نعم، كان عهد ذلة وهوان هذا العهد الذي ختمته استقالة عبد الفتاح يحيى باشا أمس، بل كان عهد شيء أقبح من الذلة والهوان، لو أن في ألفاظ الناس ما يمكن أن يدل على حقائق الأشياء أكثر من هذه الألفاظ المألوفة. ولم يكن عهد ذلة وهوان بالقياس إلى المحكومين دون الحاكمين، بل كان حظ الحاكمين من الذلة والهوان أضعاف حظ المحكومين: وما رأيك في قوم كانوا يذلون الناس ويأخذونهم بالخسف والعسف، ويسومونهم الضيم، وأصناف الهون، لا يصدرون في ذلك عن إرادة حرة، ولا عن قدرة مختارة، ولا عن يد قادرة على أن تبسط نفسها، ولا عن رأي، ولا عن تفكير، وإنما يوحى إليهم أن يكونوا قساة، فإذا هم قساة، ويوحى إليهم أن يكونوا أُساة فإذا هم أُساة، يؤمرون بالقوة فإذا هم أقوياء، ويؤمرون بالضعف فإذا هم ضعفاء، فإذا تخلى عنهم سادتهم، وانصرف عنهم حماتهم ومسيروهم، فهم ليسوا شيئًا، وهم ليسوا أقل من شيء.

كان يقال لهم: أنتم الوزراء، فيؤمنون بأنهم وزراء، ثم كان يقال لهم: ولكن عليكم أن تطيعوا، فيؤمنون بأن عليهم أن يطيعوا، كان يقال لهم: هذا من الإبراشي باشا حينًا، فيذعنون له خاشعين، وكان يقال لهم: هذا من الإنجليز حينًا آخر، فيؤمنون له خاضعين، كانوا هشيمًا لو ترك لنفسه لذرته الريح، ولذهبت به كل مذهب، ولكنه لم يكن يترك لنفسه، إنما كان يجمعه الإبراشي باشا جمعًا، ويفرقه الإبراشي باشا تفريقًا، ويصرفه الإبراشي باشا كما يهوى ويريد، فكان يجتمع إذا أريد له الاجتماع، وكان يتفرق إذا أريد له التفريق، وكان يذهب إلى اليمين، وكان يذهب إلى الشمال، وكان طيعًا لكل ما يراد به، سامعًا لكل ما يتنزل عليه.

وهذا الهشيم الذي لا قوام له ولا استمساك له هو الذي حكم مصر عامًا وبعض عام، هو الذي أذاق المصريين ألوان الذل، وصبَّ على المصريين أصناف الهون، هو الذي عرض حياة المصريين للخطر، وأجسام المصريين للعذاب، هو الذي يغدق في أموال المصريين بغير حساب، وأهدر منافع المصريين في غير تردد ولا تحفظ ولا احتياط. كان رئيس هذا الهشيم في باريس يتنزه ويستريح، فقيل له: أقبل على رياسة الوزارة، فطار لم يسأل ولم يبحث، ولم يروِ ولم يستقصِ، وإنما طار لا يلوي على شيء، ووقفت له السفينة في بعض الطريق، فألقى نفسه فيها إلقاء.

ثم انتهت به السفينة إلى الثغر، فاستخرجه منها غيره استخراجًا، ثم طارت به سيارة إلى داره، ثم إلى القصر، ثم خرج من القصر رئيسًا للوزراء، وأي وزراء؟ رئيسًا لقوم لم يخترهم ولم يختاروه، لم يسألهم ولم يسألوه، لم يباحثهم ولم يباحثوه، إنما فرض عليهم وفرضوا عليه، جمعهم الإبراشي باشا جميعًا من يمين وشمال، ثم وضع على رأسهم واحدًا منهم، ثم أرسلهم لما أراد أن يرسلهم له، فذهبوا إلى حيث أريد لهم أن يذهبوا، ساروا كما كان يراد لهم أن يسيروا، سلطوا على حياة هذا الشعب فأفسدوها إفسادًا، وعلى أموال هذا الشعب فبذَّروها تبذيرًا، وعلى مرافق هذا الشعب ففعلوا بها الأفاعيل.

