وليام هازلت هو الكاتب الناقد الإنجليزي صاحب الرسائل، وله مؤلفات أهمها رسائله في موضوعات مختلفة، ويمتاز بالنظر في النفوس وخصائصها، وفي بعض الأحايين يُذكِّرنا مونتاني الفرنسي صاحب الرسائل، وله كتاب في سيرة نابليون بونابرت كتبه من جانب الأحرار كما كتب السير والتر سكوت سيرة نابليون من جانب المحافظين. وقد بلغ إعجاب هازلت بنابليون حدًّا لم يبلغ إعجاب جوتا الألماني، فإن جوتا كان يعرف عيوبه، وقد كان هازلت مناصرًا لنابليون، حتى بعد أن تخلى عنه الأحرار الفرنسيون، وبالرغم من أنه أرهق إنجلترا بحروبه.

وكان هازلت من الأحرار الإنجليز، ولكنه كان ينتقد تطرف الأحرار أمثال شيلي الشاعر الإنجليزي، فاعتناقه مذهب الأحرار كان مقرونًا بالطبيعة العملية، وحب الإصلاح العملي، وفي حدود مستلزماته، فهو من هذه الناحية إنجليزي بطبعه. والظاهر أنه كان يناصر نابليون؛ لأنه كان يعلم أن سقوطه يؤدي إلى روحٍ رجعية في فرنسا وغيرها، كما حدث فعلًا بعد سقوطه. وكان هازلت معجبًا بأدموند بيرك وعبقريته، بالرغم من أنه انتقد أعمال أحرار الثورة ومبادئها، وكان يقدر وردزورث الشاعر بالرغم من إنكاره انقلابه على مبادئ الأحرار. ولم تكن له منفعة شخصية في مناصرة نابليون والإعجاب به. والذي يهمنا من مؤلفات هازلت نظراته في النفس والحياة في رسائله العديدة. ولعل هذا سبب إعجاب سمرست موام القصصي به، ولو أنه مدحه لطلاوة أسلوبه.

وله كتاب «رسائل حديث المائدة» و«رسائل المائدة المستديرة» و«رسائل ونتر سلو» وغيرها، وله كتاب فلسفي لا داعي للكلام عنه إلا أن نقول إن شغفه بالفلسفة ربما كان من أسباب عمق بصيرته في رسائله التي عني فيها بالنظر إلى خصائص النفوس، وكان مولعًا في صغره بالرسم، ولكن غلب عليه الأدب، وكذلك كان مولعًا بالشعر، وله رسائل في نقد الرسامين والشعراء، وله بحوث في قصص شكسبير وأشخاصها، وفي قصص شعراء عصر الملكة إليزابيث التمثيلية. ولعل دراسة هؤلاء كانت أيضًا من أسباب بحث خصائص النفس والحياة. وكان صديقًا لكولريدج الشاعر، ولشارلز لامب صاحب الرسائل المعروفة، ولم يكن موفقًا في حياته الزوجية، كما لم يكن موفقًا في اجتذاب الأصدقاء واستبقائهم، ولا في تجنب الخصوم وتألُّفهم. وقد أثر أقوال الخصوم في رأي بعض الكتاب إلى عصرنا هذا، وقد اتهم بمناقضة نفسه إذ يمدح الإنسان ثم ينقده، ولكن ذمه أو نقده لمن نقد كان من جانبٍ آخر غير الجانب الذي مدحه به، كما رأينا في نقده لأدموند بيرل الخطيب العبقري، وللشاعر وردزورث … إلخ، ومن قرأ رسائله وجد أنه في أكثرها أعظم اتزانًا مما يظن خصومه. ولعل كثيرًا من الإنجليز لم يغتفروا له كما لم يغتفر بعض الألمان لجوتا إعجابه بعبقرية نابليون وإصلاحه وتنظيمه؛ وذلك لاعتداء نابليون وإرهاقه الدول، وتعطيله للتجارة، فسئمت تكاليف الحياة.

