عليَّ دين ثقيل للأستاذ العقاد حِيلَ بيني وبين أدائه إلى الآن. ويظهر أني لن أستطيع أنْ أؤديه جُمْلةً، فلا بدَّ من تأديته أقساطًا؛ فبَيْنَ يديَّ كُتُبٌ ثلاثة قرأتُها وأُعْجِبتُ بها، ولي فيها آراء وأحب أنْ أذيعها؛ وهي: كتاب الأستاذ عن ابن الرومي، وكتابه عن جوت، وديوانه الأخير وحي الأربعين.

ولست أدري! لماذا آثرت أنْ يكون قضائي لهذا الدَّيْن عكسيًّا فأبدأ بآخر هذه الكتب الثلاثة ظهورًا؟! ولعلِّي إنما آثرتُ البدء بوحي الأربعين لأنه شعر، ولأن الوقوف عند الشعر والشعراء عذب لذيذ للكُتَّاب الذين لا يحسنون قَرْضَ الشِّعْر؛ فهم يجدون في قراءته ونقده وتحليله لذَّةً لا يجدونها في قراءة النثر ونقده وتحليله. ولعلِّي إنما آثرتُ البدء بهذا الديوان؛ لأن نقده أيسر من نقد الكتابَيْن الآخرين — أيسر عليَّ، وأيسر على الشاعر الكبير نفسه — فلن يكون بيننا جدال طويل ولا قصير، ولن نحتاج إلى أنْ نرجع إلى كتب الأدب والتاريخ؛ لنثبت رأيًا أراه ويخالفني العقاد فيه، أو رأيًا يراه العقاد ولا أقره عليه، إنما هي آراء وخواطر تثيرها في نفسي قراءة هذا الديوان، وسأعرضها على العقاد وعلى قرائه الذين نقدوه والذين قرظوه، دون أنْ أحاول أنْ أفرضها على أحدٍ فرضًا، أو أنْ أتعصَّب لها أو أنْ أُجادل عنها، ودون أنْ يكون للعقَّاد وأنصاره وخصومه أنْ ينكروا هذه الآراء أو يجادلوا فيها؛ لأنها آراء تتصل بالذَّوْق وتتصل بمزاج الكاتب وطبيعته وتأثره بالفن الجميل أكثر مما تتصل بالحقائق المقررة، أو الأمور التي يكثر فيها الجدال والنضال.

وما أظن أنَّ أحدًا يطمع في أنْ يفرض عليَّ ذوقًا غير ذوقي، أو طبيعة غير طبيعتي، أو تأثرًا بالفن الجميل غير تأثري به لمن شاء أنْ يرضى، ولمن شاء أنْ يسخط، وأنا أوثر بالطبع رضا الناس على سخطهم، ولكن إيثاري لهذا الرضا شيء وظَفَري به شيء آخر.

ولعلِّي آخر الأمر إنما آثرت البدء بهذا الديوان؛ لأن كلام الناس قد كثر فيه، ولأن جدالهم قد اشتدَّ من حوله، ولأن نُقَّاده قد غلوا حتى جاوزوا القصد، وأنصاره قد أسرفوا حتى جاروا عن الحق، فأحببت أنْ أقول في هذا الديوان كلمة، لا أقول إنها تقر الأمر في نِصَابه، وترد المختلفين إلى الوفاق، فليس إلى ذلك من سبيل. ولكنها قد تصوِّر رأيَ جماعة من المنصفين الذين لا يرضون عن آثار العقاد ولا ينكرونها؛ لأنهم يغلون في حُبِّ العقاد أو يغلون في بُغْضه، بل لأنهم ينظرون إليها من حيث هي آثار فنية خالصة تلائم أذواقهم أحيانًا فيرضون، وتُنافِر أذواقَهم حينًا فيُنكِرون. ومن حق هؤلاء الناس أنْ تُصوَّر آراؤهم، وتظهر مذاهبهم في آثار كاتبٍ مهما يَقُلْ فيه خصومُه، فلن يستطيعوا أنْ ينكروا عليه البراعة، وشاعرٍ مهما يَقُلْ أعداؤه فلن يستطيعوا أنْ يجحدوا حظَّه من الإجادة، وتوفيقه إلى شيء كثير جدًّا من الإبداع.

وأريد أنْ أقف وقفة قصيرة عند هذه الصفحات التي قدَّمها العقاد بين يَدَيْ ديوانِه هذا لِأُقرَّه في غير تحفُّظ، على ما ذهب إليه فيها من أنَّ بين المجدِّدين قومًا يُقلِّدون في التجديد، فيخطئون الفهمَ، ويَعْدُون الصواب، ويتورَّطون في أحكام على الشعر والفن، لا خطر لها ولا غناء. وأنْ أُقِرَّه أيضًا في غير تحفُّظ على ما ذهب إليه في هذه الصفحات، من أنَّ للشاعر المجدِّد أنْ يطرق الفنون التي طرقها القدماء دون أنْ يمس ذلك تجديدَه أو يغُضَّ ذلك من براعته، بل قد يكون من الحق عليه أنْ يطرق هذه الفنون فيُجدِّدها ويبعث فيها حياة ملائمة للعصر والبيئة، ولميول الجيل الذي يعيش الشاعر فيه.

فليس المدح عيبًا من حيث هو مدح، وليس المدح فنًّا يجب أنْ يموت، وإنما المدح فن من فنون الشعر لا بدَّ من بقائه ما بقي الشعر، وما بقي بين الناس من يُجِيد ويُحسِن، وما بقي بين الناس من يرضى عن الإجادة ويحمد الإحسان للمحسنين. والهجاء فن من فنون الشعر لا بدَّ من أنْ يبقى ما بقي في الناس من يسيء، وما بقي في الناس من يحب نقد المفسد وتقويم المسيء.

وقُلْ مثلَ ذلك في غير المدح والهجاء من هذه الفنون التي طرقها القدماءُ من العرب وغير العرب، لا ينبغي أنْ تزول أو أنْ تُهجَر، وإنما ينبغي أنْ تتطور لتلائم غيرها من أساليب الحياة العقلية والفنية التي يحياها الناس على اختلاف البيئات والعصور.