قيل لهم: أسرفوا في القوة على المصريين فأسرفوا، وقيل لهم: أسرفوا في الضعف للإنجليز، فأسرفوا، واستقامت أمورهم على البطش بالضعفاء، والاستسلام للأقوياء، وأنفقوا عامًا وبعض العام يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، ويظنون أنهم يصرفون الأمور، أو يعلمون أنهم لا يصرفون شيئًا، وإنما يتخذون أدوات لأمر يراد، والله وحده قادر على أن يحصي ما جنوه من سيئة، والله وحده قادر على أن يعد ما اقترفوا من خطيئة، لا في حق مصر وحدها، بل في حق أنفسهم أيضًا، فهم كانوا يذلون المصريين في كل يوم، ولكنهم كانوا يذلون أنفسهم في كل لحظة.

وهم كانوا يزدرون المصريين إذا أقبل النهار، ولكنهم كانوا يزدرون أنفسهم أيقاظًا ونيامًا، تركوا إراداتهم على أبواب الدواوين، ودخلوا إلى الدواوين وليست لهم إرادة، ومن يدري لعلهم يستردون إرادتهم الآن بعد أن خرجوا من الدواوين إخراجًا، وأنزلوا عن مناصب الحكم إنزالًا، والغريب أنهم كانوا يأتون الأمر وكأنهم يعملون، ويلقون الخطب وكأنهم يفكرون ويقولون، وإنما كان الإبراشي باشا هو الذي يعمل، وكان الإبراشي باشا هو الذي يقول، وكان هؤلاء أدوات يعمل بها الإبراشي باشا، وألسنة ينطق بها الإبراشي باشا، قيل لهم: كونوا وزراء دستوريين، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن نكون وزراء دستوريين؟

وقال قائلهم: وماذا نصنع بصدقي باشا وهو يغاضبنا؛ لأنه يغاضب سيدنا الإبراشي باشا، وقد يؤلب علينا البرلمان، فهو صاحب الكثرة في البرلمان؟ قيل لهم: لا تخافوا ولا تحزنوا فسيواتيكم البرلمان، كما واتى صدقي باشا من قبل، ولكن تجلدوا وأظهروا الحرب، وتكلفوا كيد الساسة ومكر الوزراء، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن نعمل هذا كله، وإنما جئنا لنفعل هذا كله، وأكثر من هذا كله؟ ثم أخذوا يتحدثون، وأخذوا يخطبون، وأخذوا يناوئون، وما تحدثوا ولا خطبوا ولا ناوءوا، وإنما كان الإبراشي باشا من ورائهم يتحدث ويخطب ويناوئ.

ثم نظروا فإذا البرلمان قد انقاد لهم، وإذا صدقي باشا قد استخزى أمامهم ولاذ بالفرار، ثم أخذوا منذ ذلك اليوم يذهبون إلى البرلمان، وينصرفون عن البرلمان، يخيلون إلى الناس أنهم وزراء دستور، وهم يعلمون أنهم وزراء الرجل الواحد، حتى إذا عرضت المشكلات الخارجية الكبرى، وعجز الإبراشي باشا عن حلها، عجزوا هم عن حلها أيضًا، فقيل لهم: دعوا ذلك للإنجليز، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن ندع ذلك للإنجليز؟

ثم فوضوا الأمر إلى الإنجليز في الدين، وفي المحاكم المختلطة، وفي الامتيازات، ثم ثقل المرض على جلالة الملك، واضطرب الإبراشي باشا، فاضطربوا معه، وألهم رئيسهم أن يستشير الإنجليز فقال: نعم، وما يمنعني أن أستشير الإنجليز؟ فلما أشاروا عليه قبل المشورة، ووعد بالإنجاز، ثم منَّ الله على مصر بتحسن صحة جلالة الملك، فسقط في يد الإبراشي باشا، وسقط في يد رئيس الوزراء.

وقيل للقوم: أظهروا مقاومة الإنجليز، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن نظهر مقاومة الإنجليز؟ ثم قيل لهم: أنكروا أنكم طلبتم مشورة الإنجليز، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن ننكر أننا طلبنا مشورة الإنجليز؟ ثم جد الجد، وازدحمت الخطوب، وتراءت الكوارث، فقيل لهم: أنكروا أن يكون في الجو شيء، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن ننكر أن في الجو شيئًا؟ ثم كان النذير، وأشرف الإبراشي باشا على الهوة، وقيل لهم: ضحوا ببعض الزملاء، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن نضحي ببعض الزملاء؟

ثم لم يبق بين الإبراشي باشا وبين الهوة إلا أن يحرك رجله فقيل لهم: استقيلوا، فقالوا: نعم، وما يمنعنا أن نستقيل؟ ثم رفعوا استقالتهم أمس إلى صاحب العرش.