وفيما يلي بعض نظراته مع تعقيب قليل على بعضها:

(١) إن الذين لم يتعودوا أن يجادلهم مجادل، وأن يعارضهم معارض لا يعرفون كيف يقابلون المعارضة والمحاجة، فإذا فاجأتهم معارضة تلمسوا طريق الفرار قانعين بالانخذال، ومفاجأة الأمر الذي لم يتعودوه تفت في عضدهم، فتصيبهم الدهشة والخوف من الأمر الغريب، وربما بعث الأمرُ الغريبُ الذعرَ والقلق والحيرة والارتباك؛ فالمعارضة والمجادلة والمحاجَّة أمور تُعوِّد المرء الاعتماد على نفسه وعقله.

(٢) إن حب الإنسان للحياة، وتعلقه بها وتشبُّثه لا يكون على قدر هناءتها ودعتها، وما يلاقي فيها من دواعي السرور، فإنك قد تجد الرجل المكدود الذي لا ينال رزقه إلا بشق النفس أكثر تعلقًا بالحياة من الوارث المنعم الملول الذي يجد كل شيءٍ مستطاعًا، ومع ذلك قد لا يلذ له شيء، وربما بخع نفسه من الملل، وإنما يكون تعلق الإنسان بالحياة على قدر رغائبه ومطالبه منها التي لم ينلها بعدُ ولم يحصل عليها، وكثيرًا ما تكون العقبات والمطالب حافزًا على التشبث بالحياة والاستمساك بها، فالذي يريد أن يتخذ من تشبث الإنسان بالحياة دليلًا على أن السعادة فيها أغلب وأعم من الشقاء، وأنها أمرٌ قيمٌ في ذاته، إنما يتخذ منطقًا غير صحيح كي يثبت به أمرًا ربما كان صحيحًا.

(٣) قد تكون شدة عاطفة الإنسان ورغبته سببها العوائق التي تعوق عن الأمر المرغوب فيه، وليست قيمته، ولا عظم فائدته هي السبب، فكم من أمرٍ كنا لا نقيم له وزنًا ولا قيمة، ولا نأبه له كثيرًا وهو في يدنا، حتى إذا خرج منها ولم يعد في حيازتنا، اشتد طلبنا له، وأسفنا على فقدانه إذا كان ليس في استطاعتنا أن نحوزه!

(٤) كل ما هو خير في نفس المرء قد يدفعه إلى الشر والإجرام، كانتصاره لما يرى أنه حقٌّ وفضيلة، أو كمناصرته لعقيدته، أو كإخلاصه لوطنه؛ وذلك لأنه أصعب على المرء أن يبذَّ مخالفه أو خصمه بالفضل، وأسهل أن يقهره، وأن يؤذيه بالاعتداء والبطش، وفي كل نفس مع ما فيها من خيرٍ ميلٌ إلى الشر مكبوت، كالكلب المفترس المكمم، فإذا استطاع المرء أن يخلق عذرًا لنفسه بأية وسيلة رفع الكمامة، وأطلق ذلك الكلب المفترس والوحش الضاري، وأجراه على الناس كي يؤذيهم، فكل ما ينقص الإنسان كي يصنع الشر هو اختلاق العذر؛ ومن أجل ذلك ينبغي أن يحذر المرء جانب الخير من نفسه، وحيز الفضيلة منها بقدر حذره جانب الشر والرذيلة.

(٥) يقول بعض الناس: إن الرذائل إذا زُيِّنت وحُسِّنت فقدت نصف شرها، وعندي أنها تزداد شرًّا بتلك الزينة التي تكتسب من زينة أصحابها، ومن رشاقة ظاهرهم، أو من تغييرهم أسماءها، أو من تحليتها بشيءٍ من الفنون الجميلة يُجَمِّلُها، ويُخفي قبحها وشناعتها، أو من مظاهر الغنى والترف التي تغطي عليها، فيقبل الناس عليها بدل النفور منها، ويرتادونها بدل الفرار عنها.

