لم يعرف الائتلاف الذي يحكم مصر الآن قوة رهيبة مهيبة كهذه القوة الفتية الهائلة التي تجري نشيطة مرحة في جميع المؤتلفين؛ فقلوبهم كلها صافية لا يشوبها كدر، ولا يعرض لها قليل أو كثير من سوء الظن، ونفوسهم كلها متفقة لا تنحرف واحدة منها عن الطريق التي رسمت يوم قام الائتلاف، ولا يعرض لها شيءٌ من الاختلاف في الرأي، أو التنافر في الهوى، أو التباين في المذهب. وكلمتهم كلها سواء ليس فيها عوج، وليس فيها شذوذ، وإنما هو صوتٌ واحدٌ مطرد قوي، لا يرتفع أكثر مما ينبغي، ولا ينخفض أكثر مما ينبغي، صوت موسيقي رائع قد انسجمت أنغامه، وعذبت ألحانه، واستقامت طريقته، ودلَّ كل شيءٍ فيه على أن المؤتلفين قد بلغوا ذروة الائتلاف، وانتهوا به إلى غايته، وأخذوا يجنون ثمرته لذيذة حلوة تملأ النفوس أملًا ورجاءً.

وأيسر الأدلة على ذلك منظر مدينة القاهرة في أوقات السلم والحرب، فمدينة القاهرة الآن كرة يتقاذفها السلم والحرب، تخلص للسلم يومًا، وتخلص للحرب يومًا، ويصطدم فيها هذان العدوان يومًا آخر. خلصت للحرب يوم عاد رئيس الوفد من الإسكندرية، فكانت حرب أي حرب، ثم كان انتصار أي انتصار. قال قوم: إنه كان انتصارًا لأهل القاهرة الذين طغوا على قوة الائتلاف، فحيَّوا رئيس الوفد كما أرادوا أن يُحيُّوا، وكرَّموا زعيم الشعب كما أرادوا أن يكرموا، ولم تستطع قوة الائتلاف أن تبلغ منهم شيئًا، ولا أن تحوِّلهم عما أرادوا.

وقال قوم: إنه كان انتصارًا لقوة الائتلاف؛ لأنها أكرهت رئيس الوفد على أن يسعى إلى داره مستأنيًا متمهلًا، وعلى أن يرى الكرَّ والفرَّ، والإقدام والإحجام، وكان رئيس الوفد يحرص على أن يبلغ داره في أسرع وقت ممكن، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يبلغ داره في أبطأ وقت ممكن. وكان رئيس الوفد يريد أن يصل إلى داره صامتًا لم يقل شيئًا، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يخطب الجماهير في ميدان من الميادين العامة.

وليس المهم أن يكون المنتصر هو جمهور الشعب أو قوة الائتلاف، وإنما المهم هو أن القاهرة كانت في لهفة للحرب في ذلك اليوم، ثم خلصت لحرب أخرى منكرة في غد ذلك اليوم، دلَّت قوة الائتلاف فيها على أنها متفوقة كل التفوق، ممتازة كل الامتياز، ساحقة ماحقة لا تبقي ولا تذر، وأبلى رئيس الوزراء فيها بلاءً حسنًا رائعًا حقًّا، فأخذ بيده بعض الأسرى، وأسلمهم إلى رجال الشرطة، ثم عاد إلى مكتبه موفورًا يشرف من قرب ومن بُعدٍ على إنهاء الأعمال الحربية التي لم يكن بدٌّ من إنهائها بعد أن انصرف عن الميدان.

وقد عرف المصريون له ذلك، فأثنوا به عليه، وعرفه له الإنجليز خاصةً، فأثنوا على هذا البطل الذي يجمع بين السياسة والعمل، ويخاطر بنفسه في ميدان القتال. والأصل في القادة أن يديروا الحرب من بعيد، ثم ظلت القاهرة مترددة بين السلم والحرب، فإذا كانت الحرب اصطدمت قوة الائتلاف بخصومها من عناصر الفوضى، فمنعت اجتماع مصر الفتاة، ومنعت تكريم رئيس الغرفة التجارية، وضايقت المصلين حيث يصلي رئيس الوفد، وانتصرت في هذه المواقع كلها انتصارًا مؤزَّرًا. وإذا كانت السلم فهي سلم مسلحة؛ لأن التجارب أظهرت أن السلم العزلاء خطرة كل الخطر، ورئيس وزرائنا مجرب يحسن الانتفاع بالتجارب، فهو لا يحب السلم العزلاء، وإنما يحبها سلمًا مدججة بالسلاح، بادية الأظافر والأنياب، مستعدة لما يشاء مكرم باشا من الانقضاض في أي وقت، أو الانقضاض في أي زمان.

