… بينما كنت أتصفح كتاب «فيض الخاطر» لأستاذنا الجليل المرحوم الدكتور أحمد أمين أثار اهتمامي قوله في الجزء الأول ما خلاصته، أنه يمكننا أن نجني أطيب الثمار لو استطعنا إخراج الثقافة العربية الإسلامية في ثوب جديد على نمط ما يكتب الغربيون، ولكن بروح إسلامي؛ فنحيي آثار الأولين بأسلوب الآخرين، وبذلك يكون في استطاعتنا إيجاد الحلقة المفقودة، وهي تذوق الثقافتين والاغتراف من المنهلين، وإخراج علم وفلسفة غذيت بما للعرب والإسلام من ثقافة. ولكني أردت ألا أتعجل الحكم بصحة هذا الرأي حتى أعرف رأيكم الخاص، فقد يكون هناك شيء بين سطور هذا الرأي يخفى علينا، أو قد يكون لك وجهة نظر فيما يتعلق بهذا الموضوع الذي نحن بصدده … فنرجو من سيادتكم تبسيط ما يتعلق بذلك في يومياتكم بالأخبار، ولكم منا جزيل الشكر … إلخ.

أحمد عبد القادر سعيد، طالب بتجارة قصر العيني

إن تعميم الثقافة هو مذهب أصحاب الرأي الراجح من المفكرين في السنوات الأخيرة، ولا نقول في العصر الحديث كله؛ لأن أبناء هذا العصر في مطلعه قضوا زمنًا غير قصير وهم يذهبون مذهب «التخصص» في التعليم والتربية، ويستحسنون أن يتفرغ العالم أو الأديب لفن من فنون المعرفة يستوفيه غاية الاستيفاء ولا يلتفت لغيره؛ لأنه بهذا التفرغ يتقن معرفة واحدة وينتفع بها كما ينفع غيره جهد المستطاع من المنفعة، ولكنه يعجز عن إتقان المعارف جميعًا إذا تفرقت عنايته بينها ووزع أوقاته في تحصيلها وتطبيقها.

كلام معقول في ظاهره، ولكنه على رأي المفكرين في السنوات الأخيرة، بعد التجارب الكثيرة غير معقول ولا مطابق للفهم الصحيح ولا للنتيجة العملية.

أولًا: لأن إتقان شيء من الأشياء لا يمنع الإلمام بغيره، ولا يصح أن يقتل طبيعة التشوق إلى المعرفة عامة، وهي طبيعة العقل الإنساني في أحسن حالاته.وثانيًا: لأن إتقان علم من العلوم لا يتأتى مع الاقتصار عليه والانحصار فيه، كما أن البيت الواحد لا يعرف بالانحصار بين جدرانه وإغلاق الأبواب عليها، ولا بد من معرفة البيوت الكثيرة للتحقق من صفات أحسن البيوت وتدبير أفضل الشروط للسكن المريح.وثالثًا: لأن المطلوب بالتعليم والتربية، هو إعداد إنسان كامل للفهم والتجاوب مع الحياة الإنسانية، وإنما الإنسان المتخصص في الواقع نصف أو ربع إنسان أو جزء من إنسان كبر أو صغر، ومثله كما قال نيتشه في الموسيقي الذي لا يشتغل بفن غير فنه كمثل الأذن الكبيرة يسعى بها رجل صغير يستتر تحتها ولا يحمل حاسة من حواس البصر أو الذوق أو اللمس أو الشم سواها.ورابعًا: لأننا اليوم في عصر العلاقات العالمية، بل العلاقات الكونية التي تشغل الإنسان المعاصر كل يوم بأخبار الكواكب في السموات وأخبار الأمم بين أرجاء الكرة الأرضية، فلا يُحسن الحياة في هذا الزمن من ينزوي إلى المعمل أو المرسم أو المكتب، ولا يدري بدنياه وراء تلك الزاوية التي يعكف عليها ولا يخرج منها.وخامسًا: لأن التربية ليست عملية عقل يتقن علمًا واحدًا أو صناعة واحدة كيفما كانت وسائل إتقانها، ولكنها عملية مقصود لتنمية العقل والروح والضمير والخيال والذوق والجسم، وكل ملكة إنسانية نافعة من الوجهة الاقتصادية، أو غير نافعة على الإطلاق إلا لتحقيق الحياة لذاتها. فإننا لا نعنى بأبصارنا لمجرد الفائدة الاقتصادية التي نجنيها منها؛ ولكننا نعنى بها لنبصر ونرى، لا تهمنا الفائدة الاقتصادية نفسها إن لم تكن محققة لوظيفة من وظائف الحياة.

هذه هي خلاصة الآراء الأخيرة في مذهب التربية المثلى، وقد أثير البحث فيه منذ سنتين بين المفكرين الغربيين على نطاق واسع للمقابلة بين الثقافة العلمية الصناعية والثقافة الأدبية الفنية. وأرد الباحثون — كما قالوا — أن يقيموا بين الثقافتين قنطرة مفتوحة للعبور الدائم والانتقال من إحدى الضفتين إلى الأخرى، ولم يريدوا بهذا البحث أن يخلطوا بين الثقافتين خلطًا يحول دون التخصص لإحداهما، وإن كان التخصص المغلق مما يؤدي إلى مرض عقلي كمرض الفصام أو انقسام الشخصية، وإن لم يكن محسوبًا من الأمراض في عرف الأطباء.

