قال ھ.ج. جرنيوال في رسالته: أول من فكر في العصور الحديثة في حفر قناة السويس نابليون بونابرت، ليتخذها عتبة لغزو الهند. حقيقة قد فكر الفراعنة في إيصال بحر القلزم ببحر الروم، وشرع بعضهم فعلًا في تنفيذ هذه الفكرة، ولكن بونابرت هو الذي نقل المشروع من التفكير إلى التنفيذ، وخبر ذلك أنه في سنة ١٧٩٨ سافر إلى مصر، ليحطم الإنجليز في زعمه، فإذا فاز عليهم، قام بصنع القناة، ثم يأخذ في الاستعداد لغزو الهند، وقد ألف موسيو Lepére كتابًا في مشروع القناة وإمكان تنفيذه، فوقع هذا الكتاب في يد فردينان دلسبس، وكان في السلك السياسي الفرنسي في مدينة الإسكندرية (١٨٥٢) فانشغل بالفكرة وأخذ في التفكير في تنفيذها، وجعلها حلم حياته الواجب التحقيق.

ولما بلغ بونابرت مدينة السويس كانت قرية قذرة بشعة المنظر، وكان أهلها على أكبر نصيب من البؤس؛ لأنهم كانوا موضع السلب والنهب لعدة أجيال متعاقبة من القبائل المجاورة، وكانت حياتهم أفضل منها الموت، فكانت الأوباء منتشرة بينهم، وتنهشهم الأفاعي والحشرات، ويأكل لحمهم الدود والذباب، وكانت السفن لا تدنو من ثغرهم الحزين؛ لأن رمال البحر الأحمر قد تراكمت عليه وسدت سبل الملاحة في أوجه السفن، فدعا بونابرت أعيان القرية، وكانوا لفيفًا من الصيادين والحمالين وأصحاب الإبل، فوعدهم خيرًا ورسم لهم خطة مستقبل سعيد، وبينما كان بونابرت يخدع الأعيان، كان الأساتذة والعلماء يحفرون منقبين حول السويس لعلهم يعثرون على آثار القنال العتيق الذي قيل إن الفراعنة صنعوه ليصلوا بين البحرين الأبيض والأحمر، فلم يوفقوا إلى شيء، فأمر نابليون أحد علماء حملته وهو Lepére بأن يضع كتابًا في بناء القنال، فأطاع العالم مسرعًا ولبَّى متعجلًا، ولكنه أخطأ التقدير؛ فظن البحر الأحمر أعلى من مستواه بثلاثين قدمًا عن البحر الأبيض، مع أن البحرين في مستوى واحد تقريبًا.

وفي عام ١٨٢٥ جاء الإنجليزي واجهورن وأثبت خطأ الفرنسي Lepére الذي تركه بونابرت يعمل مع زملائه من العلماء وخرج هو ليكشف عن الحقيقة بشخصه، وكان العلماء يشكون في نظرية نابليون، ولذا أطلق الجنود عليهم لقب «حمير مصر»! أما بونابرت فكان يعتقد بوجود آثار لقناة قديمة، وفعلًا وفق إلى اكتشاف آثار لقناة عمرو بن العاص، فأمر بونابرت بتجديد أجزاء هذه القناة البائدة، وأخذ سمته إلى القاهرة ليتم أعماله، فلقيه رسول حربي فأخبره بأن تركيا أعلنت الحرب على فرنسا فانضم أسطولها إلى الأسطول الإنجليزي. وإلى هنا وقفت حركة بونابرت فيما يختص بالقنال، فكان حلمه الذي لم يتحقق وحققه فرنسي آخر.

وفي سنة ١٨٣٢ جاء إلى مصر فردينان دلسبس موظفًا صغيرًا في قنصلية فرنسا بالإسكندرية، وكان أبوه صديقًا لمحمد علي، فأكرم الأمير مثواه وأحسن مقابلته، وقدمه إلى أولاده العديدين كصديق ورفيق، وكان منهم الأمير سعيد باشا، الذي أَلِفَ عِشْرَةَ السياسي الفرنسي الشاب، وتعودا أن يمارسا معًا بعض الألعاب الرياضية؛ كالفروسية والنزال، وكان دلسبس قد قرأ كتاب Lepére، ولكن الظروف لم تخدمه إلا بعد أن وصل سعيد باشا إلى الأريكة الخديوية، فشد رحاله إلى مصر مرة ثالثة وانتهز فرصة صفاء بال الأمير وهدوء طبعه وانشراح صدره، فبسط له مشروعه، فأعجب الأمير به وصمم على تنفيذه، وسمح بالامتياز ولكنه علقه على شرط موافقة الدولة العثمانية التي كانت متبوعة مصر سياسيًّا، فتشتت ذهن دلسبس وضعفت قوته بعد أن رأى نفسه فريسة الدسائس في القاهرة وفينا وباريس وإسطنبول، وكان لورد بالمرستون ألد أعدائه، وقد أراد الوزير الأكبر الإنجليزي أن يشوه سمعة القناة فوصف المشروع بأنه «نصبة كبرى» ومصيدة للمال، وأنه ثمرة من ثمار الخيال الفرنسي الخصيب بالأوهام، وحذر الإنكليز من التورط فيه أو مد يد المعونة بالمال له، ولعب مترنيخ دوره في فينا، ولكن الإمبراطورة أوجيني ساعدت دلسبس وأقنعت زوجها الإمبراطور نابليون الثالث بضرورة التأثير في السلطان ليقبل الامتياز، وكان الأمير زوج الملكة فيكتوريا ميالًا لفكرة دلسبس، فدعاه إلى قصر وندزور بإذن الملكة، فأحسنت استقباله وأصغت إليه في رفق ولين، وغاظت بذلك بالمرستون الذي كاد يتميز من الحنق بسبب استقبال المفكر الفرنسي والاعتقاد في خرافته.

