مبحث اشترك لفيف من علماء الإچيبتولوچيا في وضعه واستيفائه، وهم: (١) ماسبرو (٢) مارييت (٣) سيديو (٤) أحمد كمال باشا (٥) مجدي باشا (٦) شامبوليون فيجياك.

ظن بعض العلماء الملمين بتاريخ العرب والمصريين القدماء أن الأمتين عبدتا آلهة مشتركة بينهما، وسبب ظهور هذه الفكرة اختلاط العرب والمصريين اختلاطًا شديدًا في ظروف كثيرة من تاريخهم، فكان اختلاط تجاري إما عن طريق خليج السويس، وإما عن طريق النيل وبلاد الحبشة، وقد ذكر بعض المؤرخين في تاريخ الأسرة المالكة المصرية الأولى، مهاجر قبيلتين من جزيرة العرب إلى البلاد المصرية، وهما: قبيلة «بني كلب» وقبيلة «بني صخر»، وقد انفرد المرحوم كمال باشا بالتنبيه على هذا الحادث، وذكر أن دخولهما مصر كان عن طريق الحبشة والنيل. ويخالفه معظم المؤرخين. وكان المرحوم يرمي بنظريته إلى تأييد فكرته اللغوية التي أظهرها في قاموسه الكبير، الذي حاول أن يثبت به وجود ألفاظ كثيرة جدًّا من اللغة المصرية القديمة في اللغة العربية الفصحى والمحكية، ونظرية المرحوم كمال باشا منقوضة؛ لأنه يفرض نشوء المدنية المصرية بفضل القبيلتين العربيتين، مع أن إجماع المؤرخين على أن المدنية المصرية قائمة بذاتها Suis generis، وأنها نشأت في البيئة المصرية بطبيعتها وصفاتها المادية والأدبية، ويعتقد كثير من العلماء أن المدنية المصرية تحمل طابعها الوطني «ولونها المحلي» وروحها المصري المستقل، وأنها ليست أثرًا من مدنية قبائل رحالة دخلت مصر بعد الطوفان أو وطأت أرضها قادمين من الشرق أو الجنوب. وقد عاشت تلك المدنية عشرات من الأجيال وألوفًا من السنين على ضفاف النيل كما نشأت على ضفافه، فلم تكن مصر في حاجة إلى مدنية خارجية ترد إليها كبعض السلع الأجنبية، وقد استمرت تلك المدنية وأزهرت من عهد مينا أو منيس إلى عهد نيختنبو الثاني المنحوس طالعه.

ولا شك في أن الأعمال التي نفذها منيس تدل على رسوخ قدم المصريين في العلوم الرياضية والهندسية، فقد حول نهر النيل عن مجراه الأصيل الذي كونته الطبيعة إلى مجرًى آخر صنعه منيس رغم العقبات والشدائد التي أقامتها الطبيعة في وجهه، وتمكَّن من تجفيف مستنقعات مهولة المساحة، وبنى مدينة وجعل فيها عمائر وقصورًا تكاد تخلد ولا تبلى، فمن علوم هندسة الري إلى الهندسة الصحية إلى فنون العمارة والتشييد، هذا عدا عن أنه قنَّن القوانين ودوَّن الدواوين وفتح للرفاهية والترف أبوابًا في الحياة المنزلية؛ مما دل على حالة اليسر والرخاء في أنحاء القطر لعهده.

ولم يكن خلفاؤه أقل منه سعيًا في خير مصر، فقد كان أحدهم «أنانيس» أستاذًا في علم الطب وألف رسالة في تشريح الجسم البشري، كما أن «أونمفيس» — وهو من ملوك تلك الأسرة أيضًا — شاد أهرام دهشور الشهيرة.

وقد ثبت ممَّا تقدَّم أمران:

الأول: أن قبائل كثيرة جاءت من آسيا وتوطنت في مصر في العهود الأولى قبل فجر التاريخ.الثاني: أن المدنية المصرية نشأ معظمها في مصر، ونمت وترعرعت على ضفاف النيل؛ حيث استمرت قرونًا طويلة.

فإذا افترضنا مجيء العرب إلى مصر فلا شك أنهم احتفظوا بلغتهم ومعتقداتهم ومجَّدوا أربابهم التي عبدوها في أوطانهم الأولى، كما أنهم — لا ريب — تأثروا بلغة المصريين ومعتقداتهم ولو عن طريق المعارضة والموازنة. ومن ذا الذي ينكر صدق هذه النظرية إذا ذكر رحلة إبراهيم ودخول يوسف في مصر وإقامة اليهود وموسى على ضفاف النيل وهجوم الهيكسوس وغزوة الأحباش؟ إن تلك حوادث دامت مئات من السنين حدث في أثنائها امتزاج تام بين قبائل آسيا وبين الشعب المصري.

