ليس في نجاحها شك ولا ريب؛ فيجب أن تستغلَّ، وأن تستغلَّ إلى أقصاها! وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء؛ ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي، وسافر بعده وقبله جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الاقتصادية تعقدًا، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقرارًا، ولم يزدد النظام ثباتًا، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج، ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم، ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء!

ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم، والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتدَّ أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء، ثم رَدَّ رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء، يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غدٍ إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروَّضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين؛ ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء!

وإذن فقد نجحت التجربة نجاحًا باهرًا لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تَعِي، وقلوب تشعُر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثًا، بل لا بد أن نعتبر بها، ونستفيد منها، ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات! وأن تقتصد ما تُنْفِقُه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية؛ فإن الرجل العاقل والشعب العاقل لا ينبغي أن يُنْفِقَا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بُدٌّ، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.

وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن تنهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمرًا لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن ينفق فيه المال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة، في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفًا خليقًا أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو ننفق في سبيله الأموال، وما أظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمتِّع وزراءها بما تمنحهم من المرتبات، لينعموا هم ويشقى أبناؤها، وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تُؤْثِرُهم بالعطف والبر، وتصطفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع، الذين يتفرَّقون في أقطار الأرض، وتلمُّ بهم الكوارث، وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!

وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى؛ فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم؛ ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء، هؤلاء الذين يُلِمُّ بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور، هؤلاء الذين يختلفون على دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويُظهِرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبِّرون بالتليفون مرة وبالمشافهة مرة أخرى لهوَهم إذا أقبل المساء أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزراء، أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.

بل أنت تستطيع أن تَمْضِي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى؛ فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضًا، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه، والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيمًا، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير؛ فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مُستَذَلُّون ويقال لهم إنهم أحرار!

فمحنتهم الآن مضاعفة؛ لأنها تَمَسُّ حياتهم، وتمسُّ تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة؛ لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل. أما الآن فهم يشقون ويأملون ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلًا!

وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره وإشعاره بأنه كان شقيًّا فسَعِدَ، وكان ذليلًا فعَزَّ، وكان عبدًا فأصبح حرًّا؟! ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافأتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!

كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب، وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول …

في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس وقلب زكي، وأسأله أيتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم؛ وإذن فنحن نُكْرَه على هذا اللون من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهًا، ولسنا أعداءً لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يُخْتَار لنا، وأن نسيِّرَه نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.

وإذن فليخطُ رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيرًا من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يُرِحْنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يُزِلْ عن مصر شرًّا كثيرًا، شَرَّ التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنِّبْنا كثيرًا من مواطن الفساد الخلقي والسياسي، الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!

ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئًا؛ لأنه لن يُلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يَرُدَّ نفسه رجلًا من الناس بعد أن أصبح عظيمًا يُقِيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، يصح فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئًا مما نطلب إليه، فلا بد إذن من أن نحتمل كما احتملنا، ومن أن نصبر كما صبرنا، ومن أن نؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها، حتى يأذن الله بأمر من عنده.

ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعًا وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.

من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمسُّ رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها والتعب الذي لا يقدر عليه؛ فيريح نفسه حقًّا، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.