هؤلاء هم الذين حكموا مصر عامًا وبعض عام، وهؤلاء هم الذين ظنوا أنهم يحكمون مصر، وهؤلاء هم الذين خيلوا إلى الناس أنهم يحكمون مصر، والله يشهد ما كانوا من حكم مصر في قليل ولا كثير، إنما كانوا صورًا فقد زالت الصور، إنما كانوا ظلالًا فقد محيت الظلال، وإنما كانوا يصورون ما سمته الإجبشين جازيت غروب العهد، فقد غرب هذا العهد وعفت آثاره، وأخذ المصريون يستقبلون عهدًا جديدًا، وهم مقبلون عليه، مهما تكن الظروف، ومهما تكن مقاومة الذين ألفوا عهد الذلة والهوان.

ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عُرضت على ماهر باشا، ولكنا لا نلبث أن نسمع أنها صرفت عن ماهر باشا؛ لأن ماهر باشا من رجال هذا العهد، ونهوضه بالحكم استبقاء لهذا العهد، وما يستطيع هذا العهد أن يبقى لو تعاونت على بقائه الجن والإنس، ولئن قاوم وكابر فلا بد له من أن يزول في أسرع مما يظن المكابرون، ثم ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على صاحب الدولة، توفيق نسيم باشا، فطلب التفكير قبل أن يعلن رفضًا أو قبولًا.

وقد استبشر المصريون جميعًا حين سمعوا اسم هذا الرجل الذي أنكر عهد الذلة والهوان، وضحى بمنصبه في سبيل رأيه، والذي عين عضوًا في مجلس الشيوخ، فاستقال حتى لا يحنث في يمين أقسمها كما حنث غيره، وحتى لا يحتمل أوزارًا نصح بألا تحتمل، فليس عجيبًا أن يستبشر المصريون حين يرونه يرشح للوزارة، ولكننا نقرأ في الصحف أن الوزارة تعرض عليه على أن يحتفظ بالنظام الحاضر، فكأن الوزارة لا تعرض عليه إلا لتصرف عنه، فالرجل أكرم على نفسه من أن ينكر موقفًا شريفًا وقفه، ومن أن يُقدم على شيء أباه، ومن أن يُخيِّب أمل الشعب فيه، ويكذب ظن الشعب به، يختم حياته السياسية بما لا يرضى الرجل الكريم أن يختم به حياته السياسية.

نعم، وإنا نقرأ في الصحف كلامًا عجبًا، فقد يقال: إن زيور باشا عرض على نسيم باشا أن يعمل مع البرلمان القائم ما دام واثقًا به، تبارك الله! وماذا يمنع أن يثق البرلمان بنسيم وقد وثق بعبد الفتاح كما وثق بصدقي؟ بل ماذا يمنع أن يثق البرلمان بمن شئت من الزعماء ورجال السياسة إن أسندت الوزارة إلى من شئت من الزعماء ورجال السياسة؟

ألا تزال أصبع الإبراشي باشا تعمل في تأليف الوزارات؛ فإن هذا الكلام — إن صح — يصور نفس الإبراشي باشا أصدق تصوير، على أن هذا الموقف الغريب لن يطول، فلن يتقدم هذا النهار حتى تتبين الخطوات الأولى لهذه الأزمة الجديدة، فإما أن يقبل نسيم باشا تأليف الوزارة، وإذن فقد اعترف العهد الحاضر بالهزيمة واستسلم للقضاء، وإما أن يعتذر نسيم باشا عن تأليف الوزارة، وإذن فما زال العهد الحاضر يقاوم ويرجو البقاء، ولكنه يقاوم في غير نفع، ويرجو في غير موضع للرجاء، فإن الشعب الذي أفنى سلطان صدقي باشا وسلطان عبد الفتاح باشا، بصبره وإبائه وازدرائه للطغيان والطغاة، سيفني سلطان أي وزير آخر يجرؤ على أن ينهض بأعباء الحكم مزدريًا إرادة الأمة، مستعدًّا لتلقي العمل والوحي، والعمل بالأمر، والإذعان لغير المسئولين؛ فلننتظر فلن يكون انتظارنا طويلًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.