لطالما كانت الغابات ساحاتٍ للتنافُس الشرس، حتى في أشد لحظاتها هدوءًا وسكونًا. فضوء الشمس هو أحد أغلى الموجودات قيمةً هنا، ومن ثَمَّ تتسابق النباتات وتراوِغ ويقتل بعضها بعضًا؛ كي تفوز بمواقع مميزة تحت الأشعة الساقطة. أما السراخس فهي أستاذة هذه اللعبة؛ فهي تجيد النمو في الظل. ويرى فاي واي لي — الباحث في جامعة ديوك — أن نجاحها يرجع إلى لحظة فريدة حدثت منذ ١٨٠ مليون عام تقريبًا، عندما سرقَتْ نبتةُ سرخس عتيقة جينًا من نبات آخَر.

السراخس.
السراخس.

تُوصَف السراخس في بعض الأحيان بكونها بقايا أثرية من حقبة مبكرة في تاريخ تطوُّر النبات، تفوَّقَتْ عليها النباتات المزهرة وأقصتها إلى أغوار الغابة. لكن الحقيقة غير ذلك! قد تكون السراخس فصيلةً قديمةً من النباتات (إذ ظهرت لأول مرة منذ ٣٦٠ مليون سنة)، لكن الأغلبية الساحقة من الأنواع الموجودة ظهرت بعد ذلك بكثير، أثناء الحقبة الطباشيرية. وبحلول ذلك الوقت كانت النباتات المزهرة قد هيمنت بالفعل على العالم. لكن السراخس لم تلعب دورَ المقاوِم الشجاع الذي حُكِمَ عليه بالبقاء في مكان مُهمَل من الوجود، بل ازدهرت وتنوَّعَتْ تحت ظلال النباتات الأخرى.

كانت لتلك السلالات من النباتات أداةٌ تفتقر إليها جميع النباتات الأخرى تقريبًا (وأنواع السراخس الأخرى في حقيقة الأمر)؛ وهي مستشعر ضوئي يُدعَى نيوكروم. فمعظم النباتات تتحرك ناحية مصادر الضوء بواسطة جزيئات حساسة للضوء الأزرق، على الرغم من أن بعض النباتات تستخدم مستشعرات حساسة للضوء الأحمر عوضًا عن ذلك. لكن النيوكروم حساس إلى أقصى درجة للضوء الأزرق والأحمر على حدٍّ سواء؛ مما يمنح السراخس ميزة نظرًا لأن الضوء الأزرق يتسرب في أغلب الأحيان عبر طبقات الغابة العليا، بينما يتغلغل الضوء الأحمر إلى مناطق أعمق. ومن خلال النيوكروم تحظى السراخس ﺑ «رؤية» أفضل في العالم الظليل المليء بالزهور.

لكن ما هو مصدر النيوكروم؟ قرَّرَ واي لي اكتشاف هذا السر، فيقول: «أحبُّ السراخس، وأريد أن أعرف سبب وجود هذه الأعداد الكبيرة منها. ويبدو أن النيوكروم نقطة بداية ممتازة؛ لذا، قررتُ ببساطة اكتشاف تاريخ تطوره.»

لكن القول أسهل من الفعل، فعندما بدأ واي لي لم يكن عدد كبير من مجموع الجينات النباتية قد سُجِّلَ بعدُ، لذا لم يكن لديه كثير من البيانات كي يستعين بها … وما كان لديه لم يكن يجدي في شيء. يعلِّق واي لي على ذلك قائلًا: «أذكر أنني في أحد الأيام دخلت مكتب مشرفة البحث لأخبرها أن رسالة الدكتوراه التي أُعدُّها محكوم عليها بالفشل؛ لأني لم أستطع إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة.» لكن النجدة لاحت في الأفق مع مشروع الألف نبات، وهو مبادرة ضخمة لدراسة الكيفية التي تستخدم بها النباتات — من الطحالب إلى الزهور — جيناتها. وهكذا أصبح لدى واي لي فجأةً وفرة من البيانات، وصمَّمَ برنامجًا لتحليلها، و«في إحدى الليالي وجدتُ كمبيوتر «ماكبوك» خاصتي يخبرني أنه وجَدَ تسلسلًا شبيهًا بالنيوكروم في النباتات الزهقرنية.»

