كانت الإقالة أو الاستقالة صدمة عنيفة تُذهل العقول، وتُطيِّر القلوب، وتُفطر الأكباد، وتُرسل في الجسم كله لذعًا مؤلمًا مسرفًا في الإيلام، مانعًا من التفكير والتقدير، ومن التروية والتدبر.

وكان الدكتاتور العظيم خاضعًا لهذا كله، متأثرًا بهذا كله، حين أقبل عليه رجلان من زملائه السابقين ينبئانه بأنهما سيشتركان في الحكم، وسيدخلان في وزارة الرئيس الجديد، فلما لقيهما وسمع منهما ضاق بهما، وأنكر ما قالا، ولكنهما على ذلك جلسا، وتمكنا في المجلس، وقالا، وألحَّا في القول، فلم يستطيعا إقناع الرئيس المُقال أو المُستقيل ولم يستطع إقناعهما، فانصرفا عنه يبتسم ثغراهما، ويضحك قلباهما، وتصمم نفساهما على الخلاف.

ثم أرسلا إلى صاحبهما أنهما قد تمما ما عزما عليه ودخلا في الوزارة لا يحفلان برأيه، ولا يذعنان لأمره؛ لأن مصلحة البلاد فوق رأيه، وفوق أمره.

هنالك طار طائر الرئيس، وثار ثائره، وهنالك غلت مراجل الغيظ، واضطرمت نار الغضب، وهنالك أعلن الرئيس فصل هذين الخارجين عليه، لم يفكر في ذلك، ولم يقدر عواقبه؛ لأنه كان مشغولًا بالألم والغيظ عن التفكير والتقدير، ومضت الأيام، ومضت في أعقابها الليالي، وهبت ريح الشمال باردة هادئة، ترد إلى القلوب الطائرة استقرارها، وإلى النفوس الثائرة هدوءها، وإلى العقول الجامحة صوابها، فأخذ الأمر يهدأ من حول الرئيس قليلًا قليلًا، وكان يريد خذلان الوزارة فاضطر إلى تأييدها، وكان يريد إغلاق باب الحظيرة دون الرئيس المستقيل منها، فاضطر إلى فتحه وإلى الترحيب بنائبه العزيز، ولكنه على ذلك ظل ملحًّا في إقصاء هذين الرجلين الخارجين عليه، المخالفين عن أمره، ولكن الأيام تمضي، وتمضي في أعقابها الليالي، وتهب الريح النكباء تأتي من جميع النواحي، وقد دفعت أمامها تلك الجنود الهوائية الخفية الرشيقة، التي تحمل العرائض وتجري عليها أيدي الأعضاء بكتابة الأسماء.

وإذا القاهرة تشهد منذ أيام مشهدًا طريفًا: قومٌ يضجون ويعجون، يشكون الظلم ويطالبون بالإنصاف، ويظهرون الفضائح، ويكشفون عما يخزي البلاد المتحضرة، وقومٌ آخرون ينتظرون أن تسمع الوزارة، وأن تعمل، وقومٌ آخرون تعمل في أجسامهم العصي والسياط، ويُدفعون إلى أقسام الشرطة دفعًا؛ لأنهم اشتركوا في تشييع راحلٍ عظيمٍ كانوا يحبونه؛ لأنه كان يحبهم، وكانوا يكبرونه لأنه كان يذود عنهم.

وقومٌ آخرون يفاوض بعضهم بعضًا، يدافع بعضهم بعضًا، يمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض؛ لأنهم يريدون أن يعود الرجلان إلى الحظيرة، أو أن يظل باب الحظيرة من دونهما مغلقًا.

وكانت الوزارة تتحدث في المليون وتوزيع المليون، فلا توزع شيئًا ولا تنتهي في أمر هذا التوزيع إلى شيء. وكان وزير المالية إذا أصبح زار المصالح، وإذا أمسى زار المصالح، وإذا استراح بين هذه الزيارات لقي مكاتبي الصحف فتحدث إلى بعضهم، ثم أنكر الحديث، ثم عاد فاعترف به.

حتى إذا كان يوم الأربعاء، سافر رئيس الوزراء إلى الإسكندرية ليتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، وليستريح في أهله يومين أو أيامًا. وشغلت أندية الوزارة الجديدة والوزارة القديمة بالوفاق بعد الشقاق، والوئام بعد الخصام. وانصرف وزير التقاليد عن التقاليد إلى التوفيق بين المختصمين، والتأليف بين الصيغ المختلفة لحل ما بينهم من الخصام.

وشغل وزير الزراعة عن الزراعة، وشغل وزير المواصلات عن المواصلات بالعودة إلى الحظيرة رغم أصحاب الحظيرة. ومضى وزير المالية يزور بعض المصالح، ويستقبل بعض الزائرين، ويتحدث إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء، ثم أمسى يوم الخميس وإذا كل شيء قد هدأ واستقر، ولم يقبل الليل حتى كانت أمور مصر كلها تجري على خير ما يريد المصريون.

