زعموا أنك إذا أردت تعريف الحكم وتحديد حقيقته، لم تستطع أنْ تجدَ له خيرًا من هذا التعريف، الذي يحبه الفلاسفة وأصحاب السياسة، وهو أنَّ الحكم تنبؤ بما سيحدث، واستعداد لما سيكون. فليس الوزير البارع هو الذي يحسن تصريف الأمور إذا عرضت له، والتخلص من الحرج إذا اضطر إليه. وإنما الوزير البارع هو الذي يحسن التنبؤ بما سيحدث له من الأمور، والاستعداد لتصريفها، وإعداد الحل لمشكلاتها، قبل أنْ تتكشف عنها الأيام. وليس من شك ولا من سبيل إلى الشك في أنَّ العناصر الرشيدة التي تتولى أمور الحكم في مصر، والعناصر الرشيدة الأخرى التي تؤيدها وتشد أزرها، متقنة فنَّ الحكم كل الإتقان، عالمة أصدق العلم وأوثقه بأسرار الحكم ودقائقه، قادرة أوسع القدرة وأشملها على الإحاطة بما كان، والتوقع لما سيكون، وعلى تفسير ما حدث، وحل ما سيحدث من المصاعب والمشكلات.

هذه أمور محققة، لا يبلغها الشك ولا يرقى إليها الريب، وآية ذلك أنَّ مشكلاتنا كلها محلولة — بإذن الله — ومصاعبنا كلها مذللة. ويكفي أنْ تنظر إلى أوروبا وأمريكا من جهة، وإلى مصر من جهة أخرى، فسترى أوروبا وأمريكا حائرتين ذاهلتين، تقوم في طريقهما العقاب التي لا تحصى، والمصاعب التي لا تعد، وهما عاجزتان كل العجز عن تذليل العقاب، وحل الأزمات. يطالبهما الدائنون المصريون بأداء الدَّين وفوائده ذهبًا، وهما عاجزتان عن أدائه ورقًا، فتحاولان المفاوضة، وتلجأان إلى المحاكم، وتقبلان في حقيقة الأمر، وترفضان في ظاهرة، وتضطربان في أمور مختلطة مرتبكة مهلهلة، كخيط العنكبوت. على حين تنظر مصر إليهما ساخرة، وتقذفهما بالمذكرة إثر المذكرة، وبالإلحاح في إثر الإلحاح، وتثور فيهما مشكلات المحاكم المختلطة. يريد الأوروبيون والأمريكيون أنْ يرأسوا الدوائر — كما يرأسها المصريون — وأنْ تكونَ لغاتهم مستعملة في المحاكم كاللغة العربية، فيأبى المصريون عليهم هذا الحق، ويضطرب المستشارون الأوروبيون والأمريكيون منكرين محتجين، وتضطرب الوزارات الأمريكية والأوروبية، فتؤيدهم في ظاهر الأمر، وتخذلهم في حقيقته، وتلجأ إلى الطرق الدبلوماسية، فتهيئ المذكرات لترسلها إلى مصر. ولكن مصر تتحدى وتتصدى وتنظر ساخرة، وتعرض مزدرية، ولا تستطيع أوروبا ولا أمريكا أنْ تقدما مذكرة أو شيئًا يشبه المذكرة إلى مصر.

وليس لهذا كله سبب إلَّا أنَّ المصريين — نستغفر الله — بل العناصر الرشيدة من المصريين تحسن فن الحكم وتتقنه، على حين لا يعرف الأوروبيون ولا الأمريكيون من فن الحكم هذا قليلًا ولا كثيرًا. وآخر آية أظهرتها العناصر الرشيدة في مصر دليلًا ناصعًا ساطعًا، قاطعًا على أنها تحسن فن الحكم وتتقنه، هذا الفصل الممتع البديع الذي قرأناه صباح اليوم في صحيفة تصدر باللغة الفرنسية من صحف الوزارة القائمة، ونعترف بأنا لم نكد نتقدم في قراءة هذا الفصل، حتى رأينا فيه سرًّا من الأسرار، لعله أثر من آثار وزير التقاليد، فهو يصور النبوغ الذي لا حد له، والبراعة التي لا تنتهي إلى غاية، واللباقة التي يعجز الوصف عن أنْ يحيط بدقائقها، وهذه الصفات لا تجتمع إلَّا لوزير التقاليد ووزير المالية.

وما دام وزير التقاليد هو وكيل حزب الاتحاد، ووزير المالية لا صلة له بالأحزاب، فيجب أنْ يكون هذا المقال الرائع المروع متأثرًا بوزير التقاليد خالصًا له من دون الوزراء.

