سقط حجرٌ ضخمٌ في مستنقعٍ من الماءِ الراكدِ، فاضطرب الماء قليلًا وتناثرت منه قطرات هنا وهناك، ثم لم تمض إلا لحظة حتى استقر الحجر في قاع المستنقع واستوى الماء كأن لم يسقط فيه شيء، وكأن لم يضطرب، ومضى كل شيء حول المستنقع كما كانت تمضي الأمور من قبل، كأن لم يحدث حدث، ولم يعرض خطب.

وكان قريبًا من المستنقع قوم كثيرون يرمقونه دون أن يدنوا منه أو يصلوا إليه؛ يخافون أن تؤذيهم ريحه، أو تصيبهم جراثيمه المهلكة، فلما سقط فيه الحجر الضخم فاستقر في القاع، وعاد الماء إلى الاستواء، وتناثرت تلك القطرات من كل نحوٍ؛ تحدث بعض القوم إلى بعض أن هذا المستنقع خليق أن يستخفى، فهو إن بقي مصدر للريح المنكرة، ومباءة للجراثيم المهلكة، لا تكاد تسقط فيه الأشياء حتى يضطرب، فيزداد ريحه المنكر انتشارًا، وماؤه المهلك انتثارًا، فلا بد من التعاون والتظاهر على إخفائه ومحوه من الأرض محوًا؛ ليصفو الجو، ويطهر الهواء، وتصلح الحياة.

ذلك مثل الأحداث التي حدثت في حزب الشعب منذ أسابيع بمسمعٍ من المصريين، ومرأًى منهم ومن الأجانب. وذلك مثل الأحداث التي حدثت منذ يومين حين هوى الزعيم القديم للشعبيين في مستنقع الشعبيين، فاضطرب المستنقع قليلًا، وانتشرت منه ريحٌ منكرةٌ فيها خزيٌ وعارٌ، وفيها فضائح وسيئات، وانتثرت منه قطرات من هذا الماء القذر مسَّت قومًا كان الخير أن لا تمسهم، ثم استقر فيه كل شيء، واعتدل سطحه واستوى كأن لم يحدث حوله شيء، وكأن لم يسقط فيه شيء، والمصريون قائمون يرمقون هذا المستنقع ويريدون أن يزول، وأن يزول معه ما يحتوي من الشر، وما يبعث من الفساد.

نعم، هذا مثل الأحداث التي حدثت في حزب الشعب، منذ أسابيع، وقد كان هذا المستنقع في حماية حية رقطاء، لها رءوسٌ سبعةٌ، وفي كل رأس أفواه لا فم، وكانت هذه الأفواه مختلفة بعضها يلفظ النار واللهب، وبعضها يلفظ الفضة والذهب، وبعضها يلفظ كلامًا حلوًا، ووعودًا خلابة، وبعضها يلفظ وعيدًا مُرًّا، ونذيرًا مخيفًا، وكانت هذه الحية، تمنع الناس أن يصلوا إلى المستنقع ليطمروه أو يغضبوه، أو يمحوه من الأرض محوًا، ولكن هذه الحية أدركها ما يدرك الحيات وإن طال عليها العمر، وامتدت بها الأيام.

أدركها الموت، فما زالت تنازعه وتصارعه حتى صرعها، فهوت في الماء كما يهوي الحجر الضخم الثقيل، وأصبح المستنقع لها قبرًا، وخلت حافات المستنقع وشواطئه، وأصبح الدنو منه يسيرًا، والإقدام عليه سهلًا، والفراغ منه قريب.

قال الشعبيون ما يريدون أن يقولوا، وليقل الشعبيون ما يستطيعون أن يقولوا، فلن يصدقهم أحد إن زعموا أنهم قادرون على البقاء، ناهضون بأثقال الحياة، بعد أن فارقتهم تلك الحية التي جمعتهم جمعًا، وحمتهم من كل عادية، وذادت عنهم الخطوب، ويسرت لهم الأمور، وجعلتهم شيئًا بعد أن لم يكونوا شيئًا.

لولا صدقي باشا ما كان الشعبيون، ولا كان حزب الشعب، وإن ذهب صدقي باشا؛ فسيذهب الشعبيون، وسينحل حزب الشعب. ولن يفلح رئيسه الجديد مهما يبذل من الجهد وينفق من القوة في حمايته وصيانته، فضلًا عن تقويته وتنميته، فالرئيس الجديد رجلٌ طيب، وحزب الشعب لا ينهض به الرجال الطيبون. حزب الشعب منحل من غير شك، مفلس من غير شك؛ لأنه فقد قوامه وعماده، فقد مُنشئه ومُكوِّنه، ومَن كان يُمكِّنه من الحياة ويَحتَمل عنه أثقالها.

