كانت قصة طريفة تلك القصة التي اتَّسَعَتْ لها بالأمس صدور صحفنا على غير عادتها فيما كتبته عن الطائر المهاجر المهجور.

وكان حديث هذا الطائر في بلاد النرويج نفحة إنسانية تأتي في أوانها بين تلك الزوابع الجَهنمية التي كانت تهب بغبارها الذَّرِّي على بلاد الشمال، وأولها بلاد النرويج.

طائر منفرد مهجور من طيور الهجرة إلى بلادنا، قد تَخَلَّفَ به الركب وفارقه سربُه منذ أسابيع، فلم يبقَ له من بني جنسه زميل، ولا ندري أهو أليف أو أليفة، فنقول: ولا قرينة أو قرين.

ومن فرائد صحفنا أن واحدة من كُبْرَيَاتِهَا ذكرت هذا الطائر وسمته «الواج تيل» من اسمه الإنجليزي Wag tail بمعنى هَزَّاز الذَّنَب … مع أن هذا الطائر أغنى الطيور بالأسماء في لغتنا العامة على اختلاف الأقطار العربية، وهو بعينه صاحبنا «أبو فصادة»، أو صاحبنا الزاطزاطة في العراق، ومن أسمائه في الشام أم سكعكع وأم عجلان، ومن أسمائه الكثيرة في كتب الحيوان العربية الفتاح والقوبع والذُّعَرَة؛ لأنه لا يكاد يُرى إلا وهو مذعور.

ولا نستغرب تلك «الزفة» التي زف بها أبناء النرويج هذا الطائر الفريد عندهم في هذا الأوان … فإن أبا فصادة بجميع فصائله طائر «متشرِّد» كثير الحركة قليل القرار في موعد الهجرة على الخصوص؛ فالاحتفال بهذا الطائر الأوحد الذي استقرَّ عندهم بعد موعد رحيله ورحيل أبناء جنسه، نادرة النوادر في التقاليد النرويجية التي أوشكت أن تجعل الظواهر الجوية وما يتبعها من مواعيد الهجرة مواسم عبادة وشعائر تعبيد وتجديد. ولو تقدم الزمن بحكاية هذا العصفور، لسمعنا بها اليوم أسطورة من أساطير الفصول والأرباب، وبقية من بقايا الأحاديث عن «ذوات الأجنحة» التي تحمل الرسائل من أرباب الشتاء في الموعد الأخير.

وستظل هذه القصة مبتورة في انتظار البقية، إلا إذا تَمَّت على الأسلوب الذي ينبغي أن تتم عليه.

والبقية التي ينبغي أن تأتي بعد هنيهة قصيرة أن يعثُر هذا الأليف المهجور على أليفته التي هجرته على اضطرار، أو لاذت بغيره مختارة مع مختار، أقدر منه على المطار إلى هذا الجوار عند أبي الأنهار!

ويا له من جوار رحيب بين مشتى الهرم ومشتى قارون، وبين شواطئ النيل وشواطئ البحيرات إلى جانب الصحراء! وإنها لتموج اليوم بالأزواج والأسراب من فصائل هذا الطائر المشهور بالتشرُّد والتقلُّب، وقلة الاصطِبار على القرار، بين الرمال وشواطئ الأنهار والبحار.

وإن شعراء العالم لَيُعلنون إفلاسهم ويُودِّعون عرائسهم وشياطينهم لو أنهم غفلوا عن بقية هذه القصة التي تطالبهم بالتمام من فيض الخيال، إن لم يدركهم تمامُها من واقع الحال!

ولن يُصَدِّقَ الأخلاف من أبناء القرون المقبلة أن الكرة الأرضية كان عليها شعراؤها في سنة ١٩٦١، إذا سجَّل التاريخ غدًا أن الطائر النرويجي المهجور وجد أليفته بعد هذه الزفة «الدولية» بين مربض أبي الهول وأطلال المتاهة الخالدة من آثار «اللابيرنت»، ولم تزدحم رفوف المطبوعات في سنة ١٩٦٢ بقصة هذا اﻟ «أبي فصادة» التي عَزَّتْ نظائرها في أساطير الأولين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.