ويظهر للعلماء أن الهيكسوس تركوا للمصريين عبادة «قرص الشمس» وهي العبادة التي بلغت أشدها في عهد الملك إخناتون الشهير، ولكن الهيكسوس أنفسهم بدءوا يقدمون القربان على الطريقة المصرية، فكأنهم تبادلوا المعتقدات مع المغلوبين.

واليهود أنفسهم بعد خروجهم من مصر — وفي غيبة موسى — أرادوا أن يعودوا إلى الطقوس المصرية، وكثيرون منهم عبدوا «العزير» في الصحراء على شكل العجل آبيس، وليس العزير سوى أوزيريس الإله المصري Ousir, Osiris وقد غضب موسى لهذه الردة غضبًا شديدًا وأشار، القرآن الكريم إلى هذا الحادث في سورة التوبة: () الآية.

قال مارييت باشا عن تمثال رمسيس الثالث الموجود في مدينة هابو: «إن الآثار المحيطة بذلك التمثال ليست آثار قصر أو قصور قديمة، إنما هي آثار هيكل قديم.» وكان غُفر له يشك في ذلك ولم يذهب بعيدًا، ولكن عالمًا مصريًّا — ولعله المرحوم مجدي باشا — بحث وتقصَّى إلى أن وصل إلى أن الأثر المذكور الذي يرجع عهده إلى القرن الثامن عشر قبل الهجرة ويُعرف الآن لعلماء الآثار باسم «مجدل» أو «المجدل» ويكتبونها هكذا Mygdol, Almygdol وتفسيرها في المخصص صفحة ١٢٦ «قصر» إنما هو هيكل.

ولما كان كثيرون من علماء التاريخ المصري يعتبرون كلمة «لقصر» المدينة التي بها الآثار المصرية Luxor هي صيغة الجمع للفظ «قصر»، فتكون محرفة عن قصور، ولكنها في الحقيقة تنطق «أقصر»، فإن بعضهم شذ عن هذه القاعدة وعاد إلى القاموس؛ فإذا للعرب في وثنيتهم إله اسمه «أقيصر» وهي صيغة التصغير لكلمة «أقصر»، ولعل في هذا دليلًا على أن العرب والمصريين اشتركوا في عبادة إله واحد على درجتين، فكان المصريون يعبدونه حق عبادته في الهيكل الملكي الذي لا يدخله إلا الواصلون والواقفون على الأسرار الخفية، كما أن العرب عبدوه في صورة مخففة أو في الدرجة الثانية التي لم تبلغ الأولى.

أما الكرنك — وهي قريبة من لقصر — فقد لفت اسمها نظر العلماء؛ فبحثوا في آداب العرب لعلهم يهتدون إلى ما يدل على علاقة بين الاثنين، فوجد بعضهم في تفسير القرآن كلمة «غرانقة»، وقد ذكرت هذه الكلمة بمناسبة تمجيد الثالوث العربي الشهير وهو:

(١) اللات Allat.
(٢) العُزَّى Osah.
(٣) مَناة Manat.

وقصة ورود هذه الكلمة مشهورة، فإنها لم تُذكر في القرآن الشريف ولم ترد على لسان محمد — صلى الله عليه وسلم — ولكنها ذُكرت على ألسنة بعض الأشخاص، فقيل «الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتُرتجى»، فلا شك في أن «غرانيق» و«كرنك» كلمة واحدة، وكلمة كرنك المصرية هي عربية الأصل والتركيب، وهذه الكلمة تدل على تمجيد الثالوث المقدس في «طيبة» وفي «الكعبة» التي كانت تشمل ٣٦٥ صنمًا أو وثنًا معبودًا كما رواه المؤرخون، لا سيما سيدليو في تاريخ العرب ص٤٢، وقد ذهبت قيمة كلمة «كرنك» من اللغة العربية بذهاب الوثنية وانمحاء آثارها.

