ليس من اليسير في هذا الطور الحديث من أطوار العالم أن تُحدَّد مواضع العلل التي تصيب السياسة الدولية، فأي أزمة تُثار في أي مكان، ولأي سبب من الأسباب تُحْدِث أثرها فورًا في الحياة السياسية لهذا العالم الجديد الذي أُلْغِي فيه الزمان والمكان، وأصبح على رغمه كائنًا واحدًا يتأثر كله بما يصيب أي جزء من أجزائه من العلل والآفات.

وليس من شك في أن إحدى الأزمتين اللتين أُرِيدُ أن أتحدث عنهما الآن قد نشأت في الشرق الآسيوي، وليس من شك كذلك في أن الأزمة الثانية قد نشأت في الغرب الأوروبي، ولكن من المحقق أن العالم كله متأثر بهاتين الأزمتين في هذه الأيام تأثرًا شديدًا، وأن مراكز هذا التأثر تقع في موسكو، ولندرة، وواشنطون، وباريس، وغيرها من العواصم التي يمكن أن يكون لها شأن في السياسة العالمية من قريب أو من بعيد.

أما الأزمة الأولى، فهي هذه التي أُثِيرَتْ في إيران منذ ظهرت الحركة الاستقلالية في أذربيجان، وقد كان من الطبيعي ألا تتجاوز الأزمة حدودها المعقولة، فهناك قسم من أقسام إيران يريد أن يحقق استقلاله الداخلي؛ لأنه ليس راضيًا عن النظام السياسي والاجتماعي في وطنه الخاص، وفي الوطن الإيراني كله، وقد همت الحكومة المركزية في طهران أن ترد هذا الإقليم إلى الطاعة، وطبيعة السيادة الإيرانية تقتضي أن يُترَك مثل هذا الأمر للإيرانيين يدبرونه كما يشاءون، أو كما يستطيعون … فإما أن تكون الحكومة المركزية عظيمة القوة شديدة البأس، فترد الأمر إلى نصابه وتُكْرِه الثائرين على الإذعان، وإما أن تكون هذه الحكومة ضعيفة متراخية فيظفر الثائرون بما يريدون.

هذه طبيعة الأشياء، ولكن إيران لم تكن خالصة لنفسها حين ثار الساخطون من أهل أذربيجان، وإنما كان الروسيون يحتلونها في الشمال، وكان البريطانيون والأمريكيون يحتلونها في الجنوب.

وكان هذا الاحتلال أثرًا من آثار الحرب قد نظمته معاهدة بين الحلفاء والإمبراطورية الإيرانية، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة على أن هذا الاحتلال لا يمس السيادة الوطنية، كما نُصَّ فيها أيضًا على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد أن تضع الحرب العالمية أوزارها بستة أشهر، فلما همَّتْ حكومة طهران أن ترسل قواتها لترد أهل الشمال إلى الطاعة أَبَتْ عليها روسيا هذا التصرف الذي هو من أخص مظاهر السيادة الوطنية، ثم تجاوزت الإباء إلى المنع المادي، فوقفت للقوات الإيرانية تريد أن تردها عن أذربيجان، واضطرت هذه القوات إلى أن تعود، كما اضطرت القوات المرابطة في أذربيجان إلى أن تستسلم، وكذلك خُولِفَتِ المعاهدة بأن أصبح الاحتلال الروسي مناقضًا للسياسة الوطنية، مانعًا لها من أن تظهر في أيسر مظاهرها، وهو إقرار النظام في أرض الوطن.

وقد اشتد الجدال في هذه المشكلة بين إيران وروسيا من جهة، وبين الحلفاء أنفسهم من جهة أخرى.

ولكن هذا الجدال لم يُغْنِ شيئًا، فقد استمسكت روسيا بموقفها مُحتجَّة بأن تدخُّل الحكومة المركزية قد ينشأ عنه إخلال بالأمن وسفك للدماء، وأنها تريد أن تمنع ذلك في الجزء الذي تحتله من إيران. وقد كانت أمريكا أسرع الدول المتحالفة إلى إيثار العافية، فنفضت يدها من احتلال إيران، واستردَّتْ قُوَّتَها قبل حلول الموعد المضروب لذلك، وأصبحت بذلك قادرة على أن تتكلم غير مهتمة ولا متعرضة للريب والشكوك.