وتنتشر الشرطة في أنحاء المدينة مستعدة للعمل في كل لحظة، وترابط القوة في المواقع الاستراتيجية الخطيرة الحساسة، مستعدة للانتشار في شكل مروحة مرة، وفي شكل كماشة مرة أخرى، كما كان يقال منذ وقت قصير.

ومن أهم المواطن الخطرة والمواضع الحساسة تلك الدار التي يقيم فيها رئيس الوفد، فعناصر الفوضى تزورها مصبحة، وتزورها ممسية، حتى توشك هذه الدار أن تعرض أمن الدولة كلها للخطر؛ ولذلك حوصرت أشد حصار، وضيق عليها وعلى أهلها أشد تضييق، وقالت لسان الحال لرئيس الوفد: لو أنك عدت من الإسكندرية كما يعود الناس جميعًا فلم يحتفل بك أحد، ولم يجتمع للقائك شعب، لكفيت هذه المضايقة، ولأعفيت دارك من الحصار، ولأعفى زائروك من هذا العنت. وقال لسان الحال لزوار رئيس الوفد: لو أنكم تركتم رئيس الوفد يذهب ويجيء كما يذهب الناس ويجيئون، فلم تحتفلوا به ولم تجتمعوا له، ولم تحتشدوا لتحيته؛ لأتيحت لكم زيارته في غير مشقة، ولأبيح لكم لقاؤه في غير عناء. فأما وأنتم تحبونه فذوقوا ثمرة الحب، وأما وهو يحبكم فليذق ثمرة الحب أيضًا. وليس للحب قيمة إذا لم ينغصه العواذل والرقباء، فليكن بينكم وبين رئيس الوفد من الحب ما تشاءون، وليكن لنا نحن من القول والمراقبة ما نشاء.

ثم لا يقف احتياط السلم المسلحة عند هذا كله، فرئيس الوزراء رجلٌ قويٌّ جدًّا، ولكنه — مع الأسف — لا يستطيع أن يقف دورة الفلك، ولا أن يؤخر اختلاف الليل والنهار، وكرُّ الغداة ومرُّ العشي، وإنما الزمن يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ شهر نوفمبر، ثم يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ التاسع من شهر نوفمبر، وما هي إلَّا ليال قليلة حتى يبلغ الزمان هذا اليوم الفظيع الشنيع الذي رفعت مصر صوتها فيه مطالبة بالاستقلال.

وقد تعود المصريون أن يكبروا هذا اليوم ويعظموه ويحتفلوا به، وكان رئيس الوزراء فيما مضى ينظم هذا الاحتفال، وينفق في تنظيمه والاستعداد له الأيام والأسابيع، ولكن الدنيا قد تغيرت، وأصبح رئيس الوزراء زعيم الائتلاف الذي يحكم مصر، والعالم كله ينظر إلى مصر في هذه الأيام الشداد كما قال رئيس الوزراء نفسه منذ حين، وما ينبغي أن ينظر العالم إلى مصر فيراها مُحتفلةً بالجهاد، فقد انقضى وقت الجهاد، أو مُطالبةً بالاستقلال، فالوزارة وحدها هي التي تطالب بالاستقلال متى حان الوقت المناسب.

الوقت المناسب في رأي رئيس الوزراء، أو في رأي وزير الخارجية البريطانية، أو في رأيهما معًا، لا في رأي الهيئة السياسية، ولا في رأي مجلس الوزراء، فهما يريان أن الوقت المناسب قد حان منذ زمن بعيد، ولعله الآن قد فات. مهما يكن من شيء، فيجب أن ينظر العالم إلى مصر فيراها وادعةً قانعةً راضيةً بما قسم الله لها، مقبلة على البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والطعام والشراب إن وجدت طعامًا وشرابًا، والجوع والظمأ إن لم تجد طعامًا ولا شرابًا.