ولكني وقفت مفكرًا بعضَ الشيء عند هذا التعريف، الذي أراد العقَّاد أنْ يُعرِّف به الشعر حين يقول:

وإنَّ مَنْ أراد أنْ يحصر الشعر في تعريف محدود لَكَمَنْ يريد أنْ يحصر الحياةَ نفسَها في تعريف محدود؛ فالشاعر لا ينبغي أنْ يتقيَّد إلا بمطلب واحد يُطوَى فيه جميعُ المطالب؛ وهو: «التعبير الجميل عن الشعور الصادق»، وكُلُّ ما دَخَلَ في هذا البابِ — بابِ التعبير الجميل عن الشعور الصادق — فهو شِعْر وإنْ كان مديحًا أو هجاء أو وصفًا للإبل والإطلال، وكل ما خرج عن هذا الباب فليس بشعر، وإنْ كان قصة أو وصف طبيعة أو مُخترَع حديث.

فالشِّعْر عند العقاد كالحياة ليس إلى حصره ولا إلى تحديده من سبيل، أو هو كالحياة يُحْصَر ويُحَدَّد، إذا أمكن حصر الحياة أو تحديدها! ولكن العقَّاد بعد ذلك يُعرِّف الشِّعْرَ بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وهو بهذا التعريفِ نَفْسِه قد حدَّد الشِّعْرَ وجعله أضيق من الحياة، فليست الحياةُ كلُّها تعبيرًا جميلًا عن شعور صادق، بل في الحياة شعور غير صادق يُعبَّر عنه تعبيرًا غير جميل، وفيها شعور كاذب يُعبَّر عنه تعبيرًا جميلًا، وفيها شعور صادق يُعبَّر عنه أحيانًا تعبيرًا جميلًا وتعبيرًا غير جميل.

وإذن؛ فليس الشِّعْر كالحياة لا سبيل إلى حصره، بل ليس الشعر كالحياة يُحصَر كما تُحصَر الحياة، ويُحدَّد كما تُحدَّد الحياة، وإنما الشعر لون من ألوان الحياة وتحديده ليس مستحيلًا ولا عسيرًا. وآية ذلك أنَّ العقاد نفسَه قد حاول هذا التحديد، فعرَّف الشِّعْرَ بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وجعل كُلَّ ما يدخل في هذا الباب شِعْرًا مهما يكن جوهره، وكل ما يخرج من هذا الباب لم يجعله شعرًا مهما يكن شكله وصورته وموضوعه.

وأظن أنَّ العقاد لم يُوفَّق في هذا التعريف، فماذا أراد بالتعبير الجميل أهو المنظوم أو المنثور؟ أم هما المنظوم والمنثور معًا؟ فإن تَكُنِ الأُولى فقد يدخل في تعريف الشعر من الكلام ما ليس منه، وإنْ تَكُنِ الثانية فقد يخرج الشعر المنظوم كله من هذا التعريف، وإنْ تَكُنِ الثالثة فكل كلام جميل يَصِف شعورًا صادقًا فهو شعر! وإذن، ففيمَ تقسيم الكلام إلى شعر ونثر؟! سيقول العقاد: إنَّ هذا التقسيم قديم لا غناء فيه، ولكن العقَّادَ نفسَهُ لم يُسَمِّ نثرَه شعرًا، ولم يُطلِق لفظ الديوان إلا على كلامه المنظوم، ووحي الأربعين — فيما أعلم — نَظْمٌ كله لا نثر فيه إلا الشرح والتفسير؛ فالتعريف إذن من هذه الناحية بعيد كل البُعد عن الدقة التي يُعرَف بها العقَّادُ.

ويزداد هذا البُعد إذا توسَّعْتَ بعضَ الشيء في معنى التعبير الجميل؛ فالتصوير تعبير جميل، والموسيقى تعبير جميل، والغناء تعبير جميل. فكُلُّ فنٍّ جميلٍ إذن، فهو شعر! وهذا كلام يقوله الكُتَّابُ حين يتجوَّزون، أو حين لا يحرصون على التحقيق، فأما إذا أرادوا الإصابة والدِّقَّة فلا بدَّ لهم من تحديد التعبير الجميل. هذا، ولا بدَّ لهم من أنْ يلاحظوا فيه الوزنَ والقافيةَ، أو الوزنَ دون القافية، أو الانسجامَ الموسيقيَّ على كل حال. وهذا الشعور الصادق، ما هو؟ وما عسى أنْ يكون؟ وهل يطمئن العقاد حقًّا إلى أنَّ كل ما يصفه الشعراء فيجيدون وصفه إنما هو نتيجة لشعور صادق حقًّا؟ أليس من الشعراء من يُجِيد الوصف لطائفة من العواطف لا يَجِدها ولا يشعر بها شعورًا صادقًا، وإنما هو يعرفها ويُحسِن معرفتها، ويواتيه الفن فيجيد وصفها، ويُعبِّر عنها تعبيرًا جميلًا؟!

وأظن العقَّاد يوافقني على أنَّ المعرفة الجيِّدة شيء، والشعور الصادق شيء آخر. والعقاد يَعْرِف — من غير شك — هذا المَثَل الذي ضربه أرسطاطاليس لبراعة الشعراء في التناقض، وهو مَثَلُ بندار حين طُلِب إليه أنْ يمدح بغلًا ولم يعجبه الأجر، فاستكبر وذم البغل، فلما ضُوعِف له الأجر، جعل هذا البغلَ فرسًا ذات جناحين! ومن المؤكد أنَّ بندار لم يكن يشعر شعورًا صادقًا لا بمحاسن هذا البغل ولا بعيوبه، وإنما كان يعرف هذه المحاسن والعيوب، وأعانه فنُّه فصورها تصويرًا بديعًا.

