وفي هذه المرة يتكلم همنجواي عن الأديب الذي يشتغل بالصحافة ويرويه السيد «سعيد القصبي» بأسيوط فيسأل مستفسرًا:

… عاش همنجواي حياتين منفصلتين كما قرأنا: حياة للأدب بكل ما فيها من خَلْق ومكابدة لمشكلات الأديب الفنان، وحياة للصحافة يعارك فيها الإنسانية من أجل الحياة والارتزاق. وفي رأيه أن الصحافة تلتهم الأدب وأن المبرر الأوحد للكتابة الصحفية أن يحصل الأديب على مكافأة تجزيه … وفي نفس الموضوع كتب سومرست موم فقال: إن الأدب يجتاز محنة … فالإنتاج الأدبي الذي يحقق الخلود أخذ يتناقص بصورة واضحة، وفي رأيي أن الصحافة هي المسئولة عن هذه الأزمة، فقد انتقلت عدواها للأدباء … والآن أتوجه إليك راجيًا الاستنارة برأيك فيما إذا كانت الصحافة تخدم الأدب أو تضره؟ وهل الصحافة هي المسئولة عن هذه الأزمة؟

وأقول للسيد القصبي: إن الأدب الارتزاقي قد وُجد في عصر ولم يكن سببًا للإسفاف ولا للتحول من أدب الخلود إلى أدب الزوال، وهل يظن أحد أن هوميروس نظم إلياذته الخالدة وهو يختار بين صنفين من الشعر أحدهما للفن والآخر للارتزاق؟

إن الشاعر أو الكاتب، الذي يهبط باختياره عن طبقة الفن الجميل خرافة من خرافات الأوهام؛ لأن الإنسان لا يشوه بيديه ما يستطيع أن يخرجه عن تينك اليدين جميلًا موفور الحق في الإتقان، ولكنه يبيع بضاعة ليس في استطاعته أن يزيد في قيمتها الفنية لو أراد.

والذي أعلمه من تجربتنا في أدبنا الحديث أن الصحافة أفادت أشهر الأدباء بالتقريب بينهم وبين قراء الكتابة الأدبية وقراء الكتابة السياسية وفي طليعتهم المازني وهيكل والبشري والمنفلوطي وطه حسين ودياب، وأن اشتغال الأديب بالسياسة لا يفقده قراء الأدب بل ويضم إليهم من كان قبل ذلك لا يقرأ غير الصحافة السياسية.

وربما شغلت كثرة الصحف جمهورًا من القراء لا تتسع أوقاتهم ولا رغباتهم للجمع بين مطالعات الأدب ومطالعات السياسة، ولكن الأمر قبل ذلك يتوقف على رغبة القارئ وقوة استعداده، فلا يعقل أن وجود الصحف هو الذي يشغله عن مطالعة الكتب وهي موجودة كذلك أمام عينيه، إلا إذا كانت رغبته أضعف من أن تسلكه بين القراء الذين تعيش بهم الآداب والفنون.

وإذا رجعنا إلى الإحصاء فقد تعلم أن عدد المطبوع من كتب الأقدمين الخالدة يزيد في عصر الصحافة على عدد المقروء منها في زمانها، فلا نحسب أن العوامل الجوهرية لنشأة الأدب النفيس تخضع كثيرًا لأمثال هذه الاعتبارات العارضة، وإن كان لها أثرها الذي لا بد منه إلى حد محدود.

ولو أنني سئلت: ما هي شكواك من الصحافة فيما عانيته من جهودك الأدبية؟ لقلت غير مصرٍّ على ما أقول: إنني كنت أود لو كانت أوقاتي في التأليف أوفر من أوقاتي في مكاتب التحرير! ولكنني أعود فأقول: إنني غير مصرٍّ على ذلك الأسف؛ لأن الخسارة هنا تعوضها وتزيد على تعويضها فائدة التحرير في المرانة على سرعة الكتابة، وفائدته التي أشرت إليها آنفًا في توسيع الصلة بيني وبين أكبر عدد من قراء الصحف وقراء المؤلفات.

***

… أنا مع سيادتكم من حيث جواز انقراض الأضداد في اللغة اليوم … أما المترادفات فإنني لا أفهم أنها كلمات متعددة بمعنًى واحد كما يفسرها بعضهم، ولكنني أفهمها على أنها كلمات تصدر درجات متعاقبة من المعنى الواحد … ولن تنقرض لأجل هذا بالتخصيص والتمييز.

إبراهيم أمين فودة، الزمالك

وإنني أقر الأستاذ «فودة» على قوله: إن المترادفات لم تنشأ من مادة واحدة ولم تنشأ كذلك للدلالة على معنًى واحد.

فالعظيم في أصل وضعها إنما كانت تدل على الجسم كبير العظام، وصح من أجل هذا أن يقول الشاعر:

لقد عظم البعير بغير لب

فلم يستغنِ بالعظم البعير

ولكن من الذي يصف الجمل اليوم بأنه عظيم كما يصف البطل الكبير؟

إن هذا بعض ما أردناه بعمل التخصيص والتمييز في استخدام الكلمات لغير ما وضعت له في أصولها، وقد تخصصت العظمة لمعانيها الآن بعد استخدامها في الأوصاف النفسية والخلقية، فمن أراد غير ذلك قيدها بعظمة الحجم أو عظمة الجسم، فقال عما يصفه في ذلك: إنه حجم عظيم أو جسم عظيم، ويندر أن يكتفي بوصف العظيم إلا كان المقصود أنها عظمة الأخلاق والأعمال.

وقد كان «الجميل» بمعنى «الشحيم» قبل أن تشيع على الألسنة بمعناها الحديث، ولكنها تتخصص الآن لمعنًى يخالف السمنة، وقد يناقضها مناقضة النحيل للبدين، وعلى هذا يطرد عمل التخصص والتمييز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.