مذبحة الإسكندرية

نزل درويش باشا مندوب السلطان ومَن معه في قصر الجزيرة وزار بعد ظهر يوم وصوله الخديوي، وقد كان حديثه مع الخديوي جافًّا فزاد في سخط الخديوي الذي كان مستاءً كل الاستياء من تقديمه للضباط ومجاملته لهم، فلما ردَّ له الخديوي الزيارةَ لم يكتم عنه استياءه وطلب منه أن يعلن بكل صراحة هل هو يريد أن ينفِّذ ما وعد به جلالة السلطان أم لا؟ فأظهر درويش باشا اشمئزازه لهذا السؤال، وأكَّدَ أن غرضه الأول هو توطيد سلطة الخديوي، وإنْ تطلَّبَ منه الأمرُ أن يتولَّى هو ذاته قيادة الجيش المصري.

وهكذا تغيَّرت خطة درويش باشا فجأةً، فاتهموه بالرشوة وقالوا في الأوساط المصرية إن الخديوي أعطاه خمسين ألف جنيه وحليًّا بمبلغ ٢٨ ألف جنيه كما جاء في مذكرات الشيخ محمد عبده، وقال الإنكليز إنه ابتاع منه مزرعة صغيرة في بلغاريا بثمن فاحش ونفحه بالهدايا الفاخرة. وخلاصة القول أن المشير لم يفتر من ذلك الحين عن إعلان اشمئزازه من الضباط.

وفي ١٠ يونيو كانت مقابلة درويش باشا للعلماء والضباط، فوقَفَ أحد العلماء — كما يُؤخَذ من شهادة الشيخ عبد الرحمن البحراوي أمام المجلس العسكري — ليخطب في مدح الجيش والضباط، فقاطعه درويش باشا بقوله إنه جاء مصر ليأمر بما هو صالح، لا بأن يسمع الخطب والأناشيد الخيالية، ثم أخرج ذلك الشيخ من القاعة.

فعل ذلك وظلَّ يجامِل عرابي ورفاقه مخافةَ أن يعلنوا العصيان، واكتفى بأن حبَّب إلى عرابي زيارةَ الآستانة حيث يُقابَل أطيب مقابَلة، فأجابه عرابي أن ذلك جُلُّ أمانيه، غير أن الشعب لا يسمح له بمغادرة البلاد، ولكن أمله كبير أن تتم هذه الزيارة بعد مغادرة الأسطولين الفرنساوي والإنكليزي مياه الإسكندرية.

وفي محضر المجلس العسكري الذي حاكَمَ العرابيين، وفي مذكرات المغفور له الشيخ محمد عبده، أن درويش باشا قال لعرابي ولمحمود سامي: «نحن رجال العسكرية يحترم بعضنا البعض، وأنتم أولادي تحترمونني لكِبَر سني، وقد أوفدني مولانا السلطان لتقرير الاتفاق بين عائلته المصرية، فسهِّلوا عليَّ هذه المهمة، وأنا أعرف شكواهم، وهذه الشكوى ستُزال بعد سفر الأسطول.»

ثم قال لعرابي: «أنتَ وحدك الآمِر الناهي في مصر مع أنك ناظر الجهادية، وهذا ما أغضَبَ الدول، فالواجب أن تُرِي أنت الدولَ التساهُل، فإذا انتهينا صفَّينا الأمرَ بيننا.

فاستعفِ من وظيفتك العسكرية بحجة حضوري؛ لأني مشير مرسَل من لَدُن السلطان، وكُنْ نائبًا عني ومأمورًا تحت قيادتي لكي تسهل عليَّ المخابرة مع الأجانب، ويمكنك أن تذهب مع إخوتك الضباط إلى الآستانة؛ حيث يرى مولانا الخليفة العادلُ الخيرَ في مفاوضته معكم.»

فردَّ عليه عرابي «بأن مشروعكم في غاية الحُسن، ولست حريصًا على السلطة التي تريدان تنسيبها إليَّ، فهي سلطة غير مغتصبة؛ لأن الأمة هي التي أفضَتْ بها إليَّ، فالواجب أن تنظر إلى الأمة وتفكِّر في شكواها.

