منذ نحو ٤٫٥٦٧ مليارات عام، برُدت كُريَّة متأرجحة من الماجما (الصهارة) على بُعد ٩٣ مليون ميل من الشمس، إلى أن تكوَّنت عليها طبقة خارجية من الصخر. عُرِفت هذه الكُرَيَّة في نهاية الأمر باسم كوكب الأرض. نحن لا نعرف الكثير عمَّا كان يبدو عليه كوكب الأرض آنذاك؛ لأن تلك القشرة الأرضية البدائية خضعت بالكامل تقريبًا إلى عملية إعادة تدوير؛ حيث نُحِتت، أو دُفعت نحو أعماق الكوكب المنصهرة، أو تحطمت إلى أجزاءٍ صغيرةٍ بفعل التصادمات الهائلة التي عصفت بكوكب الأرض خلال مائة المليون عام الأولى من نشأته.

تصادُم هائل حدث لكوكب الأرض في فترة مبكرة من عمره.
تصادُم هائل حدث لكوكب الأرض في فترة مبكرة من عمره.

لقد جَابَ علماء الجيولوجيا كوكب الأرض للعثور على شظايا متبقية منه منذ مراحل نشأته الأولى، وكان الزركون — أحد المعادن — ذا أهمية خاصة بالنسبة لهم؛ حيث يُمكن لبلورات الزركون الصغيرة تَحَمُّل أقصى الظروف لمليارات السنين؛ كانتزاعه من صخرته الأصلية، ودمجه في صخور جديدة، وتسخينه، واستخلاصه بتعريضه لضغوط هائلة، ومع ذلك يظل محتفظًا بتركيبته الكيميائية الأصلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن أحجار الزركون لها جاذبية إضافية، وهي أنها تحتفظ بنظائر مشعة مثل اليورانيوم. وعلى مدى مليارات السنين، يتحلل عنصر اليورانيوم بمعدلٍ ثابت ليتحوَّل إلى عنصر الرصاص؛ من ثَمَّ، يمكن للعلماء تقدير عمر الزركون بدقة من خلال قياس ذرات اليورانيوم والرصاص في حجر الزركون.

حجر زركون مُستخرج من تلال جاك هيلز في أستراليا، ويعود تاريخه إلى ٤٫٤ مليارات سنة.
حجر زركون مُستخرج من تلال جاك هيلز في أستراليا، ويعود تاريخه إلى ٤٫٤ مليارات سنة.

في عام ٢٠٠١، عثر العلماء أثناء الحفر في موقع في منطقة نائية من أستراليا تُعرف باسم تلال جاك هيلز، على حجر زركون يُقدَّر عمره بنحو ٤٫٤ مليارات عام؛ محطِّمًا بذلك الرقم القياسي كأقدم حجر زركون، ومنذ ذلك الحين لم يُعثر على حجر زركون آخر أقدم منه.

إن تقدير عُمر أحجار الزركون بأنه يتجاوز أربعة مليارات سنة يفرض كمًّا هائلًا من الضغوط الاستكشافية على العلماء؛ لذلك، لا عجب في أن يكون عُمر حجر الزركون في تلال جاك هيلز مَثار جدل.

تساءل بعض النقاد عمَّا إذا كان مقياس الزمن الجيولوجي في حجر الزركون في تلال جاك هيلز ظل يعمل بانتظام طوال هذا الوقت؛ حيث خضع الزركون للتسخين بعد وضعه في صخور أحدث. في ظل هذه الظروف، قد تتحرك ذرات اليورانيوم والرصاص داخل حجر الزركون الذي يحتويهما. ولتقدير عمر الزركون، كشط العلماء جزءًا صغيرًا فقط من بلورة الزركون. في حال حدوث الكثير من التحركات داخل البلورة؛ فإن هذا الجزء قد يكون محملًا بكمية إضافية من اليورانيوم والرصاص، أو ربما يكون قد فَقَدَ بعضًا من الذرات. في كلتا الحالتين، سيكون مقياس الزمن الجيولوجي غير دقيق.

إن علماء الجيولوجيا دائمًا ما يثيرون هذه التحديات ثم يتغلَّبون عليها. مؤخرًا، نشر جون فالي بجامعة ويسكونسن وزملاؤه دراسةً جديدةً عن أحجار الزركون في تلال جاك هيلز في دورية نيتشر جيوساينس؛ حيث أجرَوْا مسحًا جيولوجيًّا بالأشعة السينية، ورسموا خريطة لذرات الرصاص المستمدَّة من اليورانيوم داخل بلورة زركون لمعرفة المسافة التي تحركتها ذرات الرصاص.

اكتشف فالي وزملاؤه تحرُّك ذرات الرصاص بالفعل ولكن لمسافة محدودة؛ فقد تجمعت في صورة كتل صغيرة للغاية متراصَّة على نحوٍ محكَم بِمَا يؤكِّد دقة مقياس الزمن الجيولوجي؛ وبذلك تصمُد التقديرات القائلة إن عمر حجر الزركون يعود إلى ٤٫٤ مليارات سنة.

بمعنًى آخر، كان حجر الزركون في تلال جاك هيلز موجودًا في صخور تشكَّلت بعد مرور نحو ٢٠٠ مليون سنة على نشأة كوكب الأرض. وهذه الفترة تبدو طويلة لنا — نحن بني البشر — ولكنها تمثل نحو ٤٪ من عمر كوكب الأرض. عند فحص حجر الزركون المستخرَج من تلال جاك هيلز، وجد علماء الجيولوجيا ما يدل على أن أحجار الزركون تكوَّنت في جزء بارد من القشرة الأرضية يقع أسفل محيط سائل. إذا كان هذا الأمر صحيحًا؛ فهذا يعني أيضًا أن كوكب الأرض كان ملائمًا للحياة آنذاك.

ولكن لا يمكن استنباط الكثير من بلورة زركون يبلغ سُمكها ضعف سُمك شعرة إنسان. إن ما يرغب علماء الجيولوجيا في العثور عليه هو صخرة تحمل مدلولات واضحة وبسيطة يعود تاريخها إلى ٤٫٤ مليارات عام ويمكن حَملها باليد. يعود تاريخ أقدم الصخور التي عَثَر عليها العلماء وتحدَّد عمرها دون أي خلاف إلى ٤ مليارات عام؛ أي إنها أحدث بنحو ٤٠٠ مليون سنة من حجر الزركون الذي اكتُشف في تلال جاك هيلز. وإذا تمكَّن علماء الجيولوجيا من العثور على صخور يعود تاريخها إلى ٤٫٤ مليارات سنة وتحتوي على معادن مختلفة، فإنهم قد يتمكَّنون من معرفة الكثير عن كوكب الأرض في فجر نشأته.

في عدد شهر مارس من مجلة ساينتفيك أمريكان، نُشرت مقالة عن الصخور التي قد يعود تاريخها بالفعل إلى ٤٫٤ مليارات سنة؛ أي الصخور الأقدم على كوكب الأرض. لكن هذه الصخور الموجودة على ساحل خليج هدسون أثارت نقاشًا حادًّا بين علماء الجيولوجيا؛ حيث يقول بعضهم إنها في الواقع أحدث من ذلك بكثير. العلم مثير ولكن المخاطر كبيرة.

Searching for the Oldest Pieces of Earth by Carl Zimmer. The Loom. February 24, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.