١

كنت منذ يومين في دار حزب الأحرار الدستوريين، أشترك مع من يشتركون في حفلة الأربعين للشهيدين العزيزين: حسن عبد الرازق، وإسماعيل زهدي.

في ذلك اليوم يشتركون في الاحتفال بوجدانهم، لم يحضروا مجاملة للأحياء فحسب، ولكنهم حضروا انتصارًا أخيرًا للحق، واحتجاجًا على الجريمة والباطل.

جعل الخطباء يذكرون الشهيدين بالخير، ويذكرون الجريمة بما تستحق من مقت وغضب، فكانت أصواتهم عالية، تتخللها نبرات الإيمان بما يقولون، ورءوسهم مرتفعة ارتفاع من يمتلك الحق ليقول الحق من غير ريب ولا مبالاة.

وخيالي يحفظ للشهيدين صورتين باسمتين، وكنت أتمثلهما في ظل بسمات، ناعمين مما يُقال عنهما، وكأني بالفتية أراهم في وجوه قاتمة غبرة تعلوها صفرة، ينصتون إلى ما يُقال فيهم، فترتعد فرائصهم، وتتلوى عيدانهم من ألم في الأكباد والقلوب.

وكأني بأقوال الخطباء شُعَل من نار يوقدها الحق تُصوَّب إلى أفئدة الشهيدين فتحترق تلك الأفئدة القاسية، وينطفئ لهيبها … ثم تخرج من رءوسهم فتنشر نورًا وسلامًا في السماء، حيث تستقر حول عرش الصديقين الراحلين.

ويل لكم أيها القتلة، إن من قتلتم من الأبرياء يحيون بالذكر الصالح، أما أنتم فستموتون في الظلمات كما تموت أخس الحشرات.

٢

مصر: الجامعة المصرية

سجن مصر السبت ١٦ ديسمبر ١٩٢٢

الدكتور الجليل منصور فهمي أستاذ الفلسفة بالجامعة

الأستاذ …

إعجابي بنفسك يطمعني في بِرِّك، وثقتي في وفائك تعللي بإبلائك، ومثلك من يُبلي في سبيل الحق بلاءً حسنًا، ليس أحد أحوج إلى خطراتك ورائع عنايتك منا، فنحن أحق بها وأهل لها، وليس عليَّ حرج في أن أقول لسيدي الأستاذ ما قال عمر بن الخطاب حين جد الجد، وحزنه الأمر: يا موتاه! يا موتاه! فأنت يا سيدي لحري بأن تقول ما قاله عمرو بن العاص: «لبيك … لبيك».

وبَعْدُ، فإن أحسنت أن تبعث إليَّ بذكرى الأستاذ الإمام، وأن ترسل إليَّ وعدًا بتوجه خطراتك حتى تُنبِّه عاقلًا وتذكر ناسيًا إذا أحببت ذلك، وإني لأخ لك أوليتني حمل معجب بك شكر جزيل، فمثلي بآثار الأستاذ الإمام أمين، وبعطفكم وبحنانكم خليق، والسلام عليكم ورحمة الله.

أي أخي الذي تدعوني من السجن، لقد كانت لدعوتك في نفسي أثر بليغ …

يصل إليَّ صوتك من مكان محدود … ومكان الله طلق واسع ليس له حدود.

تصل إليَّ كلماتك من تحت فنار الرقيب، وإن حرية الفكر والقول لا قيود لها إلا من وحي الضمير وشرف النفس.

تطغى بك الآلام فينطلق لسانك بالشكوى لإنسان ضعيف، والعدل أحق من الناس — يا أخي — بشكواك.

تستعين بقلمي … إن معونة القلم لصغيرة في جانب معونة الله نصير كل مظلوم.

لقد انقضى صباي في قرية فيها مسجد فقير، وكنت أسمع في كل يوم من أيام الجمعة كلَّما غشيت هذا المسجد واعظه الشيخ يختم خطبته بدعوات، فيقول: «اللهم اقضِ الدَّيْنَ عن المدينين، وعجِّل خلاص المسجونين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنَّا … ولا تُحمِّلنا بذنوبنا ما لا طاقة لنا به يا رب العالمين.»

وكانت أصوات المصلين من عمال الأرض والحرث تردد قول: آمين … اللهم آمين.

وإن الله ليجيب دعوة الداعي إذا خلصت لله، ولكن قلَّ في الأرض المخلصون، وحقًّا إنكم معشر المعتقلين السياسيين أجدر الناس بدعواتنا وسعينا المحمود؛ فعليك اليوم يا أخي بدعوة صادقة لك ولإخوانك عسى الله أن يتقبَّلها، وعسى الله أن يُوفِّق أولي الأمر فينا بأخلاقكم لنراكم بيننا أحرارًا، وعسى الله أن يجعل كل مسعى لخيركم — معشر المعتقلين والمبعدين السياسيين — قرين التوفيق، وعسى الله أن يهدينا جميعًا سواء السبيل.

٣

أما الخبر فقد قرأت في جرائد اليوم أمر حادث من حوادث الاعتداء على الأرواح. وقع الحادث والشمس طالعة والنهار موجود، قُتِلَ أستاذ إنجليزي من أساتذة الحقوق بالرصاص من أيدٍ أثيمة جانية، فهل في مصر — إلى هذا الحد — أيدٍ أثيمة جانية؟!

لست أدري — والله — بأي حق يزهق إنسان روح أخيه الإنسان، وتلك النفوس منحة من وهاب الحياة، لا حق لأحد بإطفائها إلا الذي أشعلها في هياكل البشر.

أي مبرر يبرر القتل؟! لا يُباح القتل إلا عند الاعتداء على النفوس يوم لا تملك النفس للنجاة سبيلًا سواه.

أيبرره الانتقام؟ كلا؛ لأن الشرائع لم تكن إلا لتقتص للإنسان من المعتدين، أتبرره السياسة؟ كلا؛ لأن أثر السياسة يحدث من جهود اجتماعية وينشأ من عمل الأجيال وفق الأحوال، ولا تزول آثار السياسة إلا بمجهودات اجتماعية يعينها الزمن وتشترك فيها الأجيال وتساعدها الأحوال.

أي مبرر للقتل إذن أيها الوحوش القتلة؟!

يا بني قومي، لا أخالكم جميعًا إلا تنكرون حوادث الاعتداء، ولقد بلغ السيل الزبى، وطاشت العقول، وانحلت الأخلاق.

يا بني قومي، أدعوكم باسم هذه الأرض التي تضم عطاءً لنا، وتتسع منها لنا الأرزاق أن تنظروا في الأمر، وأن تتألفوا جماعات للعمل على تطهير البلاد من أدنى النفوس المعتلة، فإمَّا أن نعيش عيش كفاح وجهاد شريف في أرض طاهرة غير مسودة الجو، وإمَّا هجرة ورحيل؛ فأرض الله واسعة فضاها.

يا بني قومي، إنكم تنشئون الجمعيات لمحاربة الأمراض؛ لأن الأمراض تقتل، وإنكم تنشئون جمعيات الإحسان لمحاربة الفقر والجوع؛ لأن الجوع يقتل. فادعوا اليوم إلى إنشاء الجمعيات لمكافحة الأخلاق الفاسدة والآراء الطائشة؛ لأن الأخلاق الفاسدة والآراء الطائشة تخلق القتلة والأشرار، وإن حياة الأشرار خطر على حياة العاملين الأخيار.

إن مصر أولى بأن لا تُحمِّلوا أرضها الطاهرة تبعة الدماء البريئة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.