وقد حرض نابليون الثالث حكومة النمسا والمجر على غزو مصر نكاية في الإنجليز وتنجيزًا لمشروع القنال، ولكن تلك الحكومة رفضت هذا الاقتراح، ووعدت بالمساعدة في القنال، وقبل أن يتم الاتفاق الدولي تألفت الشركة وجمع دلسبس عشرين ألف عامل من عمال السخرة، وكانوا في الواقع أشبه الناس بالرقيق، وأسرع الرجل؛ لأنه تقدم في السن، وخشي أن يموت قبل أن يتم العمل، وكان في الواقع قد شارف على الخمسين في حين أنه فكر في المشروع وهو في العقد الثالث، وفي سنة ١٨٦٢ حفر نصف القنال من بورسعيد إلى بحيرة التمساح فافتتحه دلسبس بقوله: «باسم سمو الأمير محمد سعيد آمر مياه البحر الأبيض بالدخول إلى بحيرة التمساح بإذن الله ومشيئته.»

وكان عدد العمال ستين ألفًا مقسمين إلى ثلاثة أقسام: ثلثهم يعمل والثلث يحشد في انتظار العمل والثلث الأخير يعودون إلى دورهم بعد أن أدوا عملهم، واستمر العمل إلى سنة ١٨٦٩؛ أي قبل إعلان الحرب السبعينية بعام واحد، وقيل في ذلك الوقت إن بيسمارك أخر تلك الحرب عامًا حتى ينتهي الفرنسويون من حفر القنال لما فيه من النفع العام لكل من دول العالم ومن بينها ألمانيا، وقد خشي أنه لو أعلنت الحرب قبل انتهائه لقضي المشروع، وكان دلسبس يعيش في الإسماعيلية عيشة الزهد والقناعة، ولا تزال غرفته الضيقة موجودة على حالتها وليس فيها إلا سرير حديد ولحاف من قماش، والأودة ضيقة مظلمة كأنها خلوة أحد الرهبان، وقد مات سعيد في يناير سنة ١٨٦٢، وسافر دلسبس إلى القاهرة ليعوده في مرضه الأخير راكبًا على جواد من الإسماعيلية، ولكنه لم يدركه قبل صعود روحه إلى خالقها.

واستعد الجميع للاحتفال بالافتتاح في ١٧ نوفمبر سنة ١٨٦٩، ولما علمت إنجلترا بانتهاء العمل وافقت عليه بعد أن صار العمل في غير حاجة إلى موافقتها، وهي تضمر أن تضع يدها على القنال للدفاع عن الهند، وفي سنة ١٨٧٥ علم الإنجليز بحرج موقف إسماعيل باشا وأنه في حاجة إلى بيع الأسهم التي تخصه في قنال السويس، فاشترى ديزرائيلي ٧٧ ألفًا منها بأربعة ملايين، وبذا صارت إنجلترا ذات الكلمة العليا في إدارة القنال، وكان وسيط الصفقة مستر جرينود (والد كاتب هذه الرسالة، وكان إذ ذاك رئيس تحرير جريدة بول مول جازيت)، ولما كان البرلمان معطلًا فقد تمكن الوزير اليهودي من الحصول على المبلغ من ناتنيال روتشيلد، وقد وافقت الملكة فيكتوريا على هذه الصفقة لشدة ما كانت تثق بوزيرها اليهودي وتميل إلى تنفيذ آرائه، وهكذا كان اليهود سببًا في إذلال مصر بأن وضعوا في يد الأسد البريطاني مفتاح القنال ومفتاح الهند وسلاسل من فولاذ لتقييد عنق مصر وأرجلها وأيديها إلى متى؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.