أما بريطانيا العظمى فقد أيدت إيران في موقفها، واحتفظت بقُوَّتِها المحتلة في الجنوب، وظهر للناس في وضوح وجلاء أن في الأمر تنافسًا خطيرًا بين البريطانيين والروسيين، وأن أولئك لا يريدون أن يجلوا إلا إذا جلا هؤلاء.

وأسباب هذا التنافس أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالتنافس بين الدولتين قديم لمكان إيران بالقياس إلى الهند من جهة، وبالقياس إلى الشرق العربي من جهة أخرى، وبالقياس إلى تركيا وروسيا من جهة ثالثة، ولمكان منابع البترول في إيران أيضًا، ولأن الإنجليز والأمريكيين قد استأثروا بخط من البترول الإيراني، فمن الطبيعي أن يطمع الروس في أن يستأثروا منه بنصيب أيضًا.

وكذلك ظهر التنافس عنيفًا بين الدولتين الحليفتين في وقت كان يُظَنُّ فيه أن مثل هذا التنافس قد انقضى عهده، وجعل البريطانيون من جهة يتهمون الروسيين بالتوسع والجشع، كما جعل الروسيون يتهمون البريطانيين بالتسلط والقهر وتأييد النظم الرجعية في إيران وغير إيران.

ثم انعقدت جماعة الأمم المتحدة في لندرة، وانْتُخِب مجلس الأمن، فأثار الإيرانيون مشكلتهم في الهيئتين، وظن الروسيون أن الإنجليز هم الذين دفعوا إلى هذه الإثارة، فكالوا حلفاءهم صاعًا بصاع، وأثاروا بأنفسهم مشكلة اليونان ومشكلة إندونسيا.

والقراء يعلمون ما كان من الجدل حول هذه المشكلات، ويعلمون أن التجربة دلت على أن هاتين الهيئتين الدوليتين لم تبلغا سن الرشد بعد، ولم تستطيعا التغلب على ما يُثار أمامهما من المصاعب. وهما من أجل ذلك لم يقضيا في المشكلة الإيرانية، وإنما طلبا إلى الطرفين المختصمين أن يتفاوضا، وأن يظهرا مجلس الأمن على تطور المفاوضات.

وقد استقالت وزارة في إيران وقامت مقامها وزارة أخرى، وذهب رئيس الوزارة الجديدة إلى موسكو وأخذ في المفاوضات، ولكن الزمن لا يستقر ولا يحب الوقوف، وإنما هو ماضٍ في طريقه دائمًا يسبق الحوادث ولا تسبقه الحوادث، أو يسبق إرادة الناس ولا تسبقه إرادة الناس؛ ولذلك جاء اليوم الثاني من شهر مارس قبل أن تتم المفاوضات أو تنتهي إلى غايتها، وأصبح محتومًا على الحلفاء أن يوفوا بالعهد ويجلوا جنودهم عن إيران، فأما البريطانيون فقد جلوا بالفعل، وأما الروسيون فقد أظهروا استعدادهم للجلاء ثم قرروا البقاء.

وكذلك ظهر أن إحدى الحليفتين قد احترمت المعاهدة، وهي بريطانيا العظمى، وأن الأخرى لم تحترمها، وهي روسيا. ونشأ عن ذلك ما يسميه البريطانيون أخطر أزمة أُثِيرَتْ بعد الحرب، وهذا واضح؛ فقد كان الناس يعتقدون أن المنتصرين لن يُقْدِموا على نقض المعاهدات، ولا نكث العهود المبرمة؛ فإقدام روسيا على ما أقدمت عليه يلغي كل ثقة لا في الوعود المبذولة، فقد ضاعت الثقة في الوعود منذ زمن بعيد، بل في المعاهدات المبرمة، وإذا ضاعت الثقة في المعاهدات فقد أصبح النظام الدولي كله عبثًا.

ولذلك طلب البريطانيون والأمريكيون إلى موسكو أن توضح لهم حقيقة الموقف الروسي ومداه، وما زالت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية تنتظران هذا التوضيح، فلننتظر معهما، فقد يكون لروسيا ما تقوله، وقد يكون من سبق الحوادث أن نقضي في الأمر بغير علم.

