أحب أن تكون ثورتنا حية، وأن تكون حياتنا ثائرة، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلَّما أشرقت عليهم الشمس، وأن يُمسي المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.

أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة، وأن يُدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم. وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعًا مختلفة ألوانه، يمس فروع الحياة كلها، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة؛ يمس الموظف في ديوانه، والعامل في مكتبه أو معمله، والزارع في حقله، والعامل في مصنعه.

أريد أن يشعر المصريون جميعًا شعورًا قويًّا عميقًا جامحًا — أو كالجامح — بأنهم قد دُفعوا إلى جدٍّ لا راحة منه، وإلى كدٍّ لا أناة فيه، وإلى شوط لا بد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره؛ ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.

أريد ألَّا يفرغ المصريون لأنفسهم، وألَّا تفرغ لهم أنفسهم، وأن يُشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.

كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام؛ لأنهم فرِغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ، ولأنهم يعيشون في أيام ثورة لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه.

بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئًا كما تبغض الفراغ؛ لأنه عدوُّها الذي يُفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكَسِل المتخاذل المريب.

ولست أعرف شيئًا أخطر على الثورة، ولا أضر بها، ولا أشد عليها نُكرًا من فراغ الناس لأنفسهم، وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضًا، وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عمَّا كان أمس، وعمَّا يكون اليوم، وعمَّا يمكن أن يكون غدًا، وعمَّا فعل فلان وما لم يفعل، وعمَّا قال فلان وما لم يقل؛ فهذا كله يفلُّ الحد ويُثبط الهمم ويشغل الناس بما لا خير فيه.

والناس حين يلقى بعضهم بعضًا فارغين للحديث، طالبين للراحة، مفتنِّين فيها، متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث؛ ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج، وإنما هم أصحاب لغو في القول، يجدون اللذة كل اللذة، والمتعة كل المتعة، والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك، ينامون أيقاظًا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس، ينفقون أكثر أيامهم نيامًا والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم، ولا خير فيهم لأحد. هَمُّ القادرين منهم أن يَملَئوا بطونهم بما يلقون فيها من الطعام والشراب، وأن يَملئوا أفواههم وآذانهم وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه. وهَمُّ العاجزين منهم أن يشكوا، وأن يبكوا، وأن يعيبوا الزمان وأهله، ويُحمِّلوا غيرهم تَبِعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء.

قوم يضيعون حياتهم في البطَر والأشَر وغرور الأقوال والأحاديث، وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم، وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء، بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء.

أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا، وألا نحقق شيئًا حتى نُدفع إلى تحقيق أكثر، وألا نبلغ غاية حتى نُدفع إلى غاية أبعد منها، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.

أريد هذا كله، وأعرف السبيل إلى هذا كله؛ لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة، يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها؛ لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب. التجاوب بالعمل لا بالقول وحده، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير، وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد، ويفكر في تدبير أمرها كلُّ عقل، ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.

هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش، ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم، ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعًا إلى أبناء الشعب جميعًا تجاوزًا فعليًّا لا تنطق به الألسنة وحدها، وإنما تؤمن به القلوب والعقول. وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده، وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح، وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط.

وأنا أعلم أن هذا يحتاج — أول ما يحتاج — إلى المال الذي يُمكِّن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية؛ لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام، وهي معرَّضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة والضيق، وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق.

وهذه المصادر — فيما أظن — ليست بعيدة ولا متعذرة، وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئًا من الجراءة. وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة؛ فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها.

ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يُقْرض الدولة بعض ما عنده؛ لتبدأ في مشروعات الإصلاح. إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة، والثقة لا تأتي وحدها؛ إنما تأتي حين تُدعى وحين ترغب وحين تمدُّ للناس أسباب الأمل.

إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رءوس أموالهم في مصر، وهذا خيرٌ ما في ذلك شك. ولكن أموال المصريين لِم لا تُستثمر في مصر؟! وأين تستثمر إذن؟! أليس غريبًا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر، وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد؛ لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح.

إحدى اثنتين؛ إما أن يكون في مصر مال، ففيم يُنفق هذا المال إذا لم يُنفق في إصلاح مصر؟! وإما ألَّا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي يُنفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يُغني؟

لِيصدقني رجال الثورة، إنهم في حاجة إلى أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح، وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل، وهم لن يطلبوا منهم تبرعًا ولا إحسانًا، وإنما يطلبون منهم إقراضًا يغلُّ عليهم ربحًا، ويغل على مواطنيهم عملًا، ويغل على وطنهم ثراء وخصبًا وإنتاجًا.

لِتُقدمِ الثورة إذن على كسب ثقة الشعب، وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر. لِتدعو الثورة إلى بعض القروض، ولْتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها.

وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النُّجْح.

وإذا رأى الأجانب أموال مصر تُستثمر في إصلاح مصر، وأبناء مصر يثقون بثورة مصر، أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر. هنالك يندفع الشعب إلى العمل، وهنالك يُشغل الشعب بالعمل من الفراغ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب، وتصبح ثورتنا حية، وحياتنا ثائرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.