فأما الضرائب فلا بد من تخفيضها إلى النصف إن لم يكن إلى أقل من النصف، وأما الدَّيْن فلن يُدفَع إلا وَرِقًا مهما يقل الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز. وكيف يستطيع هؤلاء أن يقولوا شيئًا أو بعض شيء وهم مشغولون بألمانيا عن مصر، ولئِن قالوا شيئًا أو بعض شيء ليتمنَّ الاتفاق بين مصر وألمانيا، وليقعنَّ هؤلاء الناس بين نارين: نار تأتيهم من مصر، وأخرى تأتيهم من بلاد هتلر العظيم.

وأما الديون العقارية فستؤجل أعوامًا وأعوامًا وأنوف المصارف راغمة ما في ذلك شك ولا ريب، إلا عند الذين في قلوبهم مرض من هؤلاء الذين لا يحبون هذا العهد السعيد، ولا يستحقون أن ينعموا بما فيه من الخير والنعيم.

وأما ظلامة أبي جرج، فسترفع عن أهلها إن لم تكن قد رفعت بالفعل، وأما ظلامة المعلمين الإلزاميين فستمحى محوًا، وستتاح لهم الحرية الكاملة في اتخاذ العمامة دون الطربوش، أو الطربوش دون العمامة، وهناك شيء آخر سيتم غدًا أو بعد غد، ولكنه سرٌّ لا يمكن التصريح به؛ لأنه سيقدم إلى الناس هدية مدهشة من وزير المالية الجديد.

أقبل الليل أمس بهذا كله على الناس؛ لأن الاتفاق تم بين المختصمين، ولأن الخارجين من الحظيرة جميعًا قد عادوا إليها؛ فأصبح العدد كاملًا شاملًا، لم يمسسه نقص، ولم يطرأ عليه ما يؤذيه، وأنا زعيم لك بأن المصريين لن يشكوا من شيء بعد اليوم.

فلولا أن الوزارة كانت مشغولة عنهم بالحظيرة، وما دب بين أهلها من خلاف، ومن خرج منها ثم عاد إليها، ومن أُخرج منها وهو يأبى الخروج، لولا أن الوزارة كانت مشغولة بهذا منذ نهضت بأعباء الحكم لما شكا أحد من شيء، ولما ارتاب المصريون في أن الوزارة الجديدة نعمة قد أسبغها اللَّه عليهم، لا تشبهها نعمة من النعم، ولكن اللَّه امتحن المصريين في وزارتهم، فشغلها عنهم بأمور حزب الشعب، وشغلهم عنها بما سلط عليهم من الأحداث.

فأما وقد تم الصلح واستكملت الحظيرة أهلها غير منقوصين، فسيرى المصريون أن أبواب السماء قد فتحت لهم بالخير والبركة منذ أمس، وأنهم لن يشكوا بعد اليوم ضرًّا، ولن يلقوا شرًّا، ولن يجدوا من أهل الأرض والسماء في الصباح والمساء إلا ما يحبون.

على أن من الغلو أن يقال: إن باب الحظيرة قد أغلق أمس على أهلها كاملين، فقد ند منها رجل لا كالرجال، ونفر منها فذٌّ لا كالأفذاذ، وأفلت منها وزير لا كالوزراء، ومدير لا كالمديرين، وزعيم لا كالزعماء، وخطيب لا يشق له غبار، وهو وزير الزراعة السابق، ومدير حزب الشعب وزعيمه العظيم، وخطيبه المصقع، وكاتبه المبين صاحب السعادة محمد علام باشا.

ندَّ أمس، ولكنه سيعود اليوم؛ لأنه تعلم الحلم من رئيس الحزب، وعرف كيف يغضب ليرضى، وكيف يثور ويفور ليهدأ ويستقر، ولئن كان أهل الحظيرة قد نقصوا واحدًا أمس، فليس من شك في أنه سيرد إليهم اليوم أو غدًا إن لم يكن قد رد إليهم الآن.

ذلك أنه خرج في غير داعٍ إلى الخروج، ونفر في غير مقتضًى للنفور، قيل له: إن زميله في الحزب وزير المواصلات السابق، صاحب السعادة توفيق دوس باشا، تحدث إلى الناس بأن أحد الوزيرين العظيمين يتهمه بأنه استفاد استفادةً مادية من الحزب، فغضبت لذلك كرامته، وثارت لذلك حفيظته، ومن حقه أن يغضب ويثور وهو الذي ضحى في خدمة الحزب كما ضحى صدقي باشا بوقته وجهده وكفايته وصحته.

ولعله أن يكون قد ضحى، ولعل صدقي باشا أن يكون قد ضحى معه في خدمة الحزب بالمال أيضًا، ولكن كلام الأصدقاء خفيف مهما يثقل، وتُهَم الزملاء حلوة مهما تَشُبْهَا المرارة، وقد قيل هذا الكلام آخر النهار أو في أول الليل، ولم تطلع عليه شمس اليوم حتى ذاب، كما يقول أصحاب القصص والأحاديث.