(٦) كثيرًا ما يلجأ الناس إلى الاضطهاد في معاملة ذوي الاضطهاد، وإلى قلة التسامح مع أعداء التسامح، فلا يزول الاضطهاد، ولا تمتنع قلة التسامح. وقد يكون الاضطهاد لغير صَدِّ عادِيَةِ ذوي الاضطهاد، بل للذة تجدها النفوس فيه.

(٧) إن تنبُّه عقل الإنسان للأمور لا يكون على قدر الفائدة والعائد من تلك الأمور، وإنما يكون على قدر وقعها من نفسه وأهوائها وهواجسها، وقد لا يتناسب وقعها من نفسه وأثرها فيها مع الفائدة المرجوة منها، بل قد يكون أثر شدة وقعها من نفسه مثل أثر الإشراف من مكان مرتفع على هوة سحيقة، فيحس المرء إحساسًا بالاندفاع إلى تلك الهوة وذلك الحضيض، ويكاد يرمي بنفسه فيه، وقد يفعل وهو يعرف أنه هالك لا محالة إذا فعل، وأنه لا فائدة له إذا رمى بنفسه فيه.

(٨) إن بعض الناس لهم قدرة غريبة على ربط أنفسهم بكل موضوع للحديث، حتى يصير حديثًا عن أنفسهم بعد أن كان حديثًا عن الموضوعات العامة مثل الكتب، أو الحضارة، أو الريف، أو الشعر، أو الفلسفة، أو السياسة، أو المجالس النيابية، أو المباني، أو أي موضوع آخر لا صلة لهم به، ولكنهم بمهارة سحرية يحولونه إلى حديثٍ عن أنفسهم، وإلى محاولة لتمجيد خصالهم وصفاتهم وأعمالهم، حتى إن جليسهم يكاد لا يعرف كيف تحول الموضوع.

(٩) ومن الناس من لهم موضوع حديث واحد غالب عليهم، ولازم لهم لزوم الظل لصاحبه، فإذا كان الحديث الغالب عليهم هو الحديث عن الحلاقة حولوا كل حديث مهما كان موضوعه إلى حديث عن الحلاقة، ومثل هؤلاء مثل الآلة الموسيقية التي لا تُخرج غير نغمةٍ واحدة، ويدور بها الشحاذون يستجدون، فيطلقون النغمة الواحدة منها في كل مكانٍ مرةً بعد الأخرى، وكذلك أصحاب الفكرة الواحدة أو القصة الواحدة التي لا تفارقهم ولا يفارقونها أبدًا، ويحكونها ويرددونها في كل مجلسٍ، حتى المجالس التي سبق ترديدهم لها فيها، ويجدون لذة في ذلك، ولا يشعرون بما يعانيه جلساؤهم من ألمٍ ومللٍ وامتعاض.

(١٠) ومن الناس من يأبون إلا أن تقتنع بآرائهم، فإذا سكت وشعروا أن سكوتك من عدم الاقتناع لجُّوا في ذكر آرائهم وترديدها، وإعادة ذكر حججهم، ويأبون تغيير موضوع الحديث إذا حاولت أن تغيره بلطف، وإذا اعترفت لهم بما يريدون كي تتقي إلحاحهم، وشعروا أن اعترافك لهذا السبب وحده دون الاقتناع، فإنهم ربما أعادوا الكرَّة عليك بآرائهم وحججهم، ولا تقنعهم مجاملتك لهم حتى يروا مظاهر الاقتناع منك بادية عليك، سواء أكان وراء تلك المظاهر اقتناع حقيقي أم كنت ماهرًا في تزييف مظاهر الاقتناع، حتى يخدعوا بها.

