في هذا القرن العشرين ظاهرات تقف النظر؛ منها هذا التطور الهائل في المخترعات والمكتشفات والذي ابتدأ من «الفنوغراف» وانتهى إلى «التليفزيون»، ثم توج هذا كله بعصر الذرة. وليس هذا التطور وما صاحبه هو الذي نريد أن نتحدث اليوم عنه. ولكننا نريد أن نتحدث عن ظاهرة لا تقل عجبًا عن هذا التطور. ذلك موقف الشرق من الغرب. ففي أول هذا القرن كان الغرب سيدًا للشرق. أما الآن فالغرب يجهد نفسه عبثًا للاحتفاظ بهذه السيادة، ثم يدرك غالبًا بعد فوات الأوان أنه لا بد له من التماس الوسيلة للتوفيق بين هذه السيادة وبين هذا الجهد.

وأول ما كان من ذلك في أوائل القرن نهوض «اليابان» ومحاربة «روسيا» وانتصارها عليها. لقد كان ذلك حدثًا لفت أنظار العالم جميعًا في الغرب والشرق. فلم يكن أحد يظن أن هذه الدولة الشرقية الصغيرة تستطيع الوقوف أمام «روسيا» الممتدة حدودها في أوروبا وفي آسيا من «البلطيق» إلى «الباسيفيك»، والتي يزيد عدد سكانها على ضعف عدد سكان «اليابان» أو على ثلاثة أمثاله، والتي تعتبر من دول أوروبا ذات الحول والطول. فلما انتصرت «اليابان» اعتبر الناس هذا الانتصار معجزة، ثم بدأ أهل أوروبا يتكلمون عن الخطر الأصفر. فإذا نهضت «الصين» وهي تُعد بمئات الملايين وأصبحت في مثل قوة «اليابان» فما عسى تكون الحال؟ ولأي خطر تتعرض أوروبا في صميم كيانها، وظل الحديث عن الخطر الأصفر متصلًا سنين متعاقبة.

وبعد الحرب الروسية اليابانية، وقعت الحرب بين «جنوب أفريقيا» و«الإمبراطورية البريطانية». وكانت الإمبراطورية إذ ذاك في أوج عزها وقوتها، فلم يكن أحد يتوقع أن تصمد بلاد متأخرة كجنوب أفريقيا لجيوشها المدربة أحسن تدريب، ومع ذلك استطالت هذه الحرب وانتصر الأفريقيون الجنوبيون في معارك كثيرة. ومع أن الحرب المذكورة انتهت بانتصار «الإمبراطورية البريطانية»، فقد جعلت الناس في ذلك الحين يفتحون عيونهم واسعة، وإن لم يمنعهم ذلك من تقديس الغرب والإيمان بأنه سيبقى صاحب السلطان في العالم إلى الأبد.

وأعلنت الحرب العالمية الأولى فكان إعلانها نذيرًا صريحًا للغرب. فإلى ما قبل ذلك بنصف قرن تقريبًا — إلى ما قبل سنة ١٨٧٠ — لم تقع حرب داخل أوروبا. فلما انتهت هذه الحرب العالمية الأولى في آخر سنة ١٩١٨ قامت «مصر» بثورتها الاستقلالية على «الإمبراطورية البريطانية» سنة ١٩١٩، ثم حذت «الهند» حذوها بعد ذلك بقليل. وقد استمرت هذه الثورة وارية الضرام، فاضطرت «إنجلترا» للاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة بإعلان من جانبها وحدها في ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، فكان ذلك مقدمة لما تلاه وما انتهى إلى جلاء «إنجلترا» عن «مصر» وإلى استقلال «مصر» التام، وإلى تبوئها مركزها المحترم في العالم الدولي.

وفي أثناء النضال القائم بين «مصر» و«إنجلترا»، وبين «الهند» و«إنجلترا»، برز في العالم الدولي اسم كل من الزعيمين «سعد زغلول»، و«المهاتما غاندي»، وتحدثت صحف العالم عما كان لهما ولشعوب «مصر» و«الهند» من أثر عند الشعب البريطاني وعند غيره من الشعوب، وبذلك تطلعت شعوب كثيرة واقعة تحت سلطان الغرب، وأخذت تفكر في مصيرها مع الدول المتحكمة في مصائرها.

وبعد عشرين عامًا من نهاية الحرب العالمية الأولى قامت الحرب العالمية الثانية، وكانت أشد من سابقتها هولًا وفظاعة. وانتهت تلك الحرب إلى غير صلح، بل انتهت إلى خلاف مستحكم بين الدول التي كانت متحالفة أثناءها. وكان طبيعيًّا أن يشجع ذلك كل الشعوب الواقعة تحت نفوذ الغرب وسلطانه لأن تقوم طالبة حريتها واستقلالها.

قامت هذه الشعوب ومن بينها شعوب أواسط أفريقيا التي لم يكن يدور في خاطر أحد أن تفكر في شيء اسمه الحرية أو اسمه الاستقلال. وكذلك عمت العالم موجة حطمت الأفكار والنظم القديمة، وتركت الساسة الاستعماريين حيارى لا يعرفون ما يصنعون.

هذه هي الظاهرة التي امتاز بها هذا القرن العشرون في حياة الشعوب. وهي كما ترى لا تقل جلالًا عما كشف عنه العلم من المخترعات، وقد أدت هذه الظاهرة إلى تغير جوهري في سياسة العالم كله، وإلى التماس حلول لمشاكله غير ما كان يلتمس لها في الماضي. وإذا كان بعض الساسة لا يزالون يتجاهلون هذا التطور، فإن الرأي العام العالمي أقوى من أن يُعارض. وسنرى عما قريب اتجاهات جديدة نرجو أن تنتهي إلى أساس صالح للعالم الأفضل الذي تريده الإنسانية كلها من كل عقلها وقلبها وروحها.

والتفكير في حلول جديدة ليس وليد اليوم. فالأمم المتحدة تكونت من نتائج هذا التفكير بعد أن رأت الدول أن عصبة الأمم غير كافية للمحافظة على السلام العالمي. ومنذ اليوم الأول بعد إنشاء الأمم المتحدة فكر كثيرون في أن هذه المنظمة الدولية لن تكفي وحدها لمواجهة التطور العالمي الذي حدث، والذي أنهض أمم الشرق جميعًا تطالب باستقلالها. ولذلك نبتت في الرءوس أفكارٌ شتى لا يزال لبعضها أنصار، بل لا يزال لبعضها تنظيمات تظاهرها وتعمل على تحقيقها في الوجود العالمي.

وهذه هي فكرة الحكومة العالمية، فقد نودي بهذه الفكرة بعد إنشاء الأمم المتحدة بأقل من عام، ولا يزال لها دعاة ولا تزال لها تنظيمات تظاهرها إلى اليوم. أترى يمكن لهذه الفكرة أن تتحقق في عالم فيه من الاضطراب ومن الانقسام ما في عالمنا الحاضر؟ أم أنّا لا مفر لنا من أن نبحث عن فكرة أخرى أدنى إلى التحقيق، كفكرة تدوين القانون الدولي، وما إليها من مثلها.

مهما يكن من شيء فإن العالم الآن يتخطى فترة من حياته قَلَّ أن تخطَّى مثلها. فهو بصدد الانتقال من نظام أو من نظم إلى نظام جديد يكفل فيه الطمأنينة للجميع والسلام للجميع. فمتى يتحقق هذا النظام؟ علم ذلك عند ربي، لكن الذين سيرونه سيؤمنون بأن عالمنا قد مر في هذا القرن العشرين بما يثير العجب، بل بما يدعو إلى أكثر من العجب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.