أنا أعترف بأن يدك أبرع من يدي لتذليل المصاعب، فسيفي ووظيفتي تحت تصرُّفك، وأنا مستعد للانسحاب واتباع نصيحتك، ولكني أشترط شرطًا واحدًا وهو أن تعطيني باسم السلطان واسم الخديوي واسمك كتابًا تصرِّح فيه ببراءة ذمتنا من التبعات جميعًا في كل ما جرى إلى الآن، سواء كان ذلك مني أو من إخوتي. وحيث إني تعهَّدت للقناصل بحفظ الأمن في الديار المصرية وتحمَّلتُ عبءَ ذلك، فأرجو أن تعفيني من ذلك بطريقة رسمية؛ لأن الجيش لا يعرف غيرنا آمِرًا ورئيسًا فتقع علينا تبعته. قنصلَا فرنسا وإنكلترا عامَلَانا معاملةَ الخارجين على النظام، ونحن قوم في بلادنا، وهم غرباء عنَّا، فنحترم لهم كلَّ شيء، وهم لا يحترمون لنا شيئًا.»

بعد هذا الكلام وعَدَه درويش باشا بعقد جلسة في ١٢ يونيو برياسة الخديوي وبإنالته مطلبه، وطلب منه أن يذيع ما جرى في هذا الاجتماع، وأن يرسله بالتلغراف إلى الإسكندرية، فأبى وأبى أيَّ إعلان قبل إجابة طلبه.

وقد روى موبرلي بل محامي عرابي باشا أن درويش باشا أسمع الوزراء الوطنيين أنه في حالة عصيانهم يُستدعَى الجيش التركي، وقال عند دخولهم عليه: «إن محمود سامي دخل أمام زملائه الوزراء المستعفين وسلَّم وانحنى، وأخذ يقدِّم زملاءه للمشير، وكان المشير جالسًا تجاه الشباك ينظر إلى القلعة فلم يتحرك، وإنما قال لمحمود سامي إن منظر القلعة من أجمل المناظر، ثم التفَتَ إلى لبيب أفندي وطلب منه أن يُتمَّ حكايةَ قتل محمد علي للمماليك، ولما أتمَّ لبيب أفندي الحكايةَ قال درويش باشا لعرابي: إن هذا الكلبَ الذي نجا إنما هو نجا بأعجوبة. فذهلوا لهذه المقابلة وخرجوا وهم بين أمرين؛ إما الخضوع للخديوي وإما عصيان السلطان، وليس لهاتين الحالتين من حالٍ ثالثة، ولكن مذبحة الإسكندرية التي وقعت في ١١ يونيو — أي بعد المقابلة بيومٍ واحد — كانت تلك الحالة الثالثة التي لم تخطر لأحد بخاطر.»

***

لم تقع فتنة الإسكندرية عفوًا ودون تمهيد سابق، فقد تقدَّمَها في ٢٧ و٢٨ مايو ما ذكرناه من إنذار الضباط وهياج الأهالي واضطراب الأجانب وتحريض جمعية شبَّان الإسكندرية، وخُطَب عبد الله نديم الذي كان يطلب طردَ الأجانب وخلع الخديوي، حتى إن محافظ الإسكندرية طلب إبعاده كما جاء في شهادة سعيد قنديل حكمدار البوليس. وألقى عبد الله نديم خطابًا في شادر في جهة الأنفوشي في ٩ يونيو حمل فيه أشر حملة على النصارى جميعًا، كما شهد إلياس ملحمة وأحمد سلامة ومحمد سامي وعمر باشا لطفي والشيخ إبراهيم سليمان الباشا.

فالأجانب كانوا يشعرون بزلزلة الأرض تحت أقدامهم، وكانوا يشعرون بهياج الشعب يشتدُّ يومًا فيومًا، وكان الكثيرون منهم يتلقَّون التحذير من أصدقائهم الوطنيين، فكانوا يستعدون ولكن استعدادهم زاد المسألة خطرًا ولم تفارقهم فكرةُ الدفاع عن أنفسهم؛ فاتفق الضباط الإنكليز واليونان على أن يحولوا ميدان محمد علي إلى حظيرة أو قلعة يجمعون فيها الأطفال والنساء والشيوخ يدافِع عنهم الرجال الأشداء بالسلاح، بل كان الأجانب يتزاحمون تزاحمًا شديدًا على مخازن الأسلحة ويُعدُّون معدات الدفاع عن أنفسهم.

وحمل قنصل أسوج ونروج مشروعَ الضباط إلى القناصل بالقاهرة ليقرُّوه، فاستنكروه جميعًا لأنه يكون داعية للاصطدام.