(١١) قال الإسكندر المقدوني: لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجنيز الفيلسوف، وهذا الاستثناء صفة عامة في النفوس، فإذا سمعت إنسانًا يود أن يكون إنسانًا آخر، فهو إنما يود أن يظل على شخصيته، وأن يزاد عليها ثروة المغبوط، أو علمه، أو ذكاؤه، أو جاهه، أو قوته … إلخ، أما أن يتمنى المرء مع حيازته لهذه الأمور المغبوطة أن يفقد شخصه ونفسه، فأمر لا يقبله أحقر صعلوك؛ لأنه لو فقد ما يميزه عن غيره من ذكريات وخواطر وصفات وآمال وإحساسات، وصار إنسانًا آخر لم ينتفع بالأمور المغبوطة التي حازها، بل المنتفع يكون إنسانًا آخر غير نفسه، وقد خسر نفسه بدل أن يزاد عليها.

(١٢) بالرغم من صغر شأن كل إنسان في العالم ومعرفته صغر شأنه، فإنه قلما يطمئن إلى أن العالم لا يباليه ولا يهتم له كما يبالي نفسه، وكما يهتم لشئونها، فيدهش ويرى أن ذلك من قلة الإنصاف، كأنه يرى أن من الواجب أن يبالي العالَمُ نفسَه وشئونها كما يباليها هو، مع أن الأمر عكس ذلك؛ إذ من الأمور الطبيعية أن لا يقيم الناس وزنًا لأموره كما يقيم هو وزنًا لها. وقد يفطن إلى ذلك بعد الغفلة، ولكن هذه الفطنة لا تلبث أن تزول، فإذا فوجئ مرةً أخرى بالشعور بقلة مبالاة الناس إياه دهش مرةً ثانية، ثم مرة ثالثة، وهكذا لا تفاجئه تلك الدهشة كلما فوجئ بقلة اهتمام العالم له كما يهتم لنفسه، وعدم إقامته وزنًا لأموره السابقة. وقلقه وقلة اطمئنانه مثلهما في كل مرة يشعر أن العالم لا يباليه كما يبالي أموره، ولا يفيد من المرات السابقة عظة.

(١٣) إن الذين يبالغون في قدر فضائلهم أو مزاياهم أو آرائهم كأنهم ينظرون بعين من أصابه اليرقان إذا نظروا إلى آراء غيرهم، أو فضائلهم، أو مذاهبهم، أو مبادئهم، فتظهر لهم كما تظهر الأشياء مصفرة كريهة في عين من أصيب بداء اليرقان. والذين عانوا الاضطهاد من غيرهم كثيرًا ما يتعلمون منه كيف يضطهدون غيرهم بدل أن يتعلموا ضرورة التسامح؛ ومن أجل ذلك يصل الناس إلى قَصْرِ صِدْقِ النظر والمبدأ والأخلاق والرأي على طائفتهم وحدها، مهما تكن تلك الطائفة صغيرة. وهذا ضيق في الذهن لا يُمكِّن صاحبه من أن يفهم أن عقول الناس تختلف كاختلاف وجوههم، وأن اختلاف الآراء والمبادئ والمذاهب أمر ضروري، وأن أنواع الفضل متعددة، وينبغي أن نقبلها على اختلافها، فإن اختلافها دعامة الحياة.

(١٤) إن الناس يقيسون الدنيا وأمورها بأنفسهم لا بقدر تلك الأمور، فما بعد عنهم مكانه في الأرض، أو منزلته من نفوسهم صغر، حتى ولو كان كبيرًا عظيمًا، وشأنهم في ذلك شأنهم في قدر الحوادث والأمور التي يبعد بها الزمان، فتقل قيمتها إذا ابتعدت بعد قربها، فسيان أكان البعد بالمكان والمنزلة أم بالزمان، فإنه يصغر قيمة الأمور.

(١٥) من الناس من يلطخون إنسانًا بالوحل، ثم ينادون أنه ينبغي تجنبه؛ لأنه ملطخ بالوحل، وهي عادة فاشية في الناس فينسبون إلى خصومهم صفات سيئة، ثم يتخذونها حجة لاضطهادهم، وحث الناس على اضطهادهم. وهذا أمر قلب مقاييس العدل في الأمور؛ إذ يصير الجاني المجرم حكمًا ينال الثناء، ويصير المجني عليه آثمًا نصيبه العقاب.

