أذكر منذ أيام الصبا منظرًا يتكرر اليوم — وهو لن يزال يتكرر أبد الدهر — ذلك حين كنا نقضي إجازاتنا المدرسية بالريف، وحين كنا نخرج في أحيان كثيرة مع الفجر، فنرى القرية استيقظت، ونرى الرجال يذهبون إلى المسجد يؤدون فيه فريضة الصبح قبل مطلع الشمس لينتشروا بعد ذلك في المزارع يعكفون فيها على العمل نهارهم، ويبقى بها منهم شطرًا من الليل من يمسكهم العمل فيها هذا الشطر من الليل، وترى النسوة أخذت كلٌّ منهن جرتها لتملأها ولتعود بها مرارًا، ثم لتعكف على عمل الدار صباحها حتى إذا كان الظهر ذهبت لرجلها بطعام الغداء في المزرعة.

أعادت هذه الصورة إلى ذاكرتي مثلًا لاتينيًّا معروفًا ترجمته «العمل عبادة»، ولهذا المثل نظير في لغات العالم جميعًا، وفي ريفنا يقولون: الشغل عبادة، كما يقولون: نوم الظالم عبادة، والحق أن كل عمل صالح عبادة؛ فالعمل الصالح هو بعض ما وجد الإنسان في هذه الحياة ليقوم به، بل هو كل واجب الإنسان في هذه الحياة، وكلما ازداد الإنسان في العمل الصالح دأبًا وإتقانًا ازدادت عبادته، وازداد عند الله أجره ومثوبته.

والعمل الصالح يتناول كل عمل مثمر يقوم به الإنسان لخيره وخير الناس من غير عدوان به على أحد من الناس، إلا أن يكون دفعًا لظلم أو اجتنابًا لضرٍّ. في هذه الحدود كل عمل شريف، وكل عمل عبادة، يستوي العمل اليدوي والعمل العقلي أو الفني؛ فهؤلاء الذين يقومون مع الفجر يفلحون الأرض، والذين يعملون في الصناعة أو في التجارة، والذين يسعون في مناكب الأرض ابتغاء الرزق يتساوون مع العلماء ورجال الفن والسياسة ورجال الحكم في أن عملهم شريف، وأنه لذلك عبادة خالصة لله. ولقد أخطأ أولئك الذين كانوا يفاوتون بين الأعمال، ويعتبرون بعضها أشرف من بعض؛ ليصلوا من ذلك إلى أن الرجل الغني عن العمل المتعالي لذلك عليه هو أشرف الناس مقامًا وأكثرهم نبلًا، أخطأ هؤلاء وضلوا، فالمتعالي عن العمل كسلان يأكل عمل غيره، ويسلب هذا الغير حظًّا من رزقه بغيًا بغير حق، ولو أن رجلًا اجتمعت له الأموال حتى ما يكاد يحصيها لما أعفاه ذلك من أن يعمل، ولما سوَّغ له ذلك أن يستنزف باسم ماله عمل غيره؛ فهو إما أن يكون قد جمع هذا المال من طريق العمل الحلال؛ فواجب عليه أن يتابع سعيه في هذا العمل الحلال، وإما أن يكون قد آل إليه من عمل غيره؛ فواجب عليه أن يسعى كما سعى هذا الغير، وأن يعمل ليكون قد أدى فرضه من العبادة.

والعبادة في الحق ما هي؟ هي هذا التوجه الخالص للاتصال بالكون إيمانًا بخالق الكون، وكيف لنا أن نتصل بالكون إذا لم نعمل فيه؟ كيف لنا أن نتصل به إذا نحن جعلنا كل همنا إلى الانفصال عنه فرارًا مما نسميه همومه وآلامه؟ نعم! كيف نتصل بالكون إذا قصرنا كل جهدنا على أن نستهلك ثمراته دون أن ننتج مكانها ثمرات جديدة من نوعها أو من نوع آخر؟ وكيف يؤمن بخالق الكون إيمانًا صادقًا من لا يترك بعمله في الكون أثرًا، أيًّا كان نوعه؟ أوَلَوْ تصورنا الناس جميعًا، رجالًا ونساء شبانًا وشيبًا، وقد انقطعوا عن العمل زمنًا، فماذا يكون مصيرهم؟ وماذا يكون مصير الكون؟ أمَّا هم فمصيرهم لا ريب أن يمحوهم الكون، وأن يستبدل بهم قومًا غيرهم، وأما الكون فيظل في حياته دائبة ذراته على التفاعل والعمل. فإذا كان ذلك مصير الجماعة كلها إذا جنحت إلى البطالة، فالعدل يقتضي أن يكون مصير الفرد كذلك إذا جنح إليها، والنظم التي تحمي البطالة نظم آثمة تجني على الإنسان أكبر جناية.

وفي يقيننا أن العالم لم ينحدر في عصر من العصور إلى درك الانحلال والانحطاط إلا حينما انصرف أهله عن العمل المثمر في نواحي الحياة المختلفة، وجعل كل همه إلى أن يعيش من سلب عمل غيره، وحينما اعتبرت المهارة في سلب عمل الغير «شطارة» يستحق صاحبها الإجلال واحترام الناس إياه، فالجماعات التي تسيغ مثل هذه الآثام وتحترمها تسرع في تفكيرها إلى وثنية وضيعة أولى درجاتها عبادة المال وتقديس أربابه، والنظر إليهم كأنهم أنصاف آلهة يجب أن تقرب إليهم القرابين، وأن توجه إليهم صنوف العبادة، فإذا كان ذلك كان هذا سبب ثورة الذين ينهكون أنفسهم كدحًا وعملًا على أنصاف الآلهة هؤلاء.

