصعد وحيدًا فريدًا حتى يشرف من القمة، ثم تزل به قدمه ويُدركه المَوتُ وَحِيدًا فَرِيدًا أَيضًا، ثم يستبطئه خادمه فيستعين الشرطة وغير الشرطة على البحث عنه.

وما يَزَالُ النَّاسُ يبحثون وينقبون حتى يظفروا بجسمه الضئيل العظيم مُلقًى في بعض القاع، فيحتملونه كما تحتمل الأجسام الضئيلة، ويعودون به إلى قصر الملك كما يعود أيسر الناس بأيسر الناس إلى أيسر الدور والأكواخ.

موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصوِّر إلى أي حد ترتقي ببعض الناس نفوسهم عن زخرف الحياة، ومظاهر الجلال الكاذب فيها، حتى يزدروا زُخرف الحياةِ ومظاهر الجلال الكاذب، وحتى ينتهوا إلى الحياة التي تَسْتَحِق أنْ تُسمى هذا الاسم، ويبلغوا الجلال الذي يستحق أن يُسَمَّى جلالًا.

موت عظيم لرجل عظيم، موتٌ يُصَوِّرُ إلى أي حد ترفع الفلسفة اليسيرة الساذجة نفوس بعض الناس حتى تجردها من كل ما يتعلق به الناس، وتسمو بها إلى حيث لم يتعوَّد الناس أن يسموا، وإذا هي تنتهي بهم إلى المساواة في الحياة بأدق معاني المساواة، ثم إلى هذه المساواة الأخرى التي يؤمن الناس بها جميعًا، ولا يقبلون فيها مُنَاقَشَةً ولا جِدَالًا؛ لِأَنَّها أَوضح وأجلى من أن تحتمل المناقشة والجدال، بل هم لا يُحِبُّون أَنْ يَذْكُروها ولا أن يتحدثوا فيها، وهي المساواة أمام الموت.

موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصَوِّر هذا البَطَل وقد سوى في الحياة بينه وبين غيره من الناس؛ لأنه كان يعلم وكان يقدر أن الطبيعة قد سوَّت بينه وبينهم في الموت، ولم ينخدع بهذه الأوضاع والأعراض الزَّائِلَة التي جعلتْ له بين الناس في حياته مقامًا مُمْتازًا، ومَكَانًا رَفِيعًا، بل لم يؤمن لهذه الحقائق الخالدة العُليا التي مَيَّزَتْهُ من الناس بقلبه الذكي، وخُلُقه الرَّضي، وحلمه الراجح، وصبره الذي لا يشبه صبر، وثباته الذي لا يدانيه ثبات.

رقى هذا الرجل إلى عرش بلجيكا؛ فلم يكد يستقر فيه حتى خلصت حياته كلها لشعبه، وطابت نفسه عَمَّا لا تطيب عنه نفوس الناس في سبيل هذا الشعب؛ فكان لا يعمل إلا له، ولا يُفَكِّر إلا فيه، ولا يسعد إلا إن رآه سعيدًا، ولا ينعم إلا إنْ رَآه نَاعِمَ البَال، وكانت الحياةُ حياةَ سلم، فسلك في خدمة شَعْبِهِ طُرُقَ السلم حتى إذا أحسَّ الناسُ مَقْدِمَ الحرب تأهب للحرب، وجَدَّ في تقوية شعبه وتهيئته لاستقبال الكارثة إنْ أَقْبَلَتْ، فَلَمَّا أقبلت الحرب لم تجد رجلًا ساهيًا ولا لاهيًا ولا مُقَصِّرًا. ولم تجد بنوع خاص رجلًا أثرًا، ولا مترددًا، ولا ضعيفًا، ولا مُستهينًا بالكرامة، ولا مُتهاونًا فيما تفرضه الفضيلة على الأمم الحرة المستقلة من الاستبسال والتضحية في سبيل الذود الكريم عن الحرية والاستقلال.

