الحلم سيد الأخلاق. كذلك يقول الأثر القديم، ويجب أن يكون الحلماء سادة الناس لأنهم يتحلون بهذا الخلق الممتاز، وأكبر الظن أن ظروف الحياة المصرية قد فطنت لهذا كله — شاعرة بذلك أو غير شاعرة — حين خلقت ما خلقت من المشكلات بين المؤتلفين في الوزارة السابقة، وحين أثارت ما أثارت من المصاعب داخل مصر وخارجها، حتى اضطر النقراشي باشا إلى أن يستقيل، وحتى أُتيح لصدقي باشا أن ينهض بأعباء الحكم في هذه الأيام الشداد.

فصدقي باشا رجل حليم لا تستخفه المصاعب، ولا تزدهيه العقبات. تستطيع الدنيا أن تقوم من حوله وتقعد، وتستطيع الجبال أن تزول من حوله وتضطرب، وتستطيع الأرض أن تزلزل تحت قدميه، وتستطيع السماء أن تساقط من حوله كسفًا، دون أن يؤثر ذلك كله أو بعضه في أناته ورزانته، وفي عزمه الهادئ، وعزمه المطمئن، وثباته الرائع أمام الخطوب.

وما دام صدقي باشا قد تحلى بالحلم الذي هو سيد الأخلاق، فيجب أن يتحلى به عصر وزارته التي هي سيدة الوزارات. والأشياء تعرف بنقائضها، والأضداد تتميز بأضدادها. ويكفي أن تنظر لما يملأ حياتنا المصرية الآن من الأحداث لتعرف أن الحلم سيد الأخلاق، وأن وزارتنا الحليمة سيدة الوزارات. وما ينبغي أن تبعد، ولا أن تلتمس القمر، أو ترقى إلى النجوم، فالأمر أيسر من ذلك وأدنى إلى أن تعلم به وتحكم عليه.

لقد قرأت الخطبة الرائعة التي ألقاها حاكم السودان العام منذ أيام، ولقد رأيت كيف ثار لها المصريون والسودانيون جميعًا، وكيف ضاقوا بها واحتجوا عليها، وطالبوا بإنكارها وإنكار قائلها، وكيف زعموا أنها قد كدَّرت جو المفاوضات، وعرضت ما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز للخطر كل الخطر، والشر كل الشر، بل لقد رأيت من المصريين من طالب بأن يستقيل حاكم السودان العام، أو بأن يُقال؛ لأن بقاءه في منصبه بعد هذا الكلام الذي قاله في هذا الوقت الذي قاله فيه لا يلائم الكرامة المصرية، ولا يلائم الحقوق المصرية، ولا يلائم لما ينبغي في جو المفاوضات من الصفاء.

لأن بقاءه في منصبه بعد الكلام الذي قاله، وفي الوقت الذي قاله فيه، إن دل على شيء، فإنما يدل على أن له ركنًا شديدًا يأوي إليه، وعلى أن هذا الركن أشد من الركن المصري قوةً، وأعظم منه بأسًا، وعلى أنه حريص على أن يظهر قوته ويعلن بأسه إلى الناس جميعًا في نفس الوقت الذي يريد أن يفاوض فيه مصر مفاوضة حرة تجري بين ندين، وتقوم على أساس المساواة.

أرأيت هذا كله، وعلمت هذا كله، ولاحظت بالطبع أن الصحف المصرية كلها قد أجمعت على إنكار هذه الخطبة، حتى إن مكرم باشا نفسه، وهو عضو في هيئة المفاوضات المصرية، قد أنكرها في حكمة من حكمه الرائعة البارعة التي لا يفهمها إلَّا الراسخون في العلم، والبارعون في اللف والدوران. قرأت هذا كله، وعلمت هذا كله، وانتظرت بالطبع أن يقول الإنجليز شيئًا، ثم رأيت أنهم لم يقولوا شيئًا، فتبيَّنت أنهم يؤيدون الحاكم العام في رأيه، بل لعلهم أوحوا إليه بهذا الرأي.