وليس يخالجني شك من الريب في أن المذاهب الاشتراكية المتطرفة، وفي أن البلشفية التي قامت في العالم كثمرة من ثمرات الحرب إنما هي بعض آثار هذه الوثنية والثورة عليها، وليس يقف تعليل ذلك عند ما ذهب إليه كارل ماركس ومن تبعه، وفي مقدمة الثائرين منهم لينين، من أن الطوائف في الجماعة في نضال دائم، وأن الغلب دائمًا للعدد الأكبر لأنه مركز القوة المادية، وإنما تعليله الحقيقي في أن الأقلية التي تريد أن تطبع الجماعة على غرارها يجب أن تكون صفوة مختارة ذات غرض إنساني سامٍ؛ هو التوجه بالجماعة إلى سبيل النعمة والكمال من غير أن تتخذ هذه الصفوة مكانها ذاك وسيلة لتُمعن في صنوف المتاع المادي، وتجعل نفسها في مكان السيادة، وتجعل الكثرة الكبرى عبادًا لها.

يوم توجد هذه الصفوة ويوم يكون الأمر لها لا يكون بين الطوائف نضال على نحو ما يصوره ماركس، ولا تكون الجماعة بحاجة إلى نظم خيالية لا تتفق مع واقع الحياة على ما ذهب إليه فورييه وسان سيمون وغيرهما؛ فهذه الصفوة المختارة لن ترضى عن نظام يبيح البطالة لرجل لأنه غني، ولن ترضى لذلك أن يشعر السواد بأن غيره يسلبه حظًّا من رزقه، وإنما يكون العمل في رأيها عبادة يجب على كلٍّ أن يؤدي فرائضها، ويجب أن ينال كلٌّ ما كتب له من رزق بسبب أدائها، لا يظلم أحد أحدًا، ولا يسلب أحد عمل أحد.

وإني لأعجب من أولئك الذين يطيقون أن يمضوا وقتهم في غير شيء إلا بالتحايل على إرضاء أهوائهم وشهواتهم الدنيا، كما أعجب لأولئك الذين يريدون أن يجعلوا رزقهم في الحياة ثمرة المصادفة والحظ؛ لذلك كنت أرى دائمًا أن هذه (اللوتريات) وهذه المسابقات للخيل وما يكسب الناس من ورائها عمل غير جائز، كما كنت أرى الميسر الذي يمضي الناس على مناضده ساعات وأيامًا عملًا غير جائز. حقًّا إن أعمالًا خيرية لها قيمة عظيمة تستفيد من اللوتريات ومن سباق الخيل لتؤدي إلى الناس أعمالًا جليلة، لكن من الحق كذلك أن أوراق الحظ هذه مفسدة للشعوب، داعية إياها إلى الاستهانة بالعمل، وإلى الركون لألوان من النقائص شتى، ولو أن الجماعة أنفت هذا النوع من الرزق الحرام، ونظرت إلى أصحابه نظرة الزراية، وجعلت للذين يلتمسون المثل الأعلى في الحياة بالعمل الشريف كل احترامها، ورأت في دأبه على العمل الشريف العبادة الصادقة الخالصة لله، إذن لتقدست في النفوس من المعاني الإنسانية السامية آثار عميقة تدفعها إلى التضحية في سبيل البر، وإلى إقامة أعمال الخير من فيض فضل الله عليها، بدل أن تقوم هذه الأعمال على أساس من الطمع في الربح، ومن التماس كل وسيلة له.

وكل مؤمن يذهب بحق إلى أن العبادة سبيل السعادة، فهل من سبيل للسعادة أوفى وأكرم من العمل الشريف؟ هل من سبيل للسعادة أوفى وأكرم من هذا الدأب المتصل يرى صاحبه آثار عمله كل يوم تزدهر تحت نظره كما يرى الأب البار الحنون أبناءه يشبون ويكبرون بعينه؟ وليكن فلاحنا المثل دائمًا أمامنا، فهذا هو يكدح نهاره وجانبًا من ليله، وهذا هو يرى ثمرة كدحه كل يوم تزداد أمام عينه ازدهارًا حتى يحين جناها، وهو أثناء ذلك كله سعيد بنموها وازدهارها، سعيد بأثمارها وجني ثمرها، شاكرًا نعم ربه، يرجو من الله أن يزيده بالشكر نعمة، وتلك هي السعادة وذلك هو النعيم.

أما الذين يحسبون الحياة لهوًا ولعبًا ولا شيء غير اللهو واللعب فيها، فإنما يغريهم الشباب ويزين لهم شيطانه، فإذا تقدمت بهم السن ألفوا أنفسهم عاجزين عن العمل، وألفوا الشباب قد خلق لهم بلهوه ولعبه من سيئ الآثار في مالهم وفي صحتهم ما لا يجدي معه الأسف، ولا يغني عنه الندم. فليذكر شبابنا دائمًا أن العمل عبادة، وأن العبادة مرانة متصلة منذ أول الصبا؛ فمن هجر العمل في أول عهده بالقوة على الحياة هجره العمل حين يشعر بالحاجة إليه. يومئذ يحس إحساسًا أليمًا بأن الحياة تخلت عنه، وبأن الحظ خانه، وما تخلت الحياة عنه وإنما تخلى هو عنها، وما خانه الحظ وإنما خان هو نفسه. فليُبكِّر كلما استطاع بهذه العبادة السعيدة المسعدة، فليُبكِّر كلٌّ بالعمل والدأب عليه والإثمار فيه، العمل الذي يقوم به الإنسان لخيره ولخير الناس من غير عدوان على أحد إلا أن يكون دفعًا لظلم أو اجتنابًا لضُرٍّ، وفي هذه الدائرة كل عمل شريف، وكل عمل عبادة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.