وإن الذين يذكرون أوائل الحرب الكبرى ليذكرون في الوقت نفسه ما كان يملأ نفوسهم من الإعجاب بهذا الرجل الذي لم يكن جاهلًا ولا مغرورًا، والذي كان يقدر قوة شعبه ويقيسها إلى قوة ألمانيا، والذي كان يعلم حق العِلْم أَنَّهُ أَضْعَف مِنْ أَنْ يثبت لهذا العدو الذي لم تكن قواه تُحدُّ، ولكنه مع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولم يُفَكِّر إلا في العِزَّة والكرامة، ولم يقارن بين الكرامة والمنفعة، ولم يشك في قوة الحق وإنْ ظَهَرَ ضعيفًا، وفي ضعف الباطل وإن ظهر قويًّا.

نعم، إنَّ الذين يذكرون أوائل الحرب يذكرون تلك اللغة الحَازِمَة المُلْتَهِبَة التي كان يتحدث بها هذا الملك إلى عَدُوِّه الوقح كما كان يُسَمِّيه، وإلى أُمَّتِهِ الكريمة كما كان يُسميها، والذين يذكرون الحرب يذكرون معها كيف صبر هذا الرجل للكوارث، وكيف ثبت للخطوب، وكيف لم يُؤْيَسه انتصارُ العدو، وكيف لم يُقنِّطه انهزام الحليف، وكيف امتلأ قلبه إيمانًا بالحق، فاندفعت نفسه إلى التضحية في سبيل الحق، وكيف قدَّم نفسه، بل كيف كان يُقَدِّمها في كل ساعة من ساعات الحرب فداءً لشعبه، وكيف أقام فيما بقي له من أرض الوطن ضعيفًا في ظاهر الأمر، ولكنه قوي في حقيقة الأمر، مَغْلُوبًا في ظاهرِ الأَمْرِ، ولكنه مُنْتَصِرٌ في حقيقة الأمر، منتصر لا على ألمانيا وحدها، منتصر لا على ألمانيا وحلفائها، منتصر لا على هذه الكوارث والخطوب التي كانت تحدق به وتدهمه من حين إلى حين، بل مُنْتَصِرًا على العالم كله، وعلى الإنسانية كلها؛ لأنه انتصر على نفسه وعلَّمها كيف تكون فوق الحوادث، وكيف تكون فوق الخطوب، وكيف لا تجعل لليأس ولا للشك إليها سبيلًا.

ثم تنتهي الحرب ويتم الظفر لهذا الملك وحلفائه، ويعودُ إلى عاصمة مُلْكِهِ مُنْتَصِرًا كريمًا؛ فلا يطغيه الفوز، ولا يُبطره الانتصار، ولا يطمع من شعبه ولا من غير شعبه في إكبار ولا إجلال ولا مكافأة، ولا شيء يُشبه المكافأة؛ لكثرة ما احتمل، وكثرة ما ضَحَّى، ولحُسْنِ بَلَائِه في خدمة الوطن؛ لأنه لم يكن يعتقد أنه زاد على أن أدى واجبه الوطني كما كان يُؤَدِّيه غيره من أفراد الشعب، وإنما نهض بأعباء الحرب ما قامت الحربُ؛ فلما انطفأت جذوتها نهض بأعمال السلم كما ينبغي أن ينهض الملوك بأعباء السلم، كان مُتْعَبًا مَكْدُودًا أثناء الحرب، ولكنه لم يسترح ولم يهدأ في أوقات السلم، إنما استبدل تعبًا بتعبٍ، وكدًّا بكد، وعناء بعناء، ولم يكن يتعب لنفسه ولا يكد لها، ولا يُفَكِّرُ فيها، وإنما كان تعبه وكده وتفكيره في الحرب والسلم لشعبه، ولشعبه ليس غير.

إن الذين يذكرون الحرب الكبرى لن ينسوا بسالة الملك ألبير، وإن الذين يذكرون السلم لن ينسوا إخلاص الملك ألبير لشعبه ومعونته له في جميع فروع الحياة، لقد كان حكمًا بين الأحزاب السياسية كأحسن ما يكون الحكم، عدلًا وإنصافًا وتنزهًا عن الغرض، وارتفاعًا عن الخصومات. لقد كان عونًا للعِلْمِ والأَدَبِ كأحسن ما يكون أعوان العلم والأدب، يشجعُ العُلَمَاء والأُدَباء على أن يبحثوا وينتجوا، يُغريهم بالبحث، ويغريهم بالإنتاج، ويخلق لهم من أسباب العون ما لم يكونوا يُقدِّرون أن يظفروا به، يمنحهم من ماله، ويمنحهم من مال غيره ببذل، ويدعو غيره إلى البذل، ولا يتحرج من أن يقف موقف الدُّعاة إلى الاكتتاب لمعونة العلم والأدب، لا في وطنه وحده؛ بل في البلاد المثقفة المُتَحَضِّرة كلها.

