لم يَنْسَ المصريون — وما ينبغي لهم أن ينسوا — ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأُهِينت فيه الكرامة المصرية، وانتُهِكت فيه الحرمات المصرية، وأُهِينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتُهِكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأُطْلِقت فيه تلك النار الآثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.

لم يَنْسَ المصريون — وما ينبغي لهم أن ينسوا — ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها أنهم لا يرعون عهدًا، ولا يحترمون حقًّا، ولا يقدرون عدلًا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدِّرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يُشفِقون من غير القوة.

لم ينسَ المصريون — وما ينبغي لهم أن ينسوا — ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمَّرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدُّور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، وإلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلُّوا مصر ويبسطوا عليها سلطانهم مهما تكن الظروف.

لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم؛ لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدًا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظًّا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخًا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يومًا من أيامه السود، يعتدى فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم؛ لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤمًا من يوم إلى يوم وتتغلغل في شئون المصريين من عام إلى عام، تمسُّ حياة الشعب كله، وتمسُّ حياة الجماعات، وتمسُّ حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال، وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.

ومهما يفكر المصري في شيء، ومهما يحاول المصري شيئًا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته؛ وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرًّا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرًّا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتدِ الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرًّا، ولعملت حرًّا، ولا بد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرًّا، ولأعمل حرًّا، ولأعيش كريمًا.

لم ينسَ المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون، وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين. وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا؛ فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلَّط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخَّل فيها الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبِّه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسَّها غفلة.

إن المصريين يشكُون؛ لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكُون من أن حريتهم تُصادَر، وكرامتهم تُهدَر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمسُّ أقوياءهم وضعفاءهم، ويُلِمُّ بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حقَّ العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا ضجَّ المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.

وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه؛ لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه؛ لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب؛ ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلًا من رجولة، وحظًّا من مروءة؛ ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات، لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله. وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحقُّ هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردًا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها؟!

ما أجدر المصريين أن يقرءوا هذا الفصل القيِّم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تَدْمَى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل، وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخسِّ طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون، وتحرق البيوت، وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلَّغُون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي.

سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة، والهلع من حولهم يملأ القلوب. سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويُسِيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية، على حين يَسْفِك الإنجليز دماءً مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى، والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة؟

إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري، وأن يعيه كل مصري، وأن يقصَّه كل مصري على ابنه الناشئ؛ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.

وأخيرًا؛ فليذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل؛ ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوةً تمكِّنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجِدِّ والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية، عزيزةً لا تَهُون على المصري، كريمةً لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.