وكُلُّنا يعلم أنَّ الشعراء والخطباء يُروِّضون أَنْفُسَهم على مَدْحِ الشيء وذمِّه، فيُجِيدون في المدح والذم جميعًا، ويُعبِّرون عنهما تعبيرًا جميلًا دون أنْ يكون شعورهم بهما صادقًا من غير شك، أو كاذبًا من غير شك، إنما هي البراعة الفنية الخالصة. وإذن؛ فصدق الشعور قد يكون مزايا الشِّعْر ومحاسنه، ولكنه لن يكون ركنًا من أركان الشعر، ولو قد جعلنا صدق الشعور ركنًا من أركان الشعر؛ لأسقطنا أكثر الشعراء من تاريخ الأدب في جميع اللغات. ولم يُخطِئ القدماء حين قالوا: إنَّ أعذبَ الشِّعْر أكذبُه. ولم يخطئ أرسطاطاليس حين أباح للشعراء ما لم يُبِح للخطباء من الإسراف والإغراق؛ فلا بدَّ إذن من أنْ يُحقِّق العقادُ تعريفَهُ هذا للشعر، ومن أنْ يُحقِّق جزأيه جميعًا. ومع ذلك، فهل يَصْدُق هذا التعريفُ على وحي الأربعين؛ بحيث نستطيع أنْ نقول إنَّ هذا الديوانَ كله تعبيرٌ جميلٌ عن شعور صادق؟

أمَّا أنَّ شعورَ العقاد بكل ما وصفه في ديوانه صادقٌ فشيء أُحِسُّه في قُوَّة لا تقبل الشك ولا الرَّيْب. ولكن، بالقياس إلى بعض الأبواب، بالقياس إلى هذه الأبواب التي تظهر فيها شخصية العقاد ظهورًا واضحًا كل الوضوح، بالقياس إلى باب الغَزَل، مثلًا، هذا الذي تظهر فيه للعقاد شخصيَّة خفيفة الظِّلِّ جدًّا، حلوة الروح جدًّا، مُحِبَّة للحياة جدًّا، مُقبِلة على اللذة جدًّا، في حب لها واقتصاد فيها. انظر إلى هذه الأبيات:

يا له من فمٍ!

يا لها من شفَهْ!

يا لشهدٍ بها

كِدْتُ أنْ أرشفَهْ!

يا لزهرٍ بها

كدت أنْ أقطفَهْ!

حلوة، وَيْحَها!

غضة مرهفَهْ

حسرتي بعدها

حسرةٌ مُتْلِفَهْ

ألست ترى فيها شخصيةً تُحِبُّ الحياة وتَكْلَف بها، وتحب اللذة وتوشك أنْ تسرع إليها، لولا أنَّ شيئًا يصدها عنها صدًّا ويَرُدُّها فترتدَّ كارهة آسفة؟! وانظر إليه كيف وُفِّق إلى الإبداع في تصوير هذه المعاني السهلة المألوفة، في لفظ جميل عذب كله أنيق، وكيف استطاع أنْ يُصوِّر من وراء هذه المعاني اليسيرة المألوفة، التي يجدها الناس جميعًا، ويراها الناس جميعًا، معنى آخرَ ليس يسيرًا، ولا مألوفًا ولا شائعًا بين الناس، وإنما هو مقصور على الذين يُسلِّطون العقل على الحس، ويُحكِّمون الإرادة في العاطفة، ويَجِدون لذة في الرغبة الحادَّة يمسكها الحرمان الشديد؛ فالعقاد مفتون بصاحبته، مفتون بهذا الفم وهذه الشفة، شديد الظمأ إلى شهدها، شديد الميل إلى زهرها، يَوَدُّ ولكنه لا يفعل، ويكاد ولكنه لا يُحقِّق، ويجد لذة قوية في هذا الحب، وفي هذا الحرمان، يخرج عن طور اللذة الغرامية المألوفة إلى طور اللذة الفلسفية الخالصة.

في هذه الأبيات تظهر شخصية العقاد، كما هي، خفيفة جدًّا تهفو إلى الجمال وتصبو إليه، رزينة جدًّا تُؤثِر أنْ يكون استمتاعها بالجمال عقليًّا لا إثم فيه ولا جُناح.

في هذه الأبيات تظهر براعة العقاد، ويظهر كل ما يملأ قلب العقاد من غناء، يجمع بين الحلاوة والقوة، ويُغرِي المغنين بتلحينها في هذه الأبيات، يتحقق تعريف العقاد للشعر فهي تعبير جميل عن شعور صادق.

وقُلْ مِثْلَ هذا في هذين البيتين، وهما عندي من أجمل الشعر وأرقاه، وهما عندي يمثلان العقاد تمثيلًا صادقًا. يمثلان جُمُوحَهُ وتمرُّدَه، ويمثلان وداعته وطمأنينته.

لا أرى الدنيا على نور الضحى

حبذا الدنيا على نور العيون

هي كالرَّاوُوق للنور فلا

صفو إلا صفوها العذب المصون

فانظر إليه كيف نفر وشذ وجمح في الشطر الأول من البيت الأول، فلم يرَ الدنيا على نور الضحى، كما يراها الناس جميعًا، ولم يألفها على هذا النور، كما يألفها الناس جميعًا! ثم انظر إليه كيف ثاب وأناب وهدأ واطمأن وأحب هذه الدنيا، ولكن في نور العيون بعد أن اختُصِرَتْ وهُذِّبَتْ ونُفِيَتْ عنها الأعراضُ، واستُبْقِيَتْ منها الخلاصة الخالصة والصفو الذي برئ من كل كدر، حبذا الدنيا على نور العيون. ثم انظر إليه كيف فسَّر حُبَّه لهذه الدنيا المصفاة في هذا البيت الجميل:

هي كالراووق للنور فلا

صفو إلا صفوها العذب المصون

فالعقاد في هذين البيتين لا يحب الدنيا المبتذَلة التي يُرخِّصها نورُ الضحى، ويبيحها للناس جميعًا، وإنما يحب الدنيا المصونة الممتازة التي يحتويها نور العيون، ولا يبيحها إلا لطبقة خاصة من الناس؛ هم الشعراء.

