إن الصحافة النحاسية تبيت النية على شيء خطير في أمر مستقبلنا الاقتصادي الذي استخلصناه من أيدي الاستعمار بعد محاولات كثيرة مضنية دامت قرابة جيل كامل، منذ ظهر البحث في توليد الكهرباء من خزان أسوان لأول مرة.

تبيت النية على شيء خطير بالغ الخطورة في مستقبل هذا المشروع، وتمضي جادة في التمهيد لخطتها المرسومة، كأنما قد بلغ من استخفافها بعقول هذه الأمة ألا تحسب لها أقل حساب، أو كأنما هي مسوقة على الرغم منها إلى تنفيذ إرادة «السادة» الذين يسخرونها ويقبضون على زمامها.

فلا تمضي فترة من الزمن دون أن تطلع على الناس بسبب جديد للتهوين من شأن مشروع الكهرباء، وتصويره في صورة العمل العقيم، أو العمل الذي تُربي تكاليفه على مزاياه!

وصحيفة المساء لا تقل جدًّا ومثابرة في التمهيد لهذا الغرض عن صحيفة الصباح — زميلتنا الكبيرة التي هي لجميع المصريين.

ففي العدد الأخير من البلاغ — عدد الأربعاء — تكتب الصحيفة النحاسية بالعنوان العريض: «إن بئر عسل الجديدة تنتج بترولًا يعادل ثلاثة أمثال ما تنتجه كهربة خزان أسوان.» ثم تمضي في بيان هذه البشرى فتقول: «وقد ذكر الخبراء أن إنتاج نبع عسل الجديد يعطي بترولًا يعادل ثلاثة أمثال ما سنحصل عليه من كهربة خزان أسوان … لأن توليد الكهرباء من الخزان سيقدم لنا ١٦٥٠ مليون كيلووات ساعة في السنة، وهو ما يعدل ستمائة ألف طن من منتجات البترول. وهذه الكمية تنتجها البئر الجديدة في أربعة شهور فقط.»

وصحيفة البلاغ تتلقى هذا البيان من «تقرير أعدته وزارة التجارة والصناعة عن إنتاج البترول واستهلاكه في مصر، وما ينتظر أن يصل إليه هذا الإنتاج …»

فهل بقي بعد هذا البيان لزوم لكهربة الخزان؟

الجواب متروك لذكاء القارئ، ومتروك كذلك لذاكرته التي لا نظنها تنسى أن هذا السبب الجديد واحد من أسباب كثيرة «جاري البحث عنها بهِمَّة» منذ بضعة أشهر!

فالمهم هو تهوين مشروع الكهربة بهذا السبب أو بغيره، وهذا هو السبب الجديد، وإن لم يكن بالسبب الأخير.

ضع الوقائع بعضها إلى جانب بعض، ثم انظر أيها القارئ إلى أين تنتهي بنا اليوم، وإلى أين يمكن أن تنتهي بنا بعد حين إذا جرت الأمور على هوى «الصحافة النحاسية» ومن يسخرونها.

فصحيفة المصري «النحاسية» أول صحيفة تذيع عند قيام الوزارة الحاضرة أن الوقت قد حان لإعادة النظر في تكاليف المشروع.

ووزير الأشغال «النحاسي» تبلغ به العجلة في استدعاء مهندس المشروع أن يطلبه بلسان البرق مرة بعد أخرى، ولا ينتظره حتى ينتهي عمله في المؤتمرات الدولية، ثم تئول هذه العجلة الملهوفة إلى ما نراه من التسويف والتأجيل والسكوت.

ووزير التجارة والصناعة «النحاسي» يكتب في بيانه عن البترول أن بئرًا واحدة تعطينا ثلاثة أضعاف ما نأخذه من كهربة الخزان.

وصحيفة البلاغ النحاسية تقتبس من البيان الرسمي هذه الكلمة دون غيرها، وتجعلها عنوانًا عريضًا للبشرى المنتظرة … ولا تُعقِّب عليها بما يفيد لزوم العمل مع هذا في مشروع الكهرباء.