يجب أن ينظر العالم إلى مصر، فلا يرى فيها استعدادًا للاحتفال، أو مطالبة باستقلال، فهذا كله خليق أن يسيء رأي العالم في مصر، وأن يحط مكانتها بين الأمم، ومن أجل ذلك تمنع المظاهرات منعًا قاطعًا، وتمنع إقامة السرادقات، ويمنع الانتفاع بمكبرات الصوت.

ولكن هذه مسألة أخرى، ولها وجوه أخرى من التأويل، فمكبرات الصوت هذه قد تؤذي صوت رئيس الوفد حين يلقي خطبته السياسية إلى الجماهير، والجماهير تحب هذا الصوت فيجب ألَّا تسمعه، ورئيس الوفد يحب التحدُّث إلى الجماهير، فيجب ألَّا ينتهي صوته إليها. أليست قوة الائتلاف تقوم بين الشعب وزعيمه مقام العاذل والرقيب بين العاشقين؟

والناس يتساءلون عن حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الانتقال، وعن الدستور الذي كفل هذه الحريات، وعن الوعد الذي قطعته الوزارة على نفسها بأنها ستحترم هذا الدستور في نصه وروحه جميعًا، وعن المرسوم الذي صدر بإلغاء الأحكام العرفية، ولكن الشعب المصري ساذج طيب القلب، يصدِّق كل ما يقال له، ويتقبل كل ما يلقى إليه، ولا يجهل إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن الحياة في هذا البلد العزيز، وفي هذا العهد السعيد تقوم على الكلام الذي يُقال في الليل فيمحوه ضوء النهار، ويُقال في النهار فتنسخه ظلمة الليل.

أليس هذا كله يدل دلالة قاطعة ساطعة على أن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام أشد قوةً، ولا أعظم بأسًا مما هو الآن. فلو كان الائتلاف ضعيفًا لما أظهر هذه القوة المادية الهائلة، على أن له قوة معنوية أشد هولًا، وأعظم خطرًا من قوته المادية، فقد يُقال: إن الحزب السعدي نفسه ليس متفقًا ولا مجتمع الكلمة. وقد يُقال: إن رئيس الحزب الوطني ليس مستريح النفس ولا مطمئن القلب. وقد يُقال: إن رئيس الكتلة ليس هادئ النفس ولا مستقر الفؤاد، وإنه يشتط على الوزارة ويطالب بنوع من الجلاء لا تبقى بعده مطارات ولا طائرات ولا قواعد بحرية للإنجليز، كأن الوزارة مستعدة لقبول جلاء تبقى بعده المطارات والطائرات والقواعد البحرية للإنجليز.

وقد يُقال: إن أستاذ الجيل في البأس والبطش، وفي تمرين الشعوب على الطاعة وأخذها بالقناعة، وتعليمها الخنوع والخضوع ليس راضيًا ولا منشرح الصدر، يستقيل من الهيئة السياسية، ثم يسترد استقالته على مضض، يقدِّم رجلًا ويؤخر أخرى، وينظر في السماء ثم ينظر في الأرض، ويستخير الله ويستشير الأصدقاء، ثم يقبل الترشيح لرياسة مجلس النواب منافسًا بذلك مرشح الحزب السعدي.

كل هذا يُقال، ويُقال أكثر منه، وكل هذا يخيل لأصحاب القلوب الطيبة والنفوس الساذجة أن الائتلاف يريد أن ينقض أو يريد أن ينفض، ولكن هذا هو الوهم كل الوهم، والخطأ كل الخطأ، فلم يكن الائتلاف في يومٍ من الأيام أشدَّ قوةً، ولا أعظم بأسًا، ولا أمتن بناءً مما هو الآن. وليس هذا الاختلاف أو ليست هذه المظاهر للاختلاف إلَّا دليلًا على قوته ومتانته وقدرته على البقاء؛ لأنه ائتلاف من نوع جديد، ومن طراز خاص، يزيده اختلاف أعضائه قوةً، فكلما ذهب أعضاؤه مذاهب متباينة متضادة متناقضة، وخُيِّل إلى الناس أنهم لن يلتقوا؛ أُتيح لهم حبل يشد أو يمد، وإذا هم يلتