يوم من أيام الخماسين

وأيام الخماسين كما يَدُلُّ عليها اسمُها هي الأيام الخمسون التي نَفْتَتِح بها في مصر موسمَ الربيع، ونتلقَّى فيها هوجَ الصحراء ولفحاتِ الرمال بعد نهاية الشتاء.

ولكنها في هذه السنة عادت بعد موعدها بثلاثة أشهر، وعادت لسبب غير الذي يُعِيدها في كل عام، أما السبب المشترك الأعظم لجميع العوارض الجوية في زماننا هذا فهو التجارب الذرية …

وأما السبب العلمي الذي أعلنه خبراء الأرصاد عندنا، فهو «ربوة جوية» اعترضتْ طريقَ الرياح المندَّاة حول البحر الأسود، فحالتْ دون وصولها إلى بلادنا لتلطيف هواء الصيف عندنا، كما كانت تفعل مِنْ قَبْلُ وستفعل مِنْ بَعْدُ في الأعوام الأخرى.

وكيفما كان الاختلاف على السبب فلا اختلاف في أمرين؛ أولهما: هذه الآية القديمة الحديثة على «تضامن» العالم الذي نعيش فيه … فنحن لا نتنسَّم أنفاس الهواء بين جدران بيوتنا إلا شعرنا بعوارض الجو على مسافة ألوف الأميال.

والأمر الآخر: أن الشرَّ المحض لا وجود له في عالمنا المزدحم بالشرور. فقد قِيلَ لنا إن هذا القيظ اللافح الذي ضاقت به صدورنا قد أنقذ محصول القطن من آفاته.

فالحمد لله بالنيابة عن أصحاب المحصول القطني وبالأصالة عن أنفسنا؛ لأننا — بالمحصول القطني أو بغيره — مصريون.

إغراء السيارات

كنتُ أشترك في تحرير «البلاغ» يوم انفردْتُ بالدفاع عن زعيم مصر الخالد سعد زغلول، وكانت هذه الصحيفة قِبْلَةَ طلاب الإعلانات؛ لأنها كانت أوسع الصحف انتشارًا وأحبَّها إلى القراء، ولم تكن في مصر يومئذ شركات للإعلانات على مثال الشركات التي تنشئها الصحف الآن، أو ينشئها المساهمون ويتفقون مع الصحف على نشر إعلاناتهم فيها.

فكان يكفي لنشر الإعلان أن يكتبه صاحب الصحيفة أو محرر من محرريها المسئولين؛ ليشغل ما يُراد له من مكان بين صفحاتها المختارة.

في تلك الأيام كان وكلاء شركات السيارات يَعْرِضون علينا أفخر سياراتهم بنصف ثمنها مُنَجَّمًا على أقساط، لا يزيد القسط الشهري منها على أجور الترام، ويكفي لسداد النصف الآخر أن يُنشَر به إعلان متكرر يشغل حيزًا من الفراغ.

ولم يكن هذا الثمن الرخيص للسيارات الغالية من المُغْرِيات لي على اقتنائها؛ لأن السيارات بجميع أشكالها لم تكن عندي ذات إغراء!

كان هذا في إبان الشباب.

ولكنني عدتُ فاقتنيتُ السيارة الخاصة وأنا عضو بمجلس الشيوخ، واشتريتُها ولم تتغير نظرتي إليها؛ لأنها ظلَّتْ كما كانتْ ولا إغراء فيها «للشيخ المحترم» الذي جاوز الأربعين.

إنما اشتريتُها حياءً من الزملاء الذين كانوا يعرضون عليَّ اصطحابهم في طريقهم إلى مصر الجديدة، وكانوا يحسبونني أمشي «لقلة السيارات …» ولا يعلمون أنني أغتنم فرصة المشي ساعات في النهار، ومنها فرصة المشي من مجلس الشيوخ إلى محطة الترام بشارع عماد الدين أو ميدان باب الحديد.

وبالأمس مضى على تاريخي مع السيارات أو على تاريخ السيارات معي عشر سنوات، وبالأمس حمدتُ اللهَ وتنفستُ الصعداء؛ لأنني «خلصت» منها بعد صبر طويل.

إذا سُئِلْتُ نصيحة ممن ينتفع بالنصيحة، فخلاصتها في بضعة أسطر: إن الذي يقتني سيارة خاصة ينبغي أن يكون على علم بإدارتها وبالإصلاح العاجل لخللها، وإلا جارت على وقته وحريته وماله، ولم تنفعه في ألزم ما تلزم له السيارات الخاصة؛ وهو: الوقت، والراحة.

العسل والبصل

يسألني قارئ من قرائي بالتليفون عن معنى شهر العسل؛ لأنه سمع بالأمس حوارًا في أحاديث الإذاعة ترك فيه هذا السؤال بغير جواب.

والسيد القارئ يعلم — ولا شك — أن الكلمة منقولة من اللغات الأوروبية، وأننا تصرَّفْنا فيها بعد نقلها حين قال المتهكمون منا إن شهر العسل يتلوه شهر البصل أو شهور البصل … إذا طالت شهور الزواج.

أما أصل التسمية عند الأوروبيين، فهو اعتقادهم قديمًا أن تعاطي العسل نافع في بواكير الزواج، فكانوا يشربونه مخفَّفًا بالماء ويعالجونه بالأبازير التي تُوافِق مذاقه كالقرنفل والزنجبيل.

وقد أراد السفاح «آتيلا» أن يستكثر من الخير، فشربه صرفًا وأفرط في المقدار، فمات.

وقد يُشْبِه هذا الاستكثار من الخير أن مرشحًا للنيابة طاف بين القرى لزيارة ناخبيه، وأراد أحدهم أن يبالغ في إكرامه أو يبالغ في مباراة الكرم بينه وبين أبناء قريته، فصبَّ للمرشح المسكين كوبًا من قارورة الشربات الغليظة، وأقسم ليجرعنها صرفًا بغير ماء … ولم يُنْقِذ الرجلَ من مصير كمصير «آتيلا» إلا الطبيب الذي أسعفه قبل المصاب، وزعم لصاحب الدار أن المرشح يشكو داء السكر، فلا طاقة له بتناول الحلوى بأي مقدار.

وبَعْدُ، فنحن لا نحب أن ندع التعقيب على شهر العسل «بشهر البصل» موكولًا إلى سجعة يُراد بها التهكم أو يُراد بها التشاؤم بعد المقارنة بين الشهر المرغوب فيه والشهور المرغوب عنها.

فحبذا شهور «البصل» في بيت الزوجية؛ فإنها عنوان لبيت عامر «المطبخ» موفور الصحة والعافية، مشهود فيه للبصل بشهرة لا تقل عن شهرة العسل في بابه … حتى في عرف آبائنا الأقدمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.