وعبود باشا «صديق النحاسيين» ينشئ في السويس مصنعًا لاستخراج السماد كأنه لا يخشى على المشروع من مزاحمته، أو لا يخشى على مصنعه من مزاحمة المشروع.

ضع أيها القارئ هذه الوقائع بعضها إلى جانب بعض، ثم تذكر وتدبَّر وانتظر ما يصير إليه مستقبلنا الاقتصادي بعد هذا التمهيد المستمر، وهذا الإصرار المطبق من هنا وهناك.

وفي النحاسيين اقتصاديون يعرفون كسب المال على الأقل، ولا يفوتهم العلم بما في هذه البيانات من مواطن التعليق والانتقاد.

فلماذا لا يقولون مثلًا: إن عشرات الآبار التي تخرج البترول لا تغني عن كهربة الخزان؟

لماذا لا يقولون: إن البترول قد يباع في الخارج فنحصل على ثمنه، أو قد يباع في الداخل فيغنينا عن بذل الثمن في البترول المستورد، ولكننا لا نستفيد شيئًا من قوة الماء في الخزان بغير مشروع الكهرباء؟

لماذا لا يقولون هذا، ولا يكتبون له العناوين العريضة ولا يبادرون إلى بيانه كما يبادرون إلى مثل ذلك البيان؟

أيجهلونه؟ أيعرفونه ولا يريدونه؟ ألا يبحثون عن الأسباب إلا حين تنطوي على التهوين، ولا تنطوي على التعجيل والاهتمام؟

***

ذلك موقف الصحافة النحاسية من مستقبلنا الاقتصادي في هذه المرحلة الحرجة، ومن قبل عرف القراء موقفها من المستقبل السياسي. وهو في هذا الزمن لا ينفصل عن مطالب الاقتصاد، ولا سيما الاقتصاد الذي يقدم على تصنيع البلاد.

وقد ريعت «المصري» حين شاع بين المصريين أنها اختارت للإشراف على سياستها الخارجية موظفًا إنجليزيًّا من الذين قضوا في خدمة الدعوة الاستعمارية زهاء سبع سنين.

ريعت المصري حين شاع هذا النبأ بين المصريين فقالت: «إنها تبغي من ضمه إلى أسرتها التوصل إلى أنباء الدوائر الأجنبية؛ ليكون القارئ مطلعًا على كافة الأنباء.»

أفهذا هو بيت القصيد؟

كلا، ليس هذا هو بيت القصيد، ولكن بيت القصيد هو اختيار هذا الموظف الاستعماري بعد اطراد أخبار المصري عدة أشهر عن دوام الاحتلال، واستحالة الجلاء، وتغير الحالة في القضية الوطنية عما كانت عليه قبل سنتين؛ أي حين كانت المصري تدق الطبول، وتنفخ الزمور، وتنادي بالويل والثبور إذا مضى أسبوع بين وصول المذكرة البريطانية والرد عليها؛ لأن مسألة الجلاء مسألة حياة أو موت، ومسائل الحياة والموت لا تحتمل الانتظار أسبوعًا أو بعض أسبوع.

أما اليوم، فقد تغيرت الحال عما كانت عليه؛ لأن المصري ساكتة عن الاحتلال، قادرة على اللعب بعقول المصريين ذات اليمين وذات الشمال.

فليس استخدام «مستر مين» في الصحيفة المصرية هو المهم؛ لأن الصحيفة المصرية ليس فيها من هو أنفع لمصر من مستر مين.

إنما المهم هو هذا.

إنما بيت القصيد هو هذا: هو الخطة التي رُسمت لمستقبلنا السياسي ومستقبلنا الاقتصادي في الصحافة النحاسية.

وهي خطة لها ما وراءها، ونرجو ألا يكون وراءها إلا ما يُخيِّب آمال العابثين، ويُخلف ظنون الخادعين المخدوعين، ويصون لهذا البلد المسكين جهود السنين بعد السنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.