ولكن هذه القصة الإيرانية وغيرها من القصص قد أظهرت في وضوح أن الأمور لا تجري سلسة هينة بين الحلفاء الثلاثة، وليس أدل على هذا من ذلك التهديد الذي صرح به وزير الخارجية الأمريكية منذ أيام حين أعلن أن أمريكا لن تقر العدوان ولن تسمح به، ومن هذا التهديد الذي صرح به المسيو تشرشل حين خطب في أمريكا يوم الثلاثاء، فطلب تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية لصيانة العالم المسيحي من خطر الشيوعية الدولية.

وخطاب المستر تشرشل خطير حقًّا، وهو في الوقت نفسه متهافت حقًّا … خطير؛ لأن هذا التحالف موجه ضد روسيا، ما في ذلك شك، ومتهافت ضعيف؛ لأن مستر تشرشل يريد أن تقوى جماعة الأمم المتحدة، وأن يكون لها جيش مشترك يكفل الأمن العالمي، ويريد في الوقت نفسه أن يطوي عن جماعة الأمم المتحدة أسرار القنبلة الذرية، فكأنه يريد أن تصبح هذه الجماعة أداة في أيدي السكسونيين يسيطرون بها على العالم.

وواضح أن روسيا لن تقر شيئًا كهذا، وأن أوروبا قد تكون لها كلمتها وإن كانت ضعيفة، وأن الأمم الأخرى غير الأوروبية مضطرة إلى أن تقف موقف الارتياب من هذا كله، ومن جماعة الأمم المتحدة نفسها التي تذكرنا بالعصور القديمة حين كانت الشعوب المتأخرة تصنع آلهتها بأيديها. فجماعة الأمم المتحدة لا قيمة لها إذا لم تستمد قوتها من إخلاص القلوب في حب الحق، والعدل، والمساواة …

هذه إحدى الأزمتين، أما الأزمة الثانية فتقع كما قلت في غرب أوروبا، حيث يقوم النظام الفاشي في إسبانيا، والناس جميعًا يعلمون أن الثورة الفاشية في إسبانيا هي التي دفعت أوروبا إلى الحرب الثانية. وقد انتهت الحرب، وكان من الطبيعي أن ينهار النظام الفاشي في إسبانيا كما انهار في كل مكان. ولكن الجنرال فرانكو ما زال مسيطرًا على أمر الشعب الإسباني العظيم، وصفوة هذا الشعب مفرقة في أقطار الأرض … يريد أكثرها العودة إلى النظام الديمقراطي الجمهوري، ويريد أقلها العودة إلى النظام الديمقراطي الملكي.

وقد حاول الحلفاء أن يُغيِّروا هذا النظام بالحسنى فلم ينجحوا، وهمت فرنسا الآن أن تصطنع شيئًا من الحزم، وأن تَحْمِل بريطانيا العظمى وأمريكا على مشاركتها في ذلك، ولكنها لم تظفر منها إلا بأيسر المشاركة في الرأي. فأما روسيا فبغضها لفرانكو معروف، وليس بينها وبينه صلات سياسية، وكل ما وصلت إليه الديمقراطية في غرب أوروبا وفي أمريكا هو أنها أنذرت الشعب الإسباني بأنها لا تقر نظامه القائم، وطلبت إليه أن ينشئ لنفسه حكومة ديمقراطية، وإلى هذا الحد يقف التدخل البريطاني الأمريكي.

أما فرنسا، فحكومتها متأثرة بالرأي العام، وهي من أجل ذاك أغلقت الحدود بينها وبين إسبانيا، وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى قطع العلاقات السياسية.

أما هذا التردد البريطاني الأمريكي فتعليله بسيط جدًّا، يرجع إلى المنافع المادية من جهة، وإلى الإشفاق من إسراع الديمقراطية الإسبانية نحو الشمال، ومن تكوُّن كتلة شيوعية خطيرة في غرب أوروبا.

وكذلك نلاحظ أن حب المنتصرين للديمقراطية مهما يكن قويًّا شديد الحرارة، فإن المنافع الاقتصادية وخوف التطرف من جهة أخرى يعرفان كيف يُلطِّفان هذه الحرارة، ويَرُدَّانها إلى القصد والاعتدال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.