ألم يصرح به المستر بيفن في مجلس العموم؟ ألم تتم مقابلة بين السفير والحاكم العام ألقى بعدها هذا الخطاب؟ وانتظرت أن تقول الحكومة المصرية شيئًا، ولكن الحكومة المصرية لم تقل شيئًا يمكن أن يُضاف إليها أو يُحمل عليها. وأنت توافقني بالطبع على أن الحكومة المصرية تنكر خطبة الحاكم العام كل الإنكار، وترفض رأيه كل الرفض. فأعضاؤها مصريون يرون ما يرى المصريون، ويطلبون ما يطلب المصريون، ولكنهم حلماء لا تثيرهم المشكلات، ولا تستخفهم المصاعب، ولا تخرجهم الخطوب عما ينبغي لهم من الوقار؛ فهم ينكرون صامتين كما ننكر نحن متكلمين، هم ينكرون بينهم وبين أنفسهم، وينكرون بينهم وبين الله كما ننكر نحن بيننا وبين الناس، وكما ننكر نحن بيننا وبين الإنجليز.

وبين الحلم والإيمان فيما يظهر علاقات فلسفية تحتاج إلى التفسير والتأويل؛ فالطائشون الذين لا يعرفون أناة ولا مهلًا، ولا يستقرون أمام الأحداث المزعجة يندفعون إذا سمعوا أو قرءوا خطبة كخطبة الحاكم العام؛ ليغيِّروا بأيديهم ما في هذه الخطبة، وليضطروا الإنجليز إلى أن يستدعوا الحاكم العام ويصفُّوا جو المفاوضات من هذا الكدر الذي أشاعه فيه. وليس المصريون والسودانيون من هذا الطيش في شيء، ولكن لهم حظًّا آخر من الطيش يدفعهم إلى أن ينكروا بألسنتهم وأقلامهم، فيُغيِّروا بالقول ما لا يستطيعون أن يُغيِّروا بالعمل، ويصلحوا بألسنتهم ما لا يستطيعون إصلاحه بأيديهم.

فهم في الدرجة الثانية من الإيمان، وهم من أجل ذلك لا يعرفون حلمًا ولا أناة ولا وقارًا. أمَّا حكومتنا فلها حصافة تصونها من الطيش، وأناة تحميها من العجلة، وسياسة تحملها على الاحتياط، وهي من أجل ذلك لا تقيل الحاكم العام، ولا تطالبه بالاستقالة، ولا تصرح تصريحًا رسميًّا بما جاء في خطبته من الرأي، وإنما تنكر بقلبها، وتتمنى فيما بينها وبين نفسها ألَّا يتحقق ما قال الحاكم العام، وترجو فيما بينها وبين الله أن يُردَّ هذا الشر عن المصريين والسودانيين.

هذا هو الحلم ليس بعده حلم، والذي هو سيد الأخلاق، والذي يمتاز به الرجال أحيانًا فيصبحون سادة الناس. ومن الحق أن بعض المصادر المسئولة زعمت للصحف أن رئيس وزرائنا قد تحدث إلى رئيس الوفد البريطاني في خطبة الحاكم العام، وبيَّن له أن هذه الخطبة لا تقيِّد المفاوضين المصريين. وهذه خطوة جريئة حقًّا لا يستطيع أحد غير صدقي باشا أن يخطوها، وهل يقدِّر المصريون أن هذا الكلام يقوله رئيس الهيئة المصرية لرئيس الوفد البريطاني، ثم تجري الأمور بعد ذلك رخاءً لا مشقة فيها ولا عناء؟

لم يغضب رئيس الوفد البريطاني، ولم يقطع المفاوضات قبل بدئها. وأكبر الظن أنه قَبِل وجهة النظر المصرية، ووافق صدقي باشا على أن خطبة الحاكم العام لا تقيِّد المفاوضين المصريين. فأي فوز، وأي انتصار، وأي ظفر بالحق، وأي سحق للباطل؟ كل شيء ممكن حتى أن يتكلم موظف من الموظفين فيخشى رئيس الوزراء أن يكون كلام هذا الموظف مقيِّدًا له وللحكومة التي يرأسها، ويضطر إلى أن يُبيِّن للطرف الإنجليزي أن كلام هذا الموظف لا يقيِّده، ولا يقيِّد وزارته، ولا يُقيِّد هيئة المفاوضات.

وليس يعدل حلم صدقي باشا الممتاز إلَّا حلم أستاذنا وزير الخارجية، فهو أيضًا قد تحدَّث في هذا الموضوع، ولكن حديث الأناة والحلم لا حديث التعجل والطيش، فوزير خارجيتنا يرى — فيما تقول بعض الصحف — أن حديث الحاكم العام تصريح من جانب واحد، ومعنى ذلك أنه لا يقيد الطرف المصري كما قال صدقي باشا.