رفض القناصل هذا المشروع في ١١ يونيو، وفي اليوم ذاته كانت فتنة الإسكندرية، فكيف كانت هذه الفتنة؟

كان يوم ١١ يونيو يوم أحد وبطالة، فكانت القهوات غاصَّة بالناس فوصَلَ مالطي إلى خمارة لأحد مواطنيه بآخِر شارع البنات، وكان هذا المالطي سكران وهو يركب عربة، فطلب منه العربجي الأجرة فرمى له قرشًا ودخل الخمارة، فتبعه العربجي ليأخذ أجرته فتشاتما، فطعن المالطي الحوذي بسكين كانت معلَّقة لقطع الجبن والبطيخ، فسقط يتخبَّط بدمه، فأراد الوطنيون القبضَ على القاتل الذي لجأ إلى منزل واحد من مواطنيه، والناس يجدُّون في إثره، فقابَلَهم سكان المنزل بالرصاص؛ ولم يكن إلا القليل حتى عمَّ الاضطراب المدينة كلها، فكان الأجانب في الشوارع والطرقات والقوات يتحصَّنون في منازلهم ويطلقون النار على الأهالي، وكان الأهالي يفتكون بمَن يجدونه أمامهم من الأجانب. وأسرع المحافظ عمر لطفي إلى قرة قول اللبان ليهدِّئ الحالة، فلم يستمع إليه سوى بعض الموظفين؛ لأنه كان مشهورًا بميله إلى الخديوي، بل إن بعض رجال البوليس انضموا إلى الأهالي، فأرسَلَ المحافظ إلى سيد قنديل حكمدار البوليس في منزله، فأجابه الضباط الذين كانوا هناك أنه مريض وأن عنده شللًا في ذراعه، وأنه لا يستطيع النزول وتعريض نفسه للخطر. وأسرع قناصل الدول إلى شارع البنات، فقابَلَهم الجمهور بالنبابيت والعصي، وأُلقي المستر كوكسون من عربته وانهالوا عليه بالضرب، فمات على مقربة من مخفر البوليس، وقُتِل أحد تراجمة قنصل فرنسا ونجا سيده، وأصيب قناصل اليونان وإيطاليا ومساعدوهم ببعض الجراح، وأصيب ضباط الأسطول الإنكليزي الذين كانوا يطوفون المدينة بجراح، وقُتِل ضابط ونوتيان ولجأ الأميرالية إلى الترسانة فنجَوا.

ولم يكن سلاح الأهالي سوى النبابيت والأخشاب، وكان سلاح الأجانب البنادق والمسدسات.

وكان بعض الأوروبيين قد أقاموا المتاريس وتحصَّنوا بها، وحصَّن أحد الضباط الغاريبالديين ميدان رأس التين، فصدَّ مع رفاقه المهاجمين بالرصاص وألحقوا بهم أضرارًا جسيمة، ولكن هؤلاء انضموا لأنفسهم في ميدان محمد علي. وكانت جماعات كبيرة قد غنمت فرصة عطلة الأحد لزيارة الأسطول، فعند نزولهم جُرِّدوا من ملابسهم وضُرِبوا وجُرِحوا وقُتِل جماعة منهم وأُلقِيت جثثهم في البحر. والذي يُؤخَذ من شهادة موظفي الضابطة إبراهيم عطية ومصطفى الكردلي وإبراهيم السمسار وإلياس ملحمة وأحمد سلامة، ومن تقرير وكيل النيابة حسين واصف … إلخ، أن بعض السكان كانوا يلجئون إلى البوليس فيطردهم، وأن البعض كان يفتك بهم عساكر المستحفظين، وأن بعض الموظفين كانوا يبذلون الجهد لإنقاذهم، ولكن بلا نتيجة. وطلب المحافظ من قائد الآلاي الخامس رأس التين سليمان داود إرسالَ أورطة من الآلاي لإخماد الفتنة، فطلب الميرالاي أن يكون الطلب كتابةً ففعل، ولكن الأورطة لم تنزل إلى المدينة إلا عند الغروب، ولم تُرسَل الأخبار إلى القاهرة إلا بعد انقضاء الساعة الرابعة. ولما اطَّلَعَ عرابي على طلب المحافظ أمَرَ سليمان داود فأجابه. وقد اختلفوا في عدد القتلى؛ لأن جثثًا كثيرة أُلقِيت في البحر والنهر.

فلويس الصابونجي الذي أرسَلَه بلنت من لندن ليكون إلى جانب عرابي ويراسله، يقول في إحدى رسائله: إن عدد القتلى ١٤٠٠ أغلبهم من الأجانب، ونينه كاتم سر عرابي يقول إنهم ٢٣٨، منهم ٧٥ من الأهالي والباقون من الأوروبيين، ومراسل جريدة الطان يقول إنهم ٣٤٠. ولم تَقُم الحكومة بإحصاء رسمي، ولكن الثابت أن عدد القتلى من الأهالي كان كبيرًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.