(١٦) إن الشباب يشعر بالقوى الحيوية أكثر من الشيوخ، ومن أجل ذلك قلما يدرك الشباب معنى الفناء والموت مهما رأى من مظاهرهما في غيره، فإن ذلك لا يكون إلا بعد أن يفقد الروح الحيوية التي في الشباب، وبعد أن يشعر بالفناء يدب في جسمه، وبعد أن يرى آماله ومسراته تذوي كما تذوي الأزهار، أما قبل ذلك فإنه يشعر في الشباب أن الحياة كنز لا يفنى، وكأس من الرحيق لا يفرغ مهما احتسى منها وأراق، وذخر لا ينفد مهما بذل منه؛ لأن روح الخلد في الشباب؛ ومن أجل ذلك يسرف الشباب في بذل ما يفيض به من قوة الشباب وحيويته إسرافًا قلما تنفع معه موعظة، ويقدم على المهالك بشيءٍ من الاطمئنان، ولا يغتر أحد بكثرة شكوى الشبان، فإنها لا تنافي ذلك، بل هي ناشئة من أنهم قد لا يجدون إسعافًا من الدهر بقدر ما فيهم من حيوية وآمال ورغبات.

(١٧) إن الناس مثل آلات تدار أو حيوانات يعلق عليها نير مناصب الحكومة، أو الأعمال الحرة، أو المهن والحرف، فيسيرون في الطريق التي اختطها من سبقهم، وينجحون في تأدية ما يراد منهم، ويسعدون بنجاحهم، فكأنما ذلك النير هو نير السعادة وسرجها ورباطها، وكل ما يطلب منهم ألا يدعوا أنهم أحكم وأعرف من غيرهم ممن أدركهم أو سبق عصرهم، فإذا هيأ لهم حب الظهور أن يظهروا ذكاءً وغرورًا، أو اغترارًا بالحكمة، أو أنهم يعرفون من الأمور المنوطة بهم ما لا يعرفه غيرهم، فإن ذلك يكون سبب خيبتهم، فإنه إذا صرفنا النظر عما يجلبه عليهم هذا المظهر من عداوة وحسد، فقد يتخبطون في التجارب والنظريات.

ولو فرضنا أن إنسانًا منهم مصيب في بعض آرائه وخططه، فإنه قد يغالي بقيمتها شأن أكثر المبتدعين، فتفقده المغالاة الاتزان والاعتدال. وعلى العموم أو في الغالب يكون حذق الجماعة أعظم من حذق الفرد، ورأيهم أصوب من رأيه، وخبرتهم أعظم من خبرته إلا من شذ وندر، ولا يصح أن يتخذ كل إنسان الشاذ النادر من الملكات قاعدة، وأن يعد كل إنسان نفسه من ذوي الملكات النادرة، وإلا ما كانت كذلك، وأمور الحياة تقتضي المشاركة والتعاون، وإذا زوى الإنسان وجهه عن الأمر المألوف المعتاد، وحاول بتجنبه أن يختط لنفسه خطة جديدة لم يجد مشاركة ولا معاونة من الناس، وانصرفوا عنه أو اضطهدوه، وهي سنة وطبع فيهم، تسبب اعتدال أمور العالم وثباتها بدل تقلقلها وتدحرجها وترجُّحها.

(١٨) قد تختلط في نظر بعض الناس طيبة القلب وعدم المبالاة، فإن ذوي الأثرة وحب الذات لا يبالون أخربت الدنيا أم عمرت، وهل عمَّ الفساد أم لم يعم، وهل انتشر الشر أم لم ينتشر، وهل خذل الحق أم لم يخذل، وهل اشتدت القسوة أم لم تشتد، ما دام كل ذلك لا يمس مصالحهم، فتحسب قلة مبالاتهم وأخذهم الأمور بالخلق الهين اللين من طيبة قلبهم، مع أنهم لو مُسَّ أمرٌ من أمورهم زالت قلة مبالاتهم، وأظهروا عنفًا وشدة.