وما يقال عن الثقافتين العلمية والأدبية يجوز أن يقال عن الثقافتين الشرقية والغربية أو الثقافتين السلفية والعصرية. فإن القنطرة التي تفتح للعبور من إحداهما إلى الأخرى وتنقذ العقل والروح من آفة الانقطاع بينهما ضرورية في هذا الزمن الذي يرفض الانحصار وينزع دائمًا إلى التوسع والانطلاق.

وقد كان الأستاذ أحمد أمين نفسه — رحمة الله عليه — مثلًا للتوسط بين الثقافتين على نوع من التوسط المأثور؛ لأن مدرسة القضاء الشرعي التي تخرج منها كانت بمثابة القنطرة بين ثقافة السلف وثقافة العصر الحاضر. وكذلك كان زملاؤه الذين عرفناهم من علماء مدرسة القضاء الشرعي، فإنهم يحسبون اليوم من خيرة المثقفين على المذهب الأمثل بعد الحرب العالمية الأولى، وكلهم حجة ناهضة على وجوب التوسع في بناء تلك القنطرة أو القناطر الكثيرة حسب «المساحة» الفكرية التي تشغلها الأفكار والأذواق.

وكل ما كنت ألاحظه على زميلنا الأستاذ أحمد أمين — رحمة الله عليه — أنه كان كثير الوثب إلى الضفة الأخرى، كالريفي الذي «يتمدن» فيسبق أهل المدنية في عاداتها وتقاليدها، ويدل بذلك على «الريفية» أكثر من دلالة الريفي الذي لم يفارق قريته إلى خارجها.

وكنت أجاوره أحيانًا بمجمع اللغة، ولا تنقطع المناقشة الخاصة بيني وبينه فيما أحسبه من التطرف حول مسألة الإعراب ومسألة المرأة ومسألة الحرية الفردية والحرية الاجتماعية.

ولحقته ذات مرة بالملاحظة على كلامه عن المرأة في ترجمته لحياته، فقال رحمه الله ضاحكًا: هذه قفشة في الصميم. وقال مرة أخرى بأسلوبه الفكاهي: يا عيني علينا … نحن معشر المتفرنجين.

وكل هذا الخلاف حول حدود القنطرة لا يمنعنا أن نتفق على وجوب إقامتها وفتحها للعبور على سنة حركات المرور، كما يأتي في اليومية التالية.

***

… الفرقليط اسم اعترضني في أكثر من مناسبة، وقرأته في بعض الكتب ولكنها لم تأتِ بالتفسير الواضح له، وسألت عن معناه، فقال البعض: إن المقصود به هو الرسول محمد ﷺ. وقال البعض الآخر: إنه هو القدوس، ولذا أرسل إلى سيادتكم مستفسرًا وأكون شاكرًا إذا تفضلتم بنشر هذه الحقيقة في يومياتكم بالأخبار.

محمد ثروت عبد الحافظ، مصنع السكر، كوم أمبو

هذه الكلمة وردت في الترجمة اليونانية لإنجيل يوحنا، وكانت تكتب في الإنجيل فرقليطس Paracletos مع نطق الباء الثقيلة «فاء»، كما هي العادة في نطق الحروف اليونانية. ولكن الفرقليطس قد تكتب أيضًا بهجاء آخر وهو: Periclytos بمعنى يكاد أن يكون ترجمة لكلمة «محمود» أو «أحمد» العربية، ويرى بعض المفسرين لهذا أن الذي ورد في إنجيل يوحنا هو المقصود بقوله تعالى في القرآن الكريم: ().

ويقول ابن هشام: إن الكلمة التي نطق بها السيد المسيح، هي الكلمة السريانية «منحمنا»، وهي قريبة من مادة الحمد ومن مادة المناح أو العزاء، ومن كلمة المناحة في اللغة العربية لاجتماع التعزية كما يرى بعض الشراح.

أما الكلمة اليونانية بكسر الفاء، فقد ترجمت بمعنى المعزى تارة وبمعنى المدافع تارة أخرى، ورفعت الكلمة اليونانية من الترجمات الحديثة إلى اللغة الإنجليزية ووضعت كلمة المعزى Gomforter في مكانها.

ويقول العلامة يوسف علي، القاضي الهندي الذي ترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية: إن الكلمة تشير إلى النبي محمد، ولو ترجمناها بمعنى المعزى؛ لأنه عليه السلام قد أرسل رحمة وبشيرًا للعالمين، كما جاء في غير موضع من القرآن الكريم، وله على ورود النبوءات ببعثة النبي شواهد كثيرة من كتب العهد القديم والعهد الجديد لا يتسع المقام لتفصيلها، وتراجع في هامش تفسيره كما تراجع في الهوامش والتفسيرات التي نشرها بعض المترجمين من علماء الهند المسلمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.