أمَّا أنه يقيد الطرف البريطاني فأمرٌ لا يعنينا؛ فالبريطانيون يستطيعون أن يقيِّدوا أنفسهم بما يشاءون، وليس المهم أن يكون الطرف البريطاني مقيَّدًا أو مطلقًا، وإنما المهم أن يكون الطرف المصري حرًّا مطلقًا من كل قيد، ونحن قد أعلنا أننا سنفاوض أحرارًا من كل قيد، فحققنا بذلك الآمال، وبلغنا بذلك الأهداف، وأكرهنا بذلك الإنجليز على ما نريد.

وبعدُ، فقد ينبغي أن يعرف المصريون أمقبلون هم على جد أم على هزل، فإن كانوا مقبلين على الجد في أمر السودان، فإن تصريح الحاكم العام يفسد جو المفاوضات كل الإفساد، ولا بدَّ من تصفية هذا الجو. وتصفية هذا الجو لا تكون بتصريح من صدقي باشا أو من وزير الخارجية، وإنما تكون بتصريح واضح من الإنجليز أنفسهم.

يجب أن يقول الإنجليز — ولن يقولوا فيما يظهر — أن كلام الحاكم العام لا يعبر عن رأيهم، ولا يقيِّدهم فيما يقدمون عليه من المفاوضات. وهم إن قالوا ذلك قد يحرجون الحاكم العام، ولكن مصر يهمها أن تعرف أي الأمرين أبغض إلى الإنجليز: أن يحرجوا الحاكم العام، أو أن يحرجوا المفاوضين المصريين، ويعرضوا المفاوضات لخطر لا شك فيه. وإن كان المصريون مقبلين على هزل، فليقولوا ما يشاءون، وليكفُّوا عن القول إن شاءوا، ولكن ليريحوا أنفسهم من هذا الهم الثقيل، وليقبلوا على أعمالهم الخاصة، وليتركوا السودان تصنع به السياسة البريطانية ما تشاء.

على أن هناك أمرًا شديدَ الخطر ينبغي أن يتبين المصريون وجه الحق فيه، فهناك إشاعات تثار هنا وهناك بأن من الممكن أن تُرجَأ قضية السودان وقتًا يقصر أو يطول ليُقضى في أمر الجلاء عن مصر قبل كل شيء.

فليحذر المصريون هذا الخطر، فإرجاء قضية السودان الآن مفسد للأمر بينهم وبين السودانيين أنفسهم. ورب إرجاء ليس أقل خطرًا من التسليم، والجلاء عن مصر لا يغني شيئًا إذا لم يتم معه الجلاء عن السودان؛ فاحتلال السودان خنق لمصر وخنق للسودان أيضًا. وهل يعلم المصريون أن الجلاء عن مصر وعن السودان نفسه لن يحقق الاستقلال المصري كاملًا موفورًا، ما دام هناك احتلال في شرق الأردن، واحتلال في فلسطين، وتسلط على برقة؟ ولكن هذه قصة أخرى كما يقول الشاعر الإنجليزي، فلنكتفِ اليوم بقصتنا نحن اليسيرة البسيطة، ولنتبين في وضوح وجلاء حقيقة ما نريد.

أمَّا الشعب المصري، فقد أجمع إجماعًا واضحًا جليًّا على أنه يريد الجلاء كاملًا، ويريد وحدة الوادي كاملة. وقد أعلنت حكومة صدقي باشا أنها مشاركة في هذا الإجماع مؤمنة بوجوب الجلاء الكامل، والوحدة الكاملة، وبوجوب المفاوضات لتحقيق هذين المطلبين. فهل لا تزال حكومة صدقي باشا مقيمة على هذا العهد، أم هل غيرت فيه شيئًا قليلًا أو كثيرًا؟ هذه هي المسألة التي يجب أن يطمئن إليها المصريون، ولا يمسها الشك من قريب أو بعيد.

والحلم سيد الأخلاق من غير شك، ولكن هناك مواطن لا يحسن فيها الحلم؛ لأنه يضر أكثر مما ينفع، ويسيء أكثر مما يحسن. وهو في هذه المواطن لا يسمى حلمًا، ولكن له اسمًا آخر يعرفه رئيس وزرائنا، ووزير خارجيتنا، وينكرانه أشد الإنكار.

فليعتمد صدقي باشا على الله، وليطالب الإنجليز بأن ينكروا في غير لبس ولا غموض هذا الرأي المنكر الذي أعلنه حاكم السودان العام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.