فإذا أردت — ويجب أنْ تريد دائمًا مع العقاد — أنْ تتجاوز هذا المعنى الظاهر الذي يفهمه كل ذي حظ من الأدب، إلى الرمز الذي يريد إليه العقاد، وإذا ذهبت — ويجب أنْ تذهب دائمًا مع العقاد — مذهب الرمزيين الذين يَدُلُّون بالقليل على الكثير، وبالواضح على الخفي، فسترى أنَّ هذين البيتين — على قلتهما وقصرهما وضيقهما — يَسَعان كلَّ شيء ويُصوِّران نفسَ الشاعر ونظرها إلى كل شيء؛ فالعقاد لا يحب الابتذال، وإنما يحب الامتياز، ولا بأس عليه من ذلك ولا جناح عليه فيه، فالشاعر الذي يستحق هذا الاسمَ أرستقراطيٌّ بطبعه، وإنْ كان أقدر الناس على تصوير الديمقراطية وفهمها وإمدادها بالحياة.

وأكاد لا أشك في أنَّ شعور العقاد صادق في كل هذا الباب من الديوان، ولو أني ذهبتُ أُحلِّل الجيِّدَ من هذا الباب، وكله جيد، لما فرغتُ من التحليل في فصل ولا في فصول. وكم كنت أود لو أُتِيحَ لي أنْ أقف عند هذه القصيدة البديعة التي يسميها العقاد «المعاني الحية»، أو عند هذه الآية الشعرية التي يسميها العقاد «الغزل الفلسفي»، أو عند هذه الآية الأخرى من بين الموشحات، وهي التي سماها العقاد «ليلة البدر»؛ فقد اجتمع للعقاد في هذه القصائدِ الثلاثِ من محاسن الشعر الرائع ما لم يجتمع له في غيرها من قصائد هذا الديوان. اجتمع له صدقُ الشعور وعلوُّه، وصدق التصوير ودِقَّتُه، وصدق الحس وامتيازه، وجمال اللفظ الذي لا غبار عليه، واجتمع له التوفيق إلى المعاني النادرة التي قلَّما يقع عليها الشعراء عندنا، والمهارة في تأدية هذه المعاني بحيث يُخدَع عنها القراء والسامعين، فيُخيَّل إليهم أنهم يقرءون أو يسمعون شيئًا مألوفًا، وهم يقرءون ويسمعون كلامًا من أندر الكلام وأنفسه وأعلاه؛ كلامًا لا يصدر إلا عن شاعر حقًّا، اجتمع له في هذه القصائد جمال التعبير وصدق الشعور، وكاد يجتمع له جمال التعبير وصدق الشعور في كل هذا الباب، لولا ألفاظ تنبو عن سمعي وأحسبها تنبو عن سمع كثير من الناس، كلفظ المأرف في قوله:

لك وجه كأنه طابع الصد

ق على صفحة الزمان المأرف

فلست أدري لِمَ لا أحب هذه الكلمة في هذا البيت، ولِمَ أشعر بأنها قَلِقة لا تستقر في مكانها إلا كرهًا، ولِمَ أشعر بأنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى الزمان. وكلفظ الطين الذي أنْكَرَهُ غيري من النُّقَّاد على العقاد في قوله في القُبْلة:

هي كأس من كئوس الخالدين

لم يَشُبها المزج من ماءٍ وطين

فأنا لا أناقش في المعنى ولا أعتدي عليه بمحاولة إفساده أو الغض منه، ولكن ذوقي هذا الذي تأثر بأدبنا العربي القديم يَنْفِر، بل يَفِرُّ، من هذا الطِّين الذي يُقرَن بالقُبْلة، وأنا أفهم أنْ يعتذر الشاعر بصحة المعنى ودقته وامتيازه وارتفاعه من مألوف الناس، ولكني مع ذلك لا أطمئن إلى هذا الطين الذي تُقرَن به القُبلة، أو يُقرَن بها.

وهنا تظهر خصلة من خصال العقاد التي تُميِّزه من غيره من الشعراء المعاصرين؛ فهو من شعراء المعاني الذين يحرصون أشدَّ الحرص على تصحيح معانيهم، وتجويدها، وتمييزها، والارتفاع بها عن المألوف. ولكنهم لا يتكلفون مع الألفاظ ما يتكلفونه مع المعاني من تخيُّر وتدقيق في التخيُّر، ومن تحرُّج وغلو في التحرج. هم أتباع المعاني، وهم يزعمون أنَّ الألفاظ يجب أنْ تتبعهم وأنْ تدين لهم، وهم لا يطلبون إلى الألفاظ إلا أنْ تؤدِّي لهم معانيهم وتعرب عنها إعرابًا صحيحًا لا لبس فيه، فإن أُتِيحَ لها مع ذلك أنْ تكون جميلة جذلة ورقيقة عذبة فذاك، وإلا فليس عليهم بأس ولا جناح.

ولكن العقاد خليق بإحدى اثنتين: فإما أنْ يُصلِح تعريفَهُ للشعر فلا يشترط جمال التعبير، وإما أنْ يُصلِح مَذْهَبَه في الشعر، فيكون أحرص على تجويد اللفظ وتجميله وتزيينه في السمع والقلب مما هو الآن. وأنا أؤثر له الثانية، فليس من الحق في شيء أنَّ الشعر يستطيع أنْ يستغني عن جمال اللفظ بجمال المعنى وروعته، ولعله يستطيع أنْ يستغني بجمال اللفظ عن جمال المعنى أحيانًا؛ فالشعر موسيقي أولًا، وهو إذن متجه إلى السمع، فإذا استطاع أنْ يَخْدَع السَّمْعَ بجمال اللفظ وانسجامه، فقد يستطيع أنْ يخدع القلبَ والعقلَ، وقد يستطيع أنْ يكتفي بالسمع وحده. والخير كل الخير أنْ يُوفَّق الشاعر إلى الملائمة بين جمال اللفظ وجمال المعنى، والعقاد يُوفَّق إلى هذه الملاءمة كثيرًا، ولكنها تخطئه أحيانًا.