(١٩) إننا لا نبلغ الحق ولا نُنْصف الناس إلا إذا عرفنا وقدَّرْنا جانب الصواب والحق الذي كثيرًا ما يكون ممزوجًا بأخطاء الناس وأغلاطهم، فإذا جافينا أو أخطأنا ذلك الجانب من الصواب والحق، أو حِدْنا عن الحق الممزوج بالباطل المنقود، فإننا قد نخطئ بقدر خطأ من ننقدهم أو نلومهم.

(٢٠) يحسب المرء أن استسلامه للخيال اللذيذ وأحلام اليقظة السارة أمرٌ بريءٌ لا ضرر منه، والحقيقة هي أن من يتعود ذلك الاستسلام كثيرًا ما يضعف عزمه، ويفقده الأهبة والاستعداد والنشاط للعمل، ويدعوه استسلامه للخيال إلى الاستنامة إلى ما قد يأتي عفوًا من غير تدبير منه أو سعيٍ، أو كدٍّ وكدحٍ. وكذلك مَن ينصرف إلى التفكير النظري كل الانصراف، ولا يتعود التفكير في الأعمال، فإن ذهنه يشغل بحقائق بعيدة يكون المرء أمامها كالناظر المتنزه بالنظر والتأمل ليس له موارد من همة يجهزها لملاقاة حقائق الحياة القريبة، ولا من عزم وعمل وإقدام ينال به خيرها، ويصد عنه شرها، ويحتال لها، بل قد تدركه الحيرة.

(٢١) ينعَى بعض الكُتَّاب على الفقراء دناءة حسدهم للأغنياء، ولا ينعون على الأغنياء دناءة الإسراف في اللهو وهم يرون الفقراء يعصرون في معصرة الشقاء، ويداسون كما يدوس صناع النبيذ العنب بأقدامهم.

(٢٢) لو كان اعتياد المرء الآراء بسبب قهر المنطق الصحيح لعقله ولنفسه على أن يعمل لرأيٍ أو فكرةٍ ما، لكان كل الناس شهداء المنطق والفكر، ولا يستطيعون أن يخففوا عن أنفسهم وعن الناس، مما يقتضيه العمل حسب ما يوحى به، ولكن الواقع أن الناس تستطيع أن تعتقد ما يوافق إحساساتهم، وهذا يمكنهم إذا كان فيه راحة لهم أو منفعة، وأن يخففوا عن أنفسهم أو عن الناس، كما يمكنهم من مناقضة أنفسهم إذا كان فيها تخفيف عن أنفسهم أو عن الناس.

(٢٣) من أسباب قبول الناس للآراء والأخبار والشائعات أن كل إنسان يخشى أن يشذ عن الناس، ويخاف أن لا يكون مثلهم، ومن أجل ذلك يلتقفون الآراء والشائعات والأخبار بعضهم من بعض، فهذا الإنسان يصدق أمرًا ويقبله لا لأنه أمر يصدق، بل لأن ذلك الإنسان يصدقه ويقبله. وأغرب من ذلك أن هذا الإنسان يصدق ويقبل الأمر الذي يخيل له أن ذلك الإنسان سيصدقه وسيقبله، أو سوف يقبله، فيسبقه إلى تصديق ذلك الأمر، وربما كان هذا السبق سببًا في أخذ المعاشر المسبوق به، وتصديقه إياه، ولولاه ما أخذ به كما زعم السابق أنه سيأخذ به.

