يقول السيد ماهر محمود البقري بمصلحة الجمارك في الإسكندرية نقلًا عن أستاذ من أساتذة علم النفس: «إن التثاؤب قد يكون دليلًا على الذكاء واليقظة الذهنية.»

ويُعَقِّبُ السيد ماهر مستغرِبًا لأن المظنون غير ذلك كما يقول، ويَوَدُّ لو عرف الحقيقة في هذا الموضوع.

والسيد ماهر على حَقٍّ في استغراب هذه الملاحظة لأول وهلة، غير أن الغريب فيها أن يكون التثاؤب دليلًا نفسيًّا على اليقظة الذهنية «فقط» ولا يكون دليلًا على نقيضها في بعض الأحايين؛ فإنما هو دليل على شيء واحد لا شك فيه وهو الاستعداد لالتقاط عدوى النوم من المتثائب للذين يُجالسونه وينظرون إليه وهو يتثاءب، أو يسمعونه وهو يُرسِلُ من فَمِهِ صوت التثاؤب المعروف.

وقد يدل هذا الاستعداد السريع لالتقاط عدوى النوم على النقيضين من فرط اليقظة إلى فرط الوخامة التي يقول أبناء البلد إنها تجعل الإنسان «نائمًا على نفسه» وهو جالس أو سائر على قدميه …

فقد يكون الإنسان على حساسية مفرطة تتنبه في لمحة عين إلى علامات التهويم في الآخرين، وهي علامات الشروع في النوم. وأظهرها التثاؤب وما يصاحبه من تقطيع الكلمات، فتسري إليه عدوى النوم سريعًا لفرط إحساسه وانتباهه إلى ما حوله، ويصح في هذه الحالة أن يُعتبر التثاؤب دليلًا على اليقظة الحسية وما يصاحبها أحيانًا من اليقظة الذهنية.

وكما يجوز هذا من ناحية اليقظة يجوز نقيضُه من ناحية الوخامة؛ لأن من كان وخيم الحس كان على الدوام في حالة شبيهة بحالة النوم، فلا يتعرض لظاهرة من ظواهره المحسوسة في جو يُخَيِّمُ عليه النُّعَاس حتى ينتقل سريعًا من التهويم إلى النوم العميق.

وفي جميع الحالات يَصِحُّ أن تكون القدرة على مقاومة التثاؤب دليلًا على قوة الإرادة وما يقترن بها كثيرًا من يقظة الذهن وقلة الغفلة واستطاعة المرء أن يدفع المؤثرات «اللاإرادية» وهي تسري إليه بغير اختياره.

وقد يكون أبو العلاء المعري يعتبر سريان العادة بتناسل الأحياء ضربًا من التثاؤب لا يقوَوْن على مقاومته فيسري من الأجداد إلى الآباء على غير قصد منهم منذ القِدم، فهو يفخر عليهم بقدرته على هذه المقاومة التي استطاعها ولم يستطيعوها فيقول:

تواصل حب النسل ما بين آدم

وبيني ولم يوصل بلامي باء

تثاءب عمرو إذا تثاءب خالد

بعدوى فما أعدتني الثوباء

ولقد عرف الناس قديمًا وحديثًا وسائل شتى لامتحان قوة الإرادة، أو قوة الأعصاب، منها القدرة على مقاومة الحركات «غير الإرادية» كالتثاؤب والضحك المغصوب من جراء الدغدغة في المواضع الحساسة من الإبطين وما يليهما، ومثلهما مقاومة النوم بعد التحديق الطويل في مكان واحد تمهيدًا للتنويم المغناطيسي في بعض الحالات.

فإذا جاز أن يكون فرط اليقظة سببًا لسرعة الإحساس بعدوى النوم، فمن الجائز أكثر من ذلك أن يكون فرط اليقظة منبِّهًا للإرادة إلى المقاومة قبل سريان التأثير إليها بغير اختيارها.

والمعول في جميع هذه الحالات على عمل الإرادة في حينها لاستجابة الشعور المنتقل من الآخرين أو لمقاومة هذا الشعور.

ويقال إن قوة الإرادة كثيرًا ما تكون سببًا لسرعة حدوث التنويم المغناطيسي، إذا أراد الإنسان أن يجاري رغبةَ منوِّمه ولم يُرِدْ مقاومتها؛ لأنه في هذه الحالة يعمَل بالتقاء إرادتين معًا على غاية واحدة، ولا يعمل بإرادة مستسلمة تخضع لإرادة أخرى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.