تخطئه حين ينسى نفسه، ويعمد إلى الفلسفة ويريد أنْ يكون فيلسوفًا موضوعيًّا — إنْ صح هذا التعبير — يَعرِض علينا الآراء الفلسفية في نفسها ومن حيث هي، دون أنْ يبعث فيها شيئًا من شخصيته، أو من حياته كأنه العالِمُ يُقرِّر أصلًا من أصول العلم أو قانونًا من قوانينه. في هذه الحال، يُتقِن العقادُ معانيَهُ ويصحِّحها تصحيحًا لا غبار عليه، ولكن هذا الإتقان والتصحيح يستغرق جهده أو أكثره، ولا يكاد يبقى له إلا ما يمكنه من النظم، وإذا شاعِرُنا مُفَكِّر من الطبقة الأولى، ولكنَّ نَظْمَهُ يُشبِه نَظْمَ أبي العلاء، تنقصه السلاسة والنصاعة وصفاء الديباجة، وهذا الانسجام الذي يخلب سمعك ويملك عليك أمرك ويجعلك نهبًا للشاعر يلقي في روعك ما يشاء.

كل هذه الخواطر تخطر لك حين تقرأ القسم الأول من وحي الأربعين. وأحب أنْ أكون منصفًا؛ فلا يكاد الإنسان ينظر في هذا الديوان وفي غيره من دواوين العقاد، حتى يُعجَب بالشاعر إعجابًا لا حدَّ له؛ لأنه رفع نفسه ورفع الشعر معه إلى عالم لم يتعوَّد شعراء العرب أنْ يعيشوا فيه، لا أكاد أستثني منهم إلا أبا العلاء. فالموضوعات التي يقصد إليها العقاد ويَنْظِم فيها الشِّعر موضوعاتٌ عالية كلها رفيعة، حتى إذا هبط العقاد إلى حيث يعيش الناس وشاركهم — فيما تعوَّدوا — أنْ يقرضوا الشعر فيه من الفنون لم يلبث أنْ يرتفع بهذه الفنون، ويُحلِّق بها في جو لا يكاد يرقى إليه الطرف.

وأكاد أجزم بأن العقاد لو استقامت له الألفاظ وأسمحت له اللغة، لما استطاع أحد في هذه الأيام أنْ يساميه، ولكن لغته لا تمكنه — مع الأسف الشديد — من أنْ يستمرَّ مُحلِّقًا في الجو، بل تثقل عليه وتثقل على معانيه، وتضطره إلى الهبوط، فيهبط ومن حقه أنْ يظل عاليًا. وهل يأذن العقاد في أنْ أُنْكِر عليه خصلةً أخرى في وحي الأربعين؟ وهي هذه الشروح التي يُقدِّمها بين يدَيْ طائفةٍ من قصائده الفلسفية، والتي تترك في النَّفْس أثرًا مؤلمًا ثقيلًا إلى حد ما، وتُخيِّل إلى القارئ أنَّ الشاعر قد تخيَّر بعضَ الموضوعات الفلسفية التي طرقها الناس من قبله وأتقنوها بحثًا ودرسًا فنظمها، ونظمها في غير توفيق إلى الوضوح؛ فقدَّم هذا الشرح بين يديها وجعل شِعْرَه أشبهَ بالمتون منه بالشِّعر حقًّا!

إنَّ الذين يقرءون شعر العقاد ويذوقونه هم المثقفون المستنيرون، الذين تعوَّدوا أنْ يقرءوا الشِّعْر وأنْ يفهموه، وأنْ يقرءوا شعرًا أصعب من شعر العقاد، وأشد منه إمعانًا في الغموض، فيستطيع العقاد أنْ يُحسِن بهم الظن، وأنْ يُخلِّي بينهم وبين شعره ليفهموه كما يريدون وكما يستطيعون.

وليس على العقاد بأس أنْ يُفهَم شعره أحيانًا على غير ما أراد هو؛ فمن يدري؟! لعله أنْ يكون هو مخطئًا، وأنْ يكون قارئه مصيبًا، ومن يدري؟! لعله أنْ يَعُود إلى شعره يقرؤه فيفهم منه غير ما كان أراد، قد يكون هذا عيبًا في النثر، ولكنه مزية من مزايا الشعر الرائع، ولو أنَّ لي أنْ أقترح على العقاد لطلبتُ إليه أنْ يلغي هذه الشروح الفلسفية في الطبعة الثانية لهذا الديوان، إنْ لم تكن قد تمَّتْ، فإني أعلم أنَّ الطبعة الأولى قد نفدت منذ حين.

ولست أدري لِمَ لا أريد أنْ أقِفَ وأنْ أختم هذا الحديث دون أنْ آخذ العقاد بملاحظة أخرى، أود لو يُقدِّرها ويُفكِّر فيها؟! وهي أنَّ التجديد في الشعر يتناول الألفاظ ويتناول المعاني من غير شك، ولكنه خليق أنْ يتناول الوزن أيضًا؛ فلكل نَفْسٍ مذهبُها في التفكير، ومذهبها في التعبير، ولكل نفس موسيقاها أيضًا.

وإذا صدق هذا بالقياس إلى الأفراد؛ فهو صادق بالقياس إلى الأجيال. والعقاد يعلم أنَّ كل نهضة في الشِّعْر خليقة بهذا الاسم تستتبع تغييرًا في الوزن، واستحداثًا لفنون جديدة من التوقيع. كان ذلك في شعرنا العربي في الشرق وفي الأندلس، وكان ذلك في غير شِعْرنا من الأمم، وكنت أحب أنْ يكون ذلك في شعرنا الحديث، وكنت أحب أنْ يكون العقاد من السابقين إليه، ولستُ يائسًا من ذلك؛ فإن العقاد رجل خصب النَّفْس، قوي الحس، دقيق الشعور. وأَخْلِقْ بمن تجتمع له هذه الخصال، ويكون له معها خيال قوي بعيد المدى أنْ يُجدِّد في الشعر فيُحسِن التجديد، وأنْ يتجاوز التجديد في الألفاظ والمعاني إلى التجديد في الأوزان والقوافي.

أعترف بأني قرأت وحي الأربعين مرتين، وأني أود لو أقرأه مرة ومرة، وأني واثق بأني سأَجِد في قراءته المُقبِلة من اللذة والمتاع، ما يجعلني فيها راغبًا وعليها حريصًا.