فقد هذا الرجل الذي كان يشط، ويطمئن إلى الشطط، ويذود عنه كما يطمئن العادل إلى العدل، وكما يذود العادل عن العدل، فقد هذا الرجل الذي واتته الظروف وابتسمت له الأحداث، فطغى حتى نسي أنه طاغية، وأسرف حتى ظن أن الإسراف ملائمٌ لطبائع الأشياء وطبيعة الحياة. مضى هذا الرجل لسبيله، فمن لحزب الشعب يحميه وينميه، ويدفع عنه الكوارث والخطوب؟

إن في هذه الأحداث التي شهدناها في هذا المستنقع ومن حوله لأشياء كثيرة خليقة بالتفكير والتقدير: هذا الرجل الذي لم يدع شعبيًّا إلا أحسن إليه، وظن أنه قد استوثق منه وملكه، وضمن نصره وتأييده، لا تكاد تلم به ملمة من أيسر الملمات التي تصيب رجال السياسة حتى يتفرق عنه الشعبيون جميعًا، منهم من يجهر بالفرقة في غير احتياط، ومنهم من يُسرُّها ويترفق في إظهارها، وينتظر لها الفرصة الملائمة، ومنهم من يتخذ لنفسه وجهين يضع أحدهما من أمام ليلقى به صديقه وزعيمه القديم، ويضع أحدهما من وراء ليلقى به الوزراء ورئيس الوزراء.

والظريف الطريف الذي يحزن القلوب ويرضيها، ويُغشى الوجوه بالعبوس ويضيئها بالابتسام، الذي يملؤه الازدراء والاحتقار، أن هذا الرجل كان ينظر إلى أصحابه وهم يتفرقون عنه، وينفرون منه، ويسلمونه للعدو، وكان ينظر إلى أصحابه الآخرين وهم يداورونه ويناورونه يسعون إليه ويسعون به. كان ينظر إلى هؤلاء جميعًا وقلبه الصلب القاسي يتشقق حسرةً، ويتمزق لوعةً، ولسانه الذي لم يعرف أسفًا لا ينطق إلا بالأسف، وإذا هو يقول ويقول، ويردد على الناس أن البلد ليس فيه أخلاق، وهل أبقيت في البلد أخلاقًا إلا نصبت لها الحرب، وسلطت عليها من الرغبة والرهبة، ومن الوعد والوعيد جنودًا لا قِبَل بها إلا لكرام الناس الذين لا تستطيع أن تدنو منهم، ولا يستطيعون أن يدنوا منك؟

ليس في البلد أخلاق، قل في البيئة التي اتخذتها لنفسك ما تشاء، فأما البلد فأخلاقه — والحمد لله — راضية نامية موفورة، لا عوج فيها ولا التواء. انظر إلى خصومك؛ إنك تستطيع الآن أن تنظر إليهم منصفًا، وأن تعترف بأنهم هم الملأ، وأنهم هم قوام البلد، وأنهم هم أهلوه وأصحابه. انظر إليهم: أترى في أخلاقهم عوجًا؟ أترى في سيرتهم فسادًا؟ أترى في حياتهم التواءً؟

انظر إليهم: أتراهم قد تفرقوا عن زعمائهم حين خرج زعماؤهم من الحكم؟ أتراهم قد نفروا من زعمائهم حين ألحت على زعمائهم الخطوب؟ أتراهم قد نافقوا مع زعمائهم حين انصبت على زعمائهم الصروف؟ أتراهم قد سعوا بزعمائهم إليك وإلى أمثالك من الطغاة؟ أتراهم قد غيَّروا موقفهم من زعمائهم بعد أن سلطت عليهم وعلى زعمائهم المحن والفتن كل هذه الأعوام؟

كلا، إنهم مقيمون على العهد، محتفظون بالود، يقسمون جهد أيمانهم لو استؤنفت محنتهم اليوم من جديد كأنها لم تصبهم من قبل لما غيروا موقفهم، ولما انحرفوا عن زعمائهم، أتدري لماذا؟ لأن زعماءهم ليسوا مثلك من هذا النوع الهين اليسير الذي يوجد في سهولة ويسر، وفي غير مشقةٍ ولا عناءٍ في كل بلد؛ لأن زعماءهم لا يقيمون زعامتهم على البيع والشراء، ولا على الميول والأهواء، ولا على الترغيب والإغراء، ولا على التخويف والنذير، ولا على المحنة والفتنة.

إنما يقيمون زعامتهم على الحق والحب، وعلى الصدق والإخلاص، وعلى التضحية والفداء، وعلى الصبر والثبات، لا يبتغون بهذه الخصال بدلًا، من منصب أو جاه، أو سلطان أو مال أو لذة مهما تكن. لو أنك سرت سيرة هؤلاء الزعماء مع نفسك لما أطاف بك أحد من هؤلاء الناس الذين تفرقوا عنك الآن؛ لأنهم لا يحبون هذه السيرة، ولا يطمئنون إلى هذه الخصال. لو أنك سرت هذه السيرة لاجتمع حولك قوم آخرون، ولما احتجت إلى أن تقول محزونًا مكلومًا كئيبًا آسفًا: «ليس في البلد أخلاق.»