وكذلك ارتاح صدقي باشا منذ أمس لرد الوزيرين إلى الحظيرة، ولم يكن مرتاحًا لإخراج الوزيرين منها، وارتاح حزب الشعب لرجوع الوزيرين إلى الحظيرة، ولم يكن مرتاحًا لخروجهما منها. ولا تقل إن صدقي باشا أكره إكراهًا على هذا الارتياح، وإن حزب الشعب اضطر اضطرارًا إلى هذا الارتياح؛ فهذا كلام الموتورين الساخطين.

فأما الحق الذي لا شك فيه، فهو أن صدقي باشا أخرج زميليه العزيزين وهو لإخراجهما كاره، ورد زميليه العزيزين وهو لردهما مرتاح. ولولا سعى السعاة، ووشاية الوشاة، وثورة الغضب، وصدمة الاستقالة، والتفكير في عواقب الأمور، والتدبر فيما قد تكشفه الأيام لما كان إخراج ولا إدخال، ولما كان طرد ولا رد، ولما كان إقبال ولا إدبار.

ولا تقل أن صدقي باشا قد استسلم للقضاء، وأذعن لرئيس الوزراء، وأصبح آمرًا بعد أن كان مأمورًا، ومطيعًا بعد أن كان مطاعًا؛ فهذا كلام الذين لا يعرفون التقاليد، وإنما الحق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يكن في يوم من الأيام أقوى منه اليوم، كما أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في اليوم الذي أقصيت فيه عن الحكم إقصاءً، فصدقي باشا متسلطٌ، لا على الحزب الذي أكرهه أمس على الإذعان، بل على الوزارة التي أكرهته وأكرهت حزبه على الخضوع.

وصدقي باشا يستطيع أن يقول لعبد الفتاح باشا: «استقل.» فيستقيل، ولكنه لن يقول ذلك؛ لأنه يريد أن يغيظ خصومه الوفديين، فهو يُبقي لهم عبد الفتاح باشا في منصب الحكم بعد أن عجز هو عن البقاء في منصب الحكم، وصدقي باشا سيُملي منذ اليوم إرادته على الوزارة، وسترى أنه سيكرهها غدًا على أشياء ما كان يستطيع أن يُكره نفسه عليها، فستنقص الجزية التي تدفعها مصر إلى السودان؛ لأن صدقي باشا أمر بذلك، وويلٌ للوزارة إذا لم تذعن لأمر الدكتاتور العظيم.

ولا شك في أن الذين خرجوا على صدقي باشا أمس سيؤيدونه منذ اليوم، وفي أن الوزيرين اللذين عادا إليه سيمثلانه في الوزارة أحسن تمثيل، وسيراقبان الوزارة أشد مراقبة، وسيصرفان مع رئيس الوزارة أمور الحكم؛ لأن وراءهم صدقي باشا يسندهم إن أطاعوه، ومن يسنده صدقي باشا فلن يهدمه أحد، ويخذلهم إن عصوه، ومن يخذله صدقي باشا فلن ينصره أحد؛ لأن صدقي باشا زعيم الكثرة البرلمانية، ولأن الكثرة البرلمانية واثقة به، مذعنة له. وقد قال له صاحب السعادة عرفان باشا أمس: إن أصحابه يؤيدونه بعد أن خرج من الحكم أكثر مما يؤيدونه حين كان في الحكم.

وإذن فستدبر أمور الحكم — إن شاء اللَّه — في مكتب حزب الشعب، وسيحكم صدقي باشا مصر بعد أن استقال كما كان يحكمها قبل أن يستقيل، لا يأخذك في ذلك شك ولا ريب، ولكن سلْ نفسك، وسل الناس، وسل الأيام أيضًا: كم يستطيع صدقي باشا ووزارته وكثرته البرلمانية أن يسيطروا على شئون الحكم؟ وإلى أي حد تستطيع هذه الصفوف التي نظمت أمس — بإذن اللَّه — أن تحمل الراية مرفوعة، وتقهر الشعب على ما لا يريد؟

أما أنا، فلا أرى في صلح أمس إلا ما رأيته منذ أسابيع في ذلك الصلح الذي تم حول مائدة الشاي في دار وزير الداخلية، فقد رأيت أنه صلح على دَخَلٍ، لا يُثبت شيئًا ولا يَمحو شيئًا، ولا يدل على شيءٍ؛ لأن الذين كانوا يختصمون ثم اصطلحوا عند وزير الداخلية، والذين كانوا يختصمون ثم اصطلحوا في حزب الشعب لا يملكون من الأمر إلا قليلًا؛ وإنما يُزيَّن لهم الخصام فيَختَصمون، ويُزيَّن لهم الصلح فيَصطَلِحُون، وستُزيَّن لهم الراحة عن قريب فيَستَريحون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.