أهي المصادفة التي أرادت أنْ أتحدَّث عن العقاد وعن هيكل في مقال واحد، أم هو تشابه قوي أو ضعيف بين هذين الأديبين دعاني إلى أنْ أجمع بينهما في هذا الفصل، وإنْ كان الاختلاف بينهما شديدًا مُغْرِقًا في الشِّدَّة؟

أما الذي لا أشك فيه هو أنَّ ظهور ثورة الأدب ليس هو الذي دعاني إلى الجمع بين هذين الأديبين، فقد كنتُ أستطيع أنْ أُفْرِد لكل واحد منهما فصلًا، ولَعلِّي لو فعلتُ أرحتُ القارئَ وأرحتُ نفسي من الإطالة، ولَعلِّي لو فعلت فرغت لكل واحد منهما فوفَّيْتُه بعضَ حقِّه من النقد والثناء، ولكنِّي وجدْتُ نفسي مدفوعًا إلى أنْ أنْظِمَهُما في سلك، وأجمعهما في فصل، وأبحث بعد ذلك عمَّا دفعني إلى هذا. وأظن أنه الشعور الذي كنت أجده حين كنتُ أنتقل من شعر العقاد إلى نثر هيكل، ومن نثر هيكل إلى شعر العقاد، فقد كان يُخيَّل إليَّ أني أتنقَّل بين أديبين مختلفين غاية الاختلاف، وإنما كنت أنتقل من شِعْر كثيرًا ما يشبه النثر إلى نثر كثيرًا ما يشبه الشعر، وكلاهما يمتاز بالخصب والثروة والعمق، وكلاهما يمتاز بهذه الديباجة التي ينقصها الصفاء في كثير من الأحيان، وكلاهما يمتاز بإيثار المعاني وإهمال الألفاظ إلى حد بعيد.

وهل أنا في حاجة إلى أنْ أصف هيكلًا، وأَحمدُ قلبَهُ الزكيَّ وعقلَه القويَّ، وبصيرتَه النافذةَ وفهمَه الصحيحَ لحقائق الأشياء التي يَعرِض لها بالبحث والدرس؟! وهل أنا في حاجة إلى أنْ أصف هذا الخصب المدهش الذي يحار الإنسان في وصفه وفي تصويره، كُلَّما فكر في هذه الجهود الهائلة التي يبذلها هيكل في غير انقطاع ولا تواني ولا فتور، والتي تستطيع مع هذا كله أنْ تحتفظ بقوة متشابهة، لا يكاد يظهر فيها التفاوت، ولا يكاد يعرض لها الضعف؟! فهيكل صاحب صحيفة يُشرِف عليها ويُدبِّر أمورها، ويكتب فيها فصلًا في كل يوم على أقل تقدير، وهو عضو في حزب سياسي يشارك زملاءه فيما يعملون، ويتحدث إليهم كل يوم في السياسة، إذا كان الصباح وإذا كان المساء، وهو أديب يقرأ فيُكثِر القراءةَ ويُنوِّعها فيُحسِن تنويعها. يقرأ في الأدب العربي، ويقرأ في الأدب الإنجليزي، ويقرأ في الأدب الفرنسي، ويقرأ في السياسة، ويقرأ في التاريخ، والغريب أنه لا يكره أنْ يقرأ في علوم القانون، وإنْ كان من رجال القانون!

وهو على هذا كله، يكتب في الأدب في موضوعات مختلفة منه؛ يكتب في الأدب الإنشائي فإذا هو يَصِف فيُبدِع في الوصف، وإذا هو يقص فيُجِيد القصص، ويكتب في الأدب الوصفي، فإذا هو ينقض الشعر وينقض النثر، ويُوفَّق في هذا النقد إلى خير ما يطمع فيه الناقدون.

وهو على ذلك كله، أب وزوج لا يبخل على أسرته بحقها عليه، وهو صديق لا يبخل على أصدقائه بحقوقهم عليه، وهو رجل له مكانته الظاهرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وهو ينهض بما تستتبعه هذه المكانة من حقوق وواجبات.

والغريب مع هذا كله، أنك تلقاه فإذا رجل هادئ مطمئن، كأنه أَفَاقَ منذُ حِينٍ قصيرٍ من نوم مريح، فهو لم ينشط كل النشاط بعدُ، ولكنه بعيد كل البُعد عن الخمود والفتور، ولا تكاد تتحدَّث إليه دقائقَ حتى يَفْتِنك ويروعك، فكأنك تتحدث إلى جني، ولكنه جني عذب الروح لذيذ الحديث.

هذا هو هيكل، فالذي لا يقضي الإنسان عجبًا من قدرته على الإنتاج المتصل، في السياسة وفي أي سياسة، في الأدب وفي أي أدب، دون أنْ يظهر عليه ضعف أو إعياء أو شيء يشبه الملل.

أصبحتُ ذاتَ يوم لا أكاد أسمع صاحبي يتلو عليَّ صحيفةً من صُحُف الصباح إلا سمعت إعلانًا في هذه الصحيفة عن كتاب لهيكل جديد، هو «ثورة الأدب»، وكان الإعلان أمريكيًّا لا عهد لهيكل بمثله. فهيكل من أنشط الناس في الأدب والسياسة، ولكنه من أشدهم فتورًا في الإعلان، فقلت: يجب أنْ يكون هيكل قد تغيَّر، ومع ذلك فليس عهدي به بعيدًا، يجب أنْ يكون شيء من حوله قد تغير، يجب أنْ يكون الله قد رزقه عفريتًا في الإعلان، كما هو عفريت في الإنتاج! وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى أقبل رسول يحمل إليَّ نسخة من الكتاب.

وكنتُ أعرف هيكلًا بطيئًا في إهداء كتبه، وكثيرًا ما لُمْتُه في ذلك، وكثيرًا ما أسرفتُ في الإلحاح؛ لأظفر بنسختي مما كان يُصدِر من الكتب، فلم أزدد أمام هذه السرعة وهذا النظام إلا دهشًا، وما زلت إلى الآن دهشًا؛ لأني لم أفهم بعدُ مصدرَ هذه السرعة، وهذا النظام في الإهداء والإعلان!

ومهما يكن من شيء، فقد أسرعتُ فأعلنتُ كتاب هيكل إلى الناس في الكوكب، كما أعلنتْهُ الصحفُ الأخرى، ثم أسرعتُ فبدأتُ في قراءة الكتاب، ولم يُخِفْني عنوانُه؛ إما لأن صديقي هيكلًا لا يُخِيف مهما يُثَرْ، وإما لأن الثورة مهما تكن لا تخيفني. ولم أحتَجْ إلى هذا التفسير الذي خُيِّل إلى هيكل أنه محتاج إليه؛ لِيَفْهمَ الناسُ عنه هذا العنوانَ؛ فأي غرابة في أنْ يُسمَّى أي كتاب في الأدب الآن «ثورة الأدب»؟! وهل حياة الأدب العربي في هذه الأيام إلا ثورة متصلة؟! نحن ثائرون حين نُنشِئ، ونحن ثائرون حين نَصِف، ونحن ثائرون حين نَنْقُد؛ كل إنتاجنا الأدبي ثورة. حتى الذين يُسمُّون أنفسَهم محافظين، ويُلِحُّون في المحافظة، ويتمدَّحون بها، ويبتغون بها الوسيلة عند الذين يحبونها ويستغلونها، هؤلاء أنفسهم ثائرون يفرُّون من القديم الذي يحرصون عليه، يريدون أنْ يؤيِّدوه، فإذا هم يُجدِّدونه ويُغيِّرونه!

ويكفي أنْ تقرأ حتى في نور الإسلام، وهي المجلة الرسمية للأزهر، فسترى فيها ثورة ومحاولة للتجديد، وحرصًا على أنْ يظهر شيوخ الأزهر حين يفكرون ويكتبون ملائمين للعصر الذي يعيشون فيه. حياتنا الأدبية كلها ثورة إذن، وكل كتاب نكتبه في الأدب فهو ثورة الأدب؛ لذلك لم أقف طويلًا عند العنوان، وإنما أسرعتُ فمضيتُ في قراءة الكتاب.

لم أَجِدْ في الكتاب شيئًا جديدًا، وأرجو ألا يغضب هيكل؛ فالكتاب كله جديد، ولكنِّي أعرفه! لا لأني قرأتُ كثيرًا من فصوله حين نُشِرَتْ في السياسة اليومية أو الأسبوعية، بل لأني قرأتُه وسأقرأه كلَّه في هيكل كلما لقيتُه أو تحدثتُ إليه؛ فالكتاب صورة مُطابِقة أشدَّ المطابقة وأصدقها وأجملها لنفس الكاتب. تقرأ في الكتاب فترى هيكلًا وتسمع له، وقد تُنكِر الرأيَ من آرائه، فتهم بأن تتحدث بإنكارك هذا إلى هيكل كأنه جالس إليك تراه وتسمع منه، وتريد أنْ تأخذ معه في الحديث.

ليس في الكتاب شيء جديد؛ وهو لذلك من أخطر الكتب وأشدها غدرًا لك ومكرًا بك، تمضي فيه فيُخيَّل إليك أنك تمضي في كلام مألوف، ولكنك لا تكاد تفكر قليلًا فيما تقرأ، أو لا تكاد تُلِحُّ في القراءة، حتى يفتح هذا الكتابُ لك أبوابًا ويبسط أمامك آفاقًا ما كُنْتَ تعرفها أو تُفكِّر فيها من قبل، وإذ كل شيء جديد، وإذ كل شيء طريف، وإذا الكاتب يخدعك ويمكر بك، وإنْ لم يُرِد خداعًا ولا مكرًا.

أُرِيدُ أنْ أعطي قارئ الرسالة فكرةً دقيقةً عن هذا الكتاب، بشرط ألا أُلخِّصه ولا أحلِّله. لا لأني لم أقرأه كما ظن هيكل بصديقنا المازني، بل لأن تلخيصه يُفسِده ويذهب بجماله وقيمته الصحيحة، وكيف تُلخِّص في فصل واحد كتابًا يتناول التجديد والتقليد في الأدب، ويتناول القصص والتمثيل، ويتناول الأدب القومي، ويحاول الإنتاج في هذا الأدب القومي؟! كيف تريد أنْ تُلخِّص هذا الكتابَ على اختلاف ما فيه من ثمرات وألوان؟! لقد حاول صديقنا المازني أنْ يلخصه فلم يُوفَّق، ولولا أنَّ هيكلًا شك في قراءته للكتاب لَمَا تكلَّف المازنيُّ هذه المحاولةَ.

أريد إذن أنْ أعطي قارئ الرسالة فكرةً دقيقةً عن هذا الكتاب دون أنْ أُلخِّصه، ولَعلِّي أُوَفَّق إنْ لاحظتُ أنَّ لهذا الكتاب ناحيتين، فهو تاريخ صحيح دقيق للأدب العربي المصري في هذه الأعوام الأخيرة من جهة، وهو فلسفة أدبية رفيعة موضوعها أدبنا الحديث من جهة أخرى.

فإذا كنتَ تريد أنْ تعرف كيف نشأتِ الخصومةُ عندنا بين القديم والجديد، وكيف تطورتْ، وإلى أين انتهتْ، وما المؤثرات المختلفة التي ألحَّتْ عليها فقوَّتْها حينًا وأضعفتها حينًا آخر، وإذا كنتَ تريد أنْ تعرف مقدارَ ما كسبنا لأنفسنا من شخصية قوية أو ضعيفة في فنون الأدب على اختلافها في الشعر والنثر رسائل وقصصًا وتمثيلًا، وإذا كنت تريد أنْ تعرف الصورة التي نرسمها لأنفسنا من الأدب القومي، والحقيقة التي استطعنا أنْ ننتهي إليها من هذا الأدب، فأنت واجد هذا كله في هذا الكتاب، وأنت واجد مع هذا كله قصصًا هيكليًّا ممتعًا بديعًا.