كلا، إن في البلد أخلاقًا، ولكنك لم تستطع أن تدنو من أصحابها؛ لأنك لم تحرص عليها، ولم تُقدِّرها قدرها، فلو عرفت وقدرت هذه الأخلاق التي تندبها وتأسى عليها لسعى إليك أصحاب الأخلاق، ولمنعوك من الارتفاع إلى السماء، ثم السقوط إلى قرارة هذا المستنقع الذي هويت فيه.

ليس في البلد أخلاق، في أي بلد؟ في مصر، إنما تفرق عنك من المصريين أضعفهم وأيسرهم وأهونهم على أنفسهم وعلى الناس، ولكن انظر إلى هؤلاء الأصدقاء الأعزاء الذين آثرتهم على قومك، واختصصتهم بفضلك، ووقفت على إرضائهم جهدك كله، وقوتك كلها، وضحيت في سبيلهم بما لا يحصى من منافع أمتك في الأخلاق والسياسة والاقتصاد.

انظر إلى أصدقائك من الأجانب على اختلاف أجناسهم ومنازلهم: أين هم منك الآن؟ وأين أنت منهم الآن؟ أتراهم ينظرون إليك؟ أتراهم يعطفون عليك؟ أتراهم يفكرون فيك؟ أتراهم يحفلون بك؟ إن الناس ليتحدثون أن شركاتهم هذه الكثيرة التي كنت تعمل فيها قد نبذتك نبذًا، واطَّرحتك اطراحًا، وبرئت منك إلى من إليهم الأمر من خصومك الآن.

كانت تراك أذكى الناس، وأكفأ الناس، وأمهر الناس، وأبرع الناس. كانت ترى أنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تستغني عن معونتك وتأييدك؛ فانظر: إنها تستغني عنك الآن، وتعلن إليك أنها في غير حاجة إلى معونتك وتأييدك. لماذا؟ لأن هؤلاء الأجانب كأولئك المصريين، أطمعتهم فطمعوا فيك، وأغريتهم فلاذوا بك، ونفعتهم فأظهروا لك الحب والمودة، وغلوت في نفعهم فأظهروا لك المعونة والتأييد، ثم أصابك العجز ومسَّك القصور فزهدوا فيك، وبرئوا منك، وانصرفوا عنك، وقالوا: لا حاجة لنا بك، ولا رغبة لنا فيك.

ليس في البلد أخلاق، ومن زعم لك أنك تستطيع أن تجد الأخلاق في هذه البيئات التي يعيش فيها الناس للبطون والجيوب، والتي يؤثر فيها الناس منافعهم العاجلة على كل شيء.

إن من المؤلم حقًّا أن ننظر الآن إلى هذا الرجل وحيدًا منبوذًا، يجتمع أصحابه أمس فيقبلون استقالته كأيسر ما يقبلون شيئًا من الأشياء، ثم يمضون في أعمالهم، ويسعون إلى منافعهم، ويرون أنهم قد أدوا لهذا الرجل حقه بكتاب يرسله إليه رئيسهم الجديد.

إن من المؤلم حقًّا أن ينظر المصريون إلى هذه الشركات الأجنبية تسير مع هذا الرجل هذه السيرة، تتهالك عليه حين كانت تنتظر منه النفع، ثم تنصرف عنه حين لا ترجو منه الخير.

إن من المؤلم حقًّا أن نرى الأجانب يغمسون أنفسهم غمسًا في السياسة المصرية إلى هذا الحد: يؤيدون ويخذلون، كما يؤيد المصريون ويخذلون، ويمكنهم ذلك من أن ينصروا بعض المصريين على بعض، ومن أن يُؤثِّروا في السياسة الخاصة للأحزاب. فلو أن هذه الشركات ثبتت لصدقي باشا وأقامت على وده، ولم تتخل عنه كما تخلى عنه المصريون؛ لما أدركه هذا الضعف الخطير.

متى يَعتبر المصريون؟ متى يتعظ المصريون؟ متى يبلغ المصريون من احترام أنفسهم، والحرص على حقوقهم، والاحتفاظ بشخصيتهم أن يعرف الأجانب المقيمون بينهم أنهم ليسوا إلا ضيوفًا، أو يعجز الأجانب المقيمون فيهم عن أن يدخلوا في سياستهم، ويُؤثِّروا في أحزابهم، وينصروا فريقًا، ويخذلوا فريقًا.

متى يستطيع المصريون أن ينظروا إلى بلادهم، فإذا هي خالصة لهم حقًّا، وإذا جوها نقيٌّ حقًّا، طاهرٌ حقًّا، لا يظهر فيه النفعيون الوصوليون الذين يفسدون في الأرض، ويسيئون إلى الناس، حتى إذا تنكرت لهم الأيام، وتفرق عنهم الأشياع والأتباع، قالوا محزونين، مكلومين، مستخفين بالحق، مستهزئين بالحرمات، منكرين لكل ما قدموا من الشر: «ليس في البلد أخلاق.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.