أما الإلهة «خونسو» التي يوجد هيكلها في الكرنك، فقد وُجد اسمها في بعض المعاجم العربية مثبتًا هكذا: «خنس» ومن معانيه الغزالة التي تنفر من الإنسان وتختفي عن نظره، أو الكواكب التي تختفي نهارًا وتبدو ليلًا أو الملائكة، وخرج بعض العلماء أنها أصل لغوي لكلمة «الكنيسة»، والفرق بين خنس وكنيسة ليس بعيدًا، ولأجل التقريب نلفت القارئ للمقارنة بين الكلمات الأربع الآتية:

  • خونسو: بالمصرية القديمة اسم إلهة عُبدت في الكرنك.
  • خنس: اسم يدل على الكواكب أو الملائكة.
  • كنيسة: معبد النصارى.
  • كنيس: معبد بني إسرائيل.

أما كلمة كا أو حرف «ق» فنجدها في أول إحدى سور القرآن الشريف، وفي هذه السورة مبحث في الروح، كذلك نجدها في اللغة الهيروغليفية، وقد قال بعض المفسرين إن «ق» معناها الروح.

ولعل الحروف التي توجد مفردة في أوائل السور تدل على رموز عبادات قديمة كان يعرفها رجال متميزون، كما أن جاكين وحيرام الواردين في التوراة هما ياسين وطه الواردان في القرآن الشريف (راجع محاضرة لمجدي باشا ألقاها في الجمعية الجغرافية الخديوية في ٢٨ مارس سنة ١٩٠٨)، وأن كلمة طه ربما كانت ترجمة للكلمة اليونانية Théos ومعناها إله أو معبود، وقد قال العلامة شامبوليون فيجياك في كتابه «مصر بلد العجائب والصور»: إنه بعد جبل الطارة يوجد على قرب من النهر مكان اسمه «طه» أو «طهى» و«أموك» وكان في عهد مراد بك مكانًا ذا شأن يقيم فيه وليٌّ عظيم، ويظهر أن محلة «طه» هذه تشغل عين المكان الذي كانت فيه المدينة القبطية تيودوسيوم أي مدينة Théos.(ص١٩٢ الكتاب المذكور آنفًا).

وكان في جزيرة أنس الوجود هيكل مخصص لآلهة الحكمة التي كان اسمها «صا» أو «صالات» أو «صاد» وهي حرف «ص»، ولم تكن الحكمة إلا إحدى صفات الله يدلل عليها بحرف «ص» في مستهل بعض السور في القرآن الكريم، ولعل القارئ يدهش إذا علم أن المدينة المنورة التي هاجر إليها — محمد صلى الله عليه وسلم — ودفن بها اسمها أيضًا طيبة وطيوة Thébes ويثرب، ومما يلفت النظر أن طيبة اسم لعاصمة مصر، كما أن يثرب تقرب جدًّا من «يتريب» التي توجد آثارها بجوار مدينة بنها، ولا تزال معروفة عند الفلاحين باسم «تل أتريب». كذلك كلمة سيت أو شيت أو ست تدل على إله الشر، وهذه الكلمات كلها مصرية قديمة، وقد أخذ منها ساتان عند الإفرنج Satan وهو شيطان باللغة العربية.

وكلمة طوت Thot التي صارت طاغوت وآمون صارت آمن وآمين وفتاح Phtah التي صارت فتاح وSakkt أو الباسطة التي صارت الباسط، وKab المصرية «كاب» ومنها الكعبة مجمع الأرباب.

ومما هو جدير بالذكر في ختام هذه العجالة أن زواج الملك سليمان من بنت فرعون (سفر الملوك في التوراة) من الأسرة العشرين، كذلك زواج الخليل إبراهيم من السيدة هاجر الذي تم بعقد صحيح، وكلا الزوجين أجنبي عن مصر وكلتا الزوجتين مصرية، ومعنى هذا أنه لا بد من تفاهم ديني بين الشعبين الإسرائيلي الذي منه الرجلان، والمصري الذي منه المرأتان؛ لأن الزواج كان طقسًا دينيًّا محضًا يتم أمام الآلهة، ولا بد أن يكون دين الزوجين واحدًا أو على الأقل لا يوجد بين دينهما تناقض يحرم الارتباط الجنسي ويقطع علاقة النسب؛ ومن هذا ينتج أن تلك القبائل أو الشعوب التي منها سليمان وإبراهيم عبدت عين الأرباب التي عبدها المصريون؛ لأن زواج الأفراد من قبيلتين أو طائفتين مختلفتين كان محرمًا، فما بالك بعقيدتين متناقضتين، فلا بد من أن العرب والمصريين في فترة من تاريخهم القديم كانوا يتكلمون لغة واحدة أو لغتين متقاربتين، ويدينون بعقيدة واحدة أو بعقيدتين شقيقتين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.