توجد النباتات الزهقرنية عادةً ضمن النباتات الزيتية المتشابكة ذات اللون الأخضر المائل إلى الزُّرقة، والتي تنمو في الأماكن الرطبة أو المبتلة، وهي أقدم من السراخس ومن أوائل النباتات التي استعمرت اليابسة.

ربما وُجِد النيوكروم بالفعل لدى الجد المشترك للنباتات الزهقرنية والسراخس، بينما فقَدَ عددٌ كبير من سلالته — من بينها جميع الأشجار والزهور — هذا الجزيء. أو ربما طوَّرتْ كلٌّ من النباتات الزهقرنية والسراخس جزيءَ النيوكروم وحدها. لكن واي لي أثبت أن كلا السيناريوهين مستبعد تمامًا.

من الواضح أن أشكال جزيئات النيوكروم لدى السراخس والنباتات الزهقرنية مترابِطة ويجمعهما جَدٌّ مشترَك. فمن خلال مقارنة هذه الأشكال الحديثة وتتبُّع مراحل تطوُّرها، قدَّرَ واي لي أنها تشعَّبَتْ من بعضها منذ حوالي ١٧٩ مليون سنة. وعلى العكس من ذلك، انفصلت السراخس والنباتات الزهقرنية نفسها منذ ٤٠٠ مليون سنة على الأقل.

يشير هذا النمط — الذي لا ينطبق على أي جين آخَر لدى السراخس — بقوة إلى اكتساب هذه النباتات الجينَ الخاص بالنيوكروم مباشَرةً من النباتات الزهقرنية، ويبدو أن هذا الجين تنقَّلَ مرارًا وتكرارًا بين سلالات السراخس المختلفة فيما بعدُ.

تلك «التحولات الجينية الأفقية» هي أحداث معتادة في عالم البكتيريا، التي تتبادل الحمض النووي بنفس السهولة التي نتبادل بها رسائل البريد الإلكتروني، لكنها أشد ندرةً بمراحل في النباتات والحيوانات، وكثير من الأمثلة المزعومة على تلك الظاهرة يُنظَر إليها بعين الشك. لكن دراسة واي لي تلقَّتْ دون شك دعمًا من دراسة جيفيري بالمر الباحث بجامعة إنديانا، وهو ما يعلِّق عليه واي لي قائلًا: «لقد قرأتُ بحثَه العلمي قراءةً متمعِّنة، وأعتقد أن الأدلة التي أوردها قوية للغاية ومقنعة.»

لا يتعجل بالمر قبول فكرة كون النيوكروم سببَ تنوع السراخس تحت ظل الأزهار؛ فهي فكرة مقنعة لكنها لم تثبت بعدُ، وهو ما يعلِّق عليه قائلًا: إذا أُثبِتَتْ صحتها «فسيكون ذلك أهم تحوُّل أفقي اكتُشِفَ في عالم النباتات حتى الآن.» فمعظم الجينات المتحولة، بما فيها بعض الجينات التي اكتشفها بالمر، ليس لها تأثير كبير، لكن النيوكروم «يملك حقًّا القدرةَ على تغيير فسيولوجيا السراخس تغييرًا جذريًّا، وأن يصبح متأقلمًا بالفعل.»

يبحث واي لي حاليًّا عن جينات أخرى متحولة أفقيًّا لدى السراخس ليحدِّد إن كان النيوكروم استثناءً أم مجرد جزء من نمط عام. كذلك يدرس النيوكروم في النباتات الزهقرنية لمعرفة وظيفة الجين في مصدره الأصلي.

Genetic Gift May Have Turned Ferns into Masters of Shadow by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. March 15, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.