(٢٤) في بعض الأحايين نرى أن شدة الشغف بغايةٍ ما، وشدة اللهفة للوصول إلى الغاية والمقصد تعوق عن إجادة الوسيلة التي تؤدي إلى الغاية؛ لأن الوسيلة تحتاج إلى تأنٍ، وصبر، وجلدٍ، وزمنٍ، ومران، فيراها الملهوف طويلة مملة، وتسبقها لهفته في الوصول إلى الغاية المنشودة، فيحاول الوصول إلى غايته من أقرب الطرق، حتى ولو أدى ذلك إلى أن يخطئ طريقها، ولا يجيد في وسيلته إليها.

(٢٥) إذا رغبنا في أمرٍ زاد اعتقادنا إياه وتصديقنا به، وصرنا أكثر عنادًا في الدفاع عنه، ولكنا إذا خالفنا الناس جميعًا ربما اعترانا الخجل من إظهار رأي يخالفه الناس جميعًا، حتى ولو كان عين الصواب، فإن قدوة الناس تضغط علينا سواء أشعرنا أم لم نشعر بها، كما تضغط قوة الجاذبية على جميع الكائنات، والإنسان الذي يستمر في الدفاع عن رأيه من غير أن يتأثر بمخالفة الناس، وسخرهم، وكرههم إياه، وحرمانه من عطفهم، وبالرغم من إيذائهم إياه، يكون ذا عزيمة كعزيمة الهندي الذي ينذر آلهته أن يظل رافعًا يده إلى السماء حتى تتبلد وتجمد وتفقد الإحساس. ولا شك أن عداءَ الناسِ المرءَ محنةً قد تبعثه إلى الشك في بواعث نفسه ونياتها ومقاصدها، وكأنما قد زحزح جني مارد الكرة الأرضية من تحت قدميه، وظل معلقًا وحده في الفضاء.

(٢٦) زعم هوبز الفيلسوف أن الناس لا يختلفون في أن مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين، وأن مجموع الاثنين والاثنين أربعة؛ لأنهم لا مصلحة لهم في هذا الخلاف، ولو كانت للناس شهوة ملحة أو منفعة في إنكار ذلك لأنكروا هذه الحقائق الرياضية. والواقع أنهم عند تطبيقها في أمور الناس التي تستدعي الشهوات والرغائب والخلاف يختلفون فعلًا في هذا التطبيق.

(٢٧) كثير ممن يدينون بالديمقراطية يدينون بها نظريًّا، أما في الأمور العملية، فإن كل إنسان لا يدين بالديمقراطية، ولا يأخذ بمبدئها الذي هو مبدأ المساواة، ويود لو يضحي بالناس لإشباع أطماعه، وأن يخفضهم كي يُعلِيَ نفسه.

(٢٨) قلما يوجد بين الناس من عنده شجاعة كافية للدفاع عن إنسان، صديقًا كان أو غير صديق، إذا ترددت حوله أقوال الناس بالتهم والشتائم، فإن يخشى أن يتهم مثله، وأن يلاقي عداء من الناس. هذا علاوة على أن كل إنسان يميل إلى إعلاء نفسه بشتم غيره وانتقاصه، فإذا وجد الناس ينتقصون إنسانًا وجد السبيل مُوطَّأً إلى هذا الإعلاء نفسه «ولو وكل الخصم — كما قال هلبس — كمحام بأجر مقنع للدفاع عن خصمه لوجد من أبواب المدح ما يبطل به ذمه لخصمه.»

(٢٩) ينسى الناس في معاملتهم أنهم لا يتعاملون بالعقل النظري المحض، وإنما يُغطَّى على أعينهم فيحسبون هذا الحسبان، وإنما هم يتعاملون بما هم محكومون به من الشهوات الجامحة والنزعات الشاردة. وقد يتخاصمون ويسعى كلٌّ في أذى الآخر بسبب الاختلاف في أتفه الأمور؛ فهم كالأطفال المدللين. فحياة الناس كثيرًا ما تكون لعبة من لعب التمويه والغش؛ فهم يريدون أمرًا وسعادتهم في غيره، أو أنهم يجدون السعادة في ذلك اللعب نفسه، ولكنهم في النهاية ربما يجدون سؤر كأس تلك السعادة مرًّا كريهًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.