إذا قرأت الصحف التي صدرت صباح اليوم علمت راضيًا أو ساخطًا، مطمئنًّا أو قلقًا؛ أن أرض مصر ليست في ظمأ إلى دماء المصريين؛ لأن الجناة والمجرمين لا يحبون لها أن تظمأ فهم يروونها من الدماء بما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه.

فالجناة والمجرمون يغيرون على قرية من قرى كفر صقر أو عزبة من عزبها، فيختلسون سلاح الحارس النظامي، ثم يسطون على الآمنين والآمنات؛ يطلقون عليهم الرصاص، ويعملون في أجسامهم السكاكين، ويأخذون ما تصل إليه أيديهم من المال، ثم ينصرفون موفورين لم يَكْلَم أحد منهم كَلمًا.

والجناة والمجرمون ينقضون على رجلين من الحرس النظامي في أبنوب، فيوسعونهما ضربًا، ويجردونهما من السلاح، ويمضون موفورين لم يكلم أحد منهم كلمًا. وواحد من الجناة والمجرمين يطلق الرصاص على الحارس النظامي في قويسنا فيصيبه ويأخذ سلاحه، ثم تدركه الشرطة وفي يده ما سرق من سلاح.

وتشب معركة أو قُل حرب بين قريتين في الدقهلية يصرع فيها كثيرون، وتشب معركة أو قل حرب بين الشرطة وقرية من قرى المنوفية يصرع فيها كثيرون، ثم امضِ بعد ذلك كله في قراءة الجهاد، فهي تحدثك بأن وزارة الداخلية علمت بأن حوادث القتل والشروع في القتل والسرقة بلغت عشرين في يوم واحد أمس. فإذا كان وزير الداخلية غير راضٍ عن استقرار الأمن واستقامة النظام؛ فإنه يستطيع أن يرضى؛ فليس يمكن أن يبلغ الأمن من الاستقرار، وليس يمكن أن يبلغ النظام من الاستقامة والاطمئنان مثل ما بلغ في هذه الأيام.

وإذا كان وزير الداخلية قد ظلمه الناس فلم يقدموا إليه من التحية والتهنئة، ومن الشكر والثناء ما هو أهل له، برغم ما أنفق من جهد، وما بلغ من توفيق في حماية الأمن والنظام؛ فإن الناس خليقون أن ينصفوه، وهو خليق أن يغفر للناس ظلمهم وتقصيرهم؛ فالناس مطبوعون على جحود النعمة وإنكار الجميل. ومع ذلك فنعمة وزير الداخلية على المصريين أظهر من أن ينالها الجحود، وأكبر من أن يعرف الناس لها حقها من الثناء.

وجميل وزير الداخلية أبين من أن يناله الإنكار، وأعم وأشمل من أن يبلغ الناس به ما يستحق من الحمد والتقريظ، وما رأيك في وزير ضبط الأمور حتى أمن الناس فلم يمسسهم بأس، ولم يأخذهم شر، ولم تسل دماؤهم على الأرض، ولم تصعد نفوسهم إلى السماء، ولم تنهب أموالهم نهبًا، ولم يسلب متاعهم سلبًا، ولم يُقتلوا على أبواب بيوتهم، ولم يُجرَّد حراسهم من السلاح؟

وتسألني بعد هذا كله ماذا يصنع وزير الداخلية، وماذا تصنع الوزارة كلها، وأمور الناس تبلغ من الفساد إلى هذا الحد، وحياة الناس تنتهي من الهوان إلى هذه الغاية، فلا تكن مسرفًا ولا غاليًا، ولا تكن مغرقًا ولا متشائمًا، فالله — عز وجل — لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، وإنما جعل له قلبًا واحدًا في جوف واحد.

وقلب وزير الداخلية وقلوب الوزراء مشغولة عن الأمن والنظام، مشغولة عن النفس والمال، مشغولة عن أسلحة الشرطة والحراس، لا بشغل واحد، بل بشغلين. كانت مشغولة بصدقي باشا، فلما فرغت منه شغلت بالانتخاب في مجلس النواب، وظهر لها صدقي باشا يؤرق نومها، وينغص يومها من جديد، ثم بينما هي في ذلك، وإذا مكرم يرشح نفسه نقيبًا للمحامين، وإذا جماعة من أصحابه يرشحون أنفسهم أعضاءً لنقابة المحامين، فلا بد من أن تلتفت لهم الوزارة وتُعنى بهم، وتردهم عن النقابة حماية للتقاليد، وصيانة لكرامة المحاماة، وإذا الوزارة تجد وتكد لتصدر بلاغًا، فلا يكاد البلاغ يصدر حتى يتبين للناس جميعًا أنه أعرج أعوج لا يستطيع أن يمشي على قدمين، ولا يستطيع أن يستقيم.

