لم يتخذ هذا العصر الحديث أسماء، ولم يتصف بعد بالوصف الأصيل الذي سيلازمه ويلصق به على مدى العصور المقبلة.

فقد عرفنا العصر الحجري والعصر البرنزي والعصر الحديدي، كما عرفت الإنسانية في إحدى الفترات حينًا من الدهر وصفته بأنه العصر الذهبي! وكذلك عرفنا عصر الظلام أو القرون الوسطى في قارة أوروبا، ونحن نهتم بتقسيم العصور وتسميتها لنصل إلى تحديد بعض معالم الطريق في تاريخ الإنسانية الذي تشعبت مسالكه وتنوعت طرائقه.

لقد بدأنا منذ نصف عام العقد الخامس من القرن العشرين، والعالم في غليان كالقِدر على النار، وثورة لها فورة وأوار، وحروب طاحنة وشرور ظاهرة وأحقاد كامنة، وشعوب تائهة ضالة وحكومات تحاول إرجاع الحقوق إلى نصابها، وأخرى تريد قلب الأشياء رءوسها على أعقابها.

غير أن رجل المستقبل لن يستطيع أن يقف على حقائق التاريخ الراهنة؛ لأننا لم نتصل بتواريخ الأمم البعيدة والقريبة اتصالًا يؤدي بنا إلى الرجوع بآدابنا وحضارتنا إلى ماضينا، وكل الذي نعثر عليه في سجلات تاريخنا وحضارتنا لا يتعدى بضعة مؤلفات من نوع المدونات والمذكرات، أقرب إلى سرد الحوادث منها إلى التاريخ، وبعضها من مؤلفات نشرت في تراجم مشاهير الرجال الذين عرفوا في الحروب أمثال الإسكندر ونابليون وصلاح الدين وجنكيز خان وهنيبال وتيمورلنك وغيرهم.

وكان علماء التاريخ ورجال السياسة يظنون حياة السلم والأمان القاعدة وأن الحروب استثناءات، فإذا البحوث الدقيقة التي قام بها سينيوبوس في فرنسا وماكس نورداو ودويش في النمسا وبرين في بلجيكا ومومسن في ألمانيا أثبتت أن الحروب هي القاعدة، وفترات السلم والأمان هي الاستثناءات.

فإذا أراد القارئ أن يقف على الأسباب التي تحفز الأمم والحكومات على النهوض بأعباء الحروب الطويلة المهلكة، منذ واقعات طروادة إلى واترلو، وشاء القارئ أو الدارس أن يرد هذه الأسباب إلى مصادرها الأولى، من مسالك السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين؛ فإنه يعجز عن أن يصل إلى مراجع كاملة شاملة تتصل بتلك الأسباب أو تحيط بها إحاطة الإلمام التام، ويصعب عليه إن لم يستحل أن يعثر على ما يعلل الحوادث والواقعات تحليلًا منطقيًّا مرتكنًا إلى حقائق ثابتة.

فإن الحروب في حقيقتها تكون العصور وتميزها وتفرغها في القوالب التي تراها، وما هي إلا قصص دامية من قصص الدنيا القديمة أو الجديدة، وهي في مجموعها وحدات العصور التي تقدر قيمتها التاريخية.

أما فهم تاريخ العصور، ولا سيما العصر الحديث الذي ما زال في نظر المؤرخ الإنساني نكرة مبهمة، فيقتضي بحث نشأة الأمم العظمى من بدايتها وكيفية ترك أمورها إلى الزمن وأفاعيل أفرادها وجماعاتها، قادتها وعامتها، سادتها وزعمائها، سراتها ودهمائها، وهي يومًا تسمو ويومًا تنخفض، حينًا تعز وحينًا تذل، واستعراض فلسفي دقيق للأدوار الفعالة التي قامت بها الأخلاق ومثلتها منازع النفس ودوافع العقل وشهوات الغرائز الجامحة، فهذه الحضارة الأوروبية الحديثة التي وفَّاها «أوزفالد شبنجلر» حقها من البحث والفحص والدرس في كتابه «غروب حضارة الغرب»، هذه الحضارة التي نمت وترعرعت وشبت وأخصبت وأثمرت وبسقت فروعها، وخيمت ظلالها أكنافًا عميقة، وسترت ظلالها أفاقًا بعيدة، هل بلغت كل هذه النعم عن طريق المجد الصحيح والعدل الصادق والجدارة الوافية والإنسانية الكاملة؟

نريد أن نتفهم حقيقة العصر الحديث لنحلَّه مكانته في تاريخ العالم، وينبغي لنا أن نتساءل هل حرصت الحضارة العالمية الحالية على البناء المهول الرفيع العماد الذي رفعت قوائمه؟ وهل حاولت حفاظ المجد العظيم الذي أحرزته، وهذا المجد وهذه الشهرة من أسباب الشموخ الوطني والعزة القومية والرسالة الإنسانية؟

هل استمسكت الحضارة بكل هذه المقومات حتى تستطيع أن تثبت أمام زعازع الحوادث وعواصف الدهور، مهما بلغت في عتوها وطغيانها، ومهما بانت نواجذها وأنيابها وأنشبت فينا أظفارها؟

هل يفوز المؤرخ العصري بإدراك لمحات تضيء له ظلام الحوادث وتلقي شعاعًا هاديًا على سوادها، فتطلعه في بريق لامع على أسرار الهبوط، كتلك المحاولات الموفقة التي حاولها ابن خلدون في مقدمته، وابن مسكويه في «تاريخ الأمم»، وجيبون في سرد أسباب انحلال رومة وسقوطها وموير في تاريخ الخلافة الإسلامية؟

إن ما بين أيدينا وعلى «رفوف» مكاتبنا من كتب التاريخ (ما عدا عشرات نادرة من الكتب كالواحات الخضراء في وسط الصحاري القاحلة)، لا تبدأ أبدًا من حيث يجب أن تبدأ، ولا تنتهي إلى حيث يجب أن تنتهي؛ لأن كلًّا منها يتخصص في تدوين واقعات جرت بها المقادير في بضع سنين أو بضعة عقود من السنين، هي بمثابة حلقة تفصم من سلسلة يجب أن تظل متصلة الحلقات.

إنك أيها القارئ المجتهد إذا سألت نفسك عن الحرب الحاضرة والحرب التي سبقتها أتعرف أسبابها الظاهرة والباطنة؟

تدهش لو علمت أن كبار المؤرخين يبدءون بدرس تاريخ الغرب في العصور الوسطى، وكيف سقطت روما، ولِمَ هبطت القبائل الهمجية المستوحشة على أوربا يتمون بقسوتهم وجهلهم خراب الدنيا اليونانية والعالم الروماني، ويقضون على حضارة الإغريق وفنونهم وعلومهم وفلسفتهم وأدبهم، وعلى قوانين الرومان ونظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وطرائقهم في الحروب، ويبدأ كبار المؤرخين كذلك بما كان من الفتوحات الإسلامية، وكيف وقفت ومنعت عن أن تشمل أوربا عمومها وخصوصها، وكيف كان النزاع بين المسلمين أنفسهم على تقسيم الغنائم التي غنمها الإسلام بفتوحاته العلة الأصيلة في صد تيار فتوحاته، التي نشرت المبادئ العربية في العالم بسرعة فائقة وقدرة نادرة أقلقت عقول ملوك أوربا وقادتها وزعماء أديانها في رومة وبيزنطة وفرنسا وإسبانيا.

فإذا انقلبت إلى العصر الحديث الذي يبدأ بالثورة الإنجليزية ومصرع الملك شارل الأول وصعود كرومويل إلى منصب السلطان المطلق والحكم الديكتاتوري، وانتقلت على مدى السنين إلى الثورة الفرنسية ونهضة المدن الكبرى وظهور البورجوازية، رأيت بعيني الخيال حلمًا بعيدًا من أحلام البشر، كان له وجود حقيقي في عالم الحضارة، وكان مسرحًا قائمًا لألوان البذخ والترف والرفاهية، والنضال بين الرجال والمذاهب، والعراك الاقتصادي العنيف بين الفقر والغنى، وتكوين رءوس الأموال وما يتبع تلك المعارك والملاحم من إهراق الدماء، والقضاء على الحريات، واندثار الزراعة ونشأة التجارة، ومن أسباب إشباع الشهوات والغرائز، ولا سيما غريزة الحكم والسيطرة على الأمم بالوسائل الاستبدادية والسيادة المطلقة.

هذه هي الوسيلة والأداة لدرس العصر الحديث وبحث مقوماته ومقوِّضاته، وعندنا أن «جنتر» الأمريكي قد وفق إلى حد بعيد في كتابيه «في أحشاء أوربا» و«في أحشاء آسيا» إلى درس الوقائع والرجال، واستطاع أن يخلق في أذهان قرائه تلك الطريقة الثقافية المسبَّبة التي تتصل فيها الأسباب بالمسببات والنتائج بالعلل، تلك الطريقة الثقافية المنتجة المتزنة وهي خير مقدمة للبحث لبلوغ خير خاتمة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.