هذا المقال يتنبأ ويتوقع ويستعد: يتنبأ بالحرب، ويتوقع أحداثها الثقال، ويستعد لتلك الحرب وهذه الأحداث. وما دامت أوروبا مضطربة هذا الاضطراب الظاهر، وما دامت آسيا مرتبكة هذا الارتباك البين، فالحرب واقعة في أكبر الظن. وما دامت مصر تقع بين أوروبا وآسيا، فقد يصيبها بعض الشر إنْ شبَّتِ الحرب هنا أو هناك. إذن، فمن الحق على مصر أنْ تتهيأ وتستعد، وتتأهب للأحداث قبل حدوثها، وللنوائب قبل أنْ تنوب. ومصر تستعد، ولكني أراهنك بما أحببت، وأتحدى ذكاءك إنْ كنت ذكيًّا، وأسألك أنْ تتبين طبيعة هذا الاستعداد الذي تطلبه صحيفة حزب الاتحاد إلى أهل هذه البلاد، لتلك الأيام الشداد. ليس استعدادًا في البر، ولا في البحر، ولا في الجو، ولا في السماء، ولا تحت الأرض، فكل هذه الأمور قد أراحنا الله منها؛ لأن حليفتنا الكبرى إنجلترا تحتمل هذه الأثقال. ولسنا نحن الذين يقولون ذلك، وإنما تقوله صحيفة حزب الاتحاد وتقوله بالفرنسية؛ ليقرأه المندوب السامي وأصحابه الإنجليز وليفهموه، وليتعلموا إنْ كانوا يجهلون من أين تؤكل الكتف، وليأكلوا إنْ كانوا جائعين! فإنجلترا إذن هي حليفتنا الكبرى، وهي تستعد للطوارئ في السماء والماء، وفي الأرض والهواء، فلنستعد نحن للطوارئ، أتدري بماذا؟ بكبح الخصومات الحزبية، ومنع المشاغبات، وحماية النظام الداخلي. ومعنى ذلك أنْ نفرغ نحن للعناية بحديقتنا في ظل وزارتنا الرشيدة، وعناصرها الرشيدة، وأنْ يضرب على أيدي الأحزاب فلا تعمل، وتعقد ألسنتها فلا تقول، وتقيد أرجلها فلا تتحرك، وتراقب صحفها فلا تكتب، وفي أثناء ذلك تحمينا حليفتنا الكبرى إنجلترا بجيوشها وأساطيلها وطياراتها، في البر والبحر والجو.

أرأيت؟! أفهمت؟! ولا تسل عن هذه المخالفة متى كانت؟ فهي ستكون بإذن الله، تكون غدًا أو بعد غد، إذا أرادها الإنجليز، عليهم حماية مصر من الخارج، وعلينا تأمين مصر في الداخل، وثمن ذلك بقاء النظام القائم والوزارة القائمة طبعًا، والضرب على أيدي المعارضين، فإذا لم يعجبك هذا النبوغ فالتمس لك نفقًا في الأرض، أو سلمًا في السماء، فأنت رجل لا يعجبه شيء.

ومن غريب المصادفات أنْ تتحدث الصحف الأوروبية الباريسية بأن حليفتنا الكبرى تتوقع الحرب، وتستعد لها، وتدرس مشكلة الدفاع عن الإمبراطورية. فمن حسن السياسة أنْ تتقدم لها عناصرنا الرشيدة ببعض المعونة في هذا الاستعداد، وقد فعلت صحيفة حزب الاتحاد، فهي تعرض اليوم على الإنجليز ما قدمنا لك من العروض، ومن يدري؟! لعل الإنجليز يقبلون ما تعرض، ولعل اتفاقًا ظاهرًا يتم بين الإنجليز المقيمين في مصر على الأقل، وبين العناصر الرشيدة التي يمثلها حزب الشعب وحزب الاتحاد على توزيع العمل، وتقسيمه على هذا النحو، لإنجلترا الحماية، وللعناصر الرشيدة إذلال المصريين، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، كانت الوزارة قد شبعت من الحكم، وكانت العناصر الرشيدة قد شبعت من الجاه، وكان المصريون قد شبعوا من الذل، وكان من الممكن إعادة النظر فيما بين مصر وإنجلترا من الصلات.

لمثل هذا النحو من التفكير السخيف يريد بعض الناس أنْ يُخضع المصريين، وأنْ يهيئ الجو بهذه القسوة التي تصب على الناس صبًّا، وبهذه القوانين التي تصدر في غيبة البرلمان مفاجأة وعلى غير انتظار، وبهذه القوانين الأخرى التي تهيأ في الظلام لتقييد الصحف، وإخضاعها لسلطة الإدارة، لا لسلطان القضاء وحده.

أما الشعب المصري فرأيه في هذا كله معروف، وحكمه على هذا كله معروف. وأمَّا دار المندوب السامي فقد نظن أنها أذكى وأكرم على نفسها، وأعرف لمصالح بلادها من أنْ ترضى عن هذا السخف، أو تسمع لهذا الهذيان، أو تخدع بهذه الأحلام. إنَّ أمن مصر وسلمها لا يكسبان بالبأس والبطش، ولا بالقوة والعنف، ولا بالسطوة والإذلال. وإنما السبيل إليهما واحدة لا تتعدد، ولا تقبل الشك، وهي صداقة المصريين، وصداقة المصريين لا تنال بالخوف ولا بالظلم، ولا بالقوة والجيوش والأساطيل، وإنما تنال برد حرية المصريين إلى المصريين، وحفظ كرامة المصريين على المصريين، وإعلان الإنجليز أنهم قد فرغوا من اللعب مع مصر، وأنهم يريدون أنْ يسلكوا معها منذ الآن طريق الجِدِّ فيردوا إلى الشعب — وإلى الشعب وحده — ما يريد من الحرية والاستقلال، فأمَّا بدون هذا فكل استعداد للأمن في مصر أثناء الحرب لغو لا خير فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.