وما رأيك في بلاغ يذكر التقاليد، والتقاليد تأباه وتنكره وتضطره إلى الصمت واصطناع الحياء؟ وما رأيك في بلاغ يذكر التجريح لأحكام القضاء، والمحامون يعلنون قبل الترشيح وبعد الترشيح، قبل الانتخاب وبعد الانتخاب، قبل المحاكمة وأثناء المحاكمة وبعد المحاكمة، أنهم أكرم على أنفسهم، وأحب لبلادهم، وأشد احترامًا للقانون، وإكبارًا لحماة القانون وحفظته من أن يفكروا أو يبيحوا لأنفسهم أن يفكروا في تجريح القضاء، أو التعرض لأحكامه بما لا يلائم حقها من الإكبار والإجلال؟

يقول المحامون هذا أفرادًا، ويقولونه مجتمعين، يقول المحامون هذا سرًّا، ويقولونه جهرة، وتأبى الوزارة إلا أن تذكر التجريح لأحكام القضاء، والتنكر لما يجب لها من الإكبار والإجلال.

أليست الوزارة ترى معنا أن الذين يسيئون إلى القضاة ليسوا هم الذين يعلنون في كل يوم، وفي كل ظرف، صادقين مخلصين أنهم يكبرونه ويجلونه، وإنما هم الذين يأبون على الناس إلا أن يكونوا مسيئين إلى القضاء، مجرحين لأحكامه، وإنما هم الذين يتخذون هذه الغيرة التي لا موضع لها وسيلة إلى عمل سياسي لا أكثر ولا أقل؟

فقد يستطيع رئيس الوزراء وزملاؤه أن يجهدوا أنفسهم في البحث والدرس والتكلف والتصنع، ولكنهم لن يستطيعوا أن يقنعوا أحدًا بأن ثورتهم بالمحامين، وتنكرهم للمحاماة، وائتمارهم بقانون النقابة ترجع إلى شيء آخر غير السياسة والرغبة في إبعاد الخصوم السياسيين عن تمثيل زملائهم من المحامين. لن يستطيع رئيس الوزراء ولن يستطيع زملاؤه — مهما يقولوا ومهما يعملوا — أن يقنعوا أحدًا بأن مصدر هذه الثورة التي يثورونها شيء آخر غير إقصاء النقيب الجديد، الذي لا يألفونه ولا يسيغونه، عن نقابة المحامين.

كثير جدًّا أن تطغى السياسة إلى هذا الحد، كثير جدًّا أن تظن بالناس السذاجة إلى هذا الحد، وأكثر من هذا كله أن تنصرف الوزارة عن حماية الدماء والأموال، وصيانة الأمن والنظام، إلى هذه الأعمال السياسية التي لا تخدع أحدًا، ولا تنفع أحدًا، ولا تكسب للوزارة من حب الناس ورضاهم وتأييدهم قليلًا ولا كثيرًا.

ليصدقنا رئيس الوزراء وزملاؤه؛ فإن أمور الحكم وشئون السلطان لم تسند إليهم لينفقوا جهودهم في هذه الأعمال التي لا تغني ولا تفيد، وإنما تسيء إلى الحرية والحق والكرامة وسمعة البلاد أشد الإساءة وأشنعها. إنما أسندت إليهم أمور الحكم وشئون السلطان ليحولوا بين المجرمين وبين ما فعلوا في كفر صقر وفي أبنوب وفي طوخ، وليحولوا بين الناس وبين الثورة على الشرطة والحراس وأخذ أسلحتهم منهم في الجهر مرة، وبالخطف والاختلاس مرة أخرى.

إنما أسندت إليهم أمور الحكم وشئون السلطان ليحقنوا الدماء، ويعصموا النفوس، ويحفظوا الأموال، ويحسنوا تدبير المرافق العامة، وتطهير مصالح الدولة من ألوان الفساد؛ فإن لم يستطيعوا أن يبلغوا ذلك، أو لم يستطيعوا أن يفرغوا له؛ فإن كرامتهم وكرامة بلادهم، ومنفعتهم ومنفعة بلادهم، ووفاءهم بالأمانة التي احتملوها، كل ذلك يقضي عليهم بأن يستقيلوا، وأن ينصرفوا عما لا يستطيعون من أمور الحكم إلى ما يستطيعون من أمورهم الخاصة، ومن الاستمتاع بلذات الحياة ولهو الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.