ليس غريبًا أنْ يظفر ملك كهذا الملك بما كان يظفر به من حب الشعب له، وفنائه فيه، لقد زُرت بلجيكا منذ أكثر من عشر سنين، ووصلت إليها في اليوم الذي كان البلجيكيون يحتفلون فيه بعيد ميلاد الملك، ووصفتُ في غيرِ هذا المكان مَا مَلأَ نَفْسِي إعجابًا من حُبِّ الشَّعْب البلجيكي لملكه، وابتهاج الشعب البلجيكي بعيد ملكه.

لم يكن هذا العيد عيد الملك، ولم يكن عيد الشعب جملة، وإنما كان عيدًا لكل فرد من أفراد الشعب، كان عيدًا في كل أسرة، وكان عيدًا في كل مكان، وكان عيدًا صَادِقًا خَالِصًا. ولقد رَأَيْتُهُ وقد دعا إلى قصره أعضاء مؤتمر التاريخ، فلمَّا استقبلهم جميعًا كما يُستقبل الملوك صَافَحَهُم، وألقى إلى كل منهم كلمة من كلمات المُجَامَلة العادية؛ نظرت فإذا المؤتمرون جميعًا في غرفة واحدة حول الشاي، وإذا الملك وأسرته بينهم كما تكون أنت وكما أكون أنا بين المدعوين، يتنقل من مكان إلى مكان: يتحدث إلى هذا، ثم يتحدث إلى ذلك، ثُمَّ يُطِيلُ الحديث مع من يعرف من العلماء، وما أكثر من كان يعرف منهم، ويوجز الحديث مُتَلَطِّفًا مع الذين لم يكن يعرفهم من قبل، ويجد على كل حالٍ شَيئًا يَقُولُه، ويتلقى على كل حال بالظرف واللطف والإيناس ما كان يسمعه مهما يكن، ومهما يكن قائله. هنالك عرفتُ أنَّ الملكية تستطيع أن تُلائم الديمقراطية حقًّا، هنالك عرفت أن الملكية تستطيع أن لا تكون كما يُريها بعض الأوربيين.

هذا الشيء الذي يأبى أن يتطور، ويمتنع على تقدم الحياة، وإنما هو شيء يُلَائِمُ رُقِيَّ الناس ورُقي عقولهم، وقلوبهم، وشعورهم، وحاجتهم إلى الحرية والمساواة، وهنالك عرفت أنَّ الملكية على هذا النَّحو ليستْ كَمَا يقول خصومها أثرًا من آثار القرون الماضية، وإنما هي نظام قادر على الحياة، وقابل للبقاء المنتج الخصب المفيد.

وهنالك عرفت كيف يكون حب الشعوب الحرة الأوروبية للملوك، وكيف يكون حب الملوك للشعوب، وكيف يستطيع عرش أوروبي أن يثبت بينما كانت العُروش الأوروبية تنهار من حوله بعد الحرب الكبرى.

ولقد كان الملك ألبير مثلًا صالحًا، وقدوة حسنة، لا للشعب وحده، بل لأسرته كلها أيضًا؛ فالناس يذكرون كيف كانت تخرج حَفيدته وامرأة ولي العهد — وملكة بلجيكا غدًا — كيف كانت تخرج لتروض ابْنَهَا، فإِذَا هي تَدْفَعُ عَرَبته الصغيرة كما تدفع أي امرأة من نساء الشعب عربة ابنها الصغير.

ليس هينًا هذا الخطب الذي أَلَمَّ بالشعب البلجيكي العظيم في ملكها العظيم؛ لأنه ليس مقصورًا على بلجيكا، بينما هو خطب عام للإنسانية كلها في مثل من المثل العليا للإنسان الكامل حقًّا. فليحسن الله عزاء الأسرة المالكة البلجيكية عن زعيمها، وليحسن الله عزاء بلجيكا عن عظيمها، وليحسن الله عزاء الإنسانية عن هذا المثل الأعلى الخالد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.