ثم إذا كنتَ تريد أنْ تجعل الأدبَ موضوعًا للتفكير والفلسفة، كما يجعل الفلاسفةُ الطبيعةَ وما بعد الطبيعة موضوعًا لفلسفتهم وتفكيرهم، فيُحلِّلون ويُعلِّلون ويشرحون ويُفسِّرون ويتنبأون فستجد هذا كله في هذا الكتاب؛ فقد حلَّل هيكلٌ وعلَّل، وقد شرح هيكل وفسَّر، وقد أرَّخ هيكل وتنبأ، ووُفِّق هيكل إلى كثير جدًّا من الحق في هذا كله.

أَظْلِم هيكلًا وأَظْلِم نفسي إنْ قُلْتُ أنَّ إعجابي بكتابه يمكن أنْ يُحَدَّ؛ فهو مرآة صافية نقية صادقة لحياتنا الأدبية منذ وَضَعَتِ الحربُ الكبرى أوزارَها، ولكنِّي أظلم هيكلًا وأظلم نفسي إنْ قلتُ أني راضٍ عن كتابه كل الرضا، مُقِرٌّ بكل ما جاء فيه؛ فبين هيكل وبيني خصومة قديمة ما أرى أنها تنتهي لأنه لا يريد أنْ يُنهيَها! ولغة هيكل هي موضوع هذه الخصومة؛ فهيكل من أصحاب المعاني بين الكُتَّاب، كما أنَّ العقاد من أصحاب المعاني بين الشعراء، وهيكل يُهمِل لُغتَه إهمالًا شديدًا، ويتورَّط في ألوان من الخطأ واضطراب الأسلوب، يدنيه أحيانًا من الابتذال. والغريب أنه لا يضيق بذلك ولا يَجِد به بأسًا، ولا يعترف بأنه يُسِيء إلى نفسه وإلى أدبه معًا!

ولستُ أريد أنْ أُحصي عليه هذه العيوبَ، ولا أنْ أضرب لها الأمثال؛ فهو لا ينكرها ولا يراها عيوبًا، ولعله يتمدَّح بها أحيانًا وهو مخطئ من غير شك؛ فإن من المؤلم أنْ تبدو معانيه الجميلة الرائعة في ثياب رثة بالية في كثير من الأحيان.

وهيكل كالسَّيْل؛ إذا عرض لموضوع اندفع فيه فجاءَ بالجيِّد الكثير، ولكنه لا يَسْلَم أحيانًا من الغثاء؛ فكثيرًا ما يتورَّط في الخطأ لأنه يُسرِع ولا يتكلف التحقُّق والتثبُّت في بعض مسائل التاريخ. انظر إليه في المقدمة يريد أنْ يذكر الأودسا، فيذكر الإنيادة ويضيفها إلى اليونان! والإنيادة هي قصيدة فرجيل، وهيكل يعلم ذلك حق العلم، ولكنه نسي وصحَّح كتابَه، ولم يخطر له أنْ يتحقق مما يكتب.

وانظر إليه في موضع آخر، حين يَذكُر تحرُّرَ الفرنسيين من آثار اليونان والرومان في القرن السابع عشر، كيف يذكر لابروير وموليير وهو يعلم حقَّ العلم أنَّ أولهما تأثر من غير شك بتيوفرايست، وأنَّ الثاني تأثر من غير شك بتيرانس وبلوت! وتستطيع أنْ تأخذ هيكلًا بطائفة غير قليلة من هذا الخطأ، الذي مصدره الإهمال والسرعة، وشيء من الازدراء لتحقيق المحقِّقين. ولو أني عرفتُ أنَّ هيكلًا يحفل بنقد الناقدين، أو نُصْح الناصحين لألححتُ عليه في أنْ يتخذ لفصوله الأدبية مصفاةً — إنْ صحَّ هذا التعبير — يُصفِّي بها ما يَكْتُب؛ فيُزيلَ منه الخطأَ اللغويَّ، ويزيلَ منه الإهمالَ في بعض الحقائق التاريخية!

أَمُتَّفِق أنا بعد هذا كله مع هيكل في آرائه كلها حول القديم والجديد؟ ما أظن إلا أننا نتفق في أكثرِها ونختلف في أقلِّها، ولعل اختلافنا أنْ يكون ناشئًا من شيئين؛ أحدهما: هذا الإهمال الذي آخذ به هيكلًا، والذي يدفعه إلى المبالغة ويضطره إلى التقصير أحيانًا. والثاني: أنَّ هيكلًا رجلٌ أديبٌ، ولكن اشتغاله المتَّصِل بالسياسة قد أثَّر في تصوُّره للأشياء وحُكْمِهِ عليها بعضَ الشيء.

فهو يُسرِف حين يُسيء الظنَّ بما يكتبه الأوربيون عنا حين يمسون حياتنا الأدبية؛ فما أظن أنَّ «جيب» وأمثاله يتخذون السياسة وأهواءها مقياسًا لدراساتهم الأدبية، وهو يُسرِف أيضًا حين يُحسِن الظنَّ بنا وبحظنا من الخيال، وقُدْرتنا على الإنتاج. ولكنه رجل سياسي حتى حين يكتب في الأدب، يريد أنْ يُدافِع عن مصر والشرق، كما يفعل في السياسة، ويريد أنْ يُرضِي المصريين والشرقيين، كما يفعل في السياسة. أَمَّا أنا فأريد أنْ أدافع عن مصر والشرق، وأريد أنْ أُرْضِيَ مصرَ والشَّرْقَ، ولكن بشرط ألا يُوَرِّطني هذا في تغيير الحقائق العلمية، أو ما مسها بشيء من التشويه ولو قليلًا؛ فالحق آثر عندي من أي شيء، ومن أي إنسان.

أما بعدُ، فمهما نأخذ به كتابَ هيكل هذا، فلن نغُضَّ منه، ولن يستطيع أحد أنْ يُنْكِر أنَّ هيكلًا هو المؤرِّخ العربي للأدب العصري الحديث، وأنه قد فرض بذلك نَفْسَهُ، ولا أقول على هذا الجيل وحده، بل أقول على الأجيال المُقبِلة أيضًا، وأنا واثق كُلَّ الثقة بأن كتابه هذا سيصبح من المصادر القيِّمة للذين يريدون أنْ يدرسوا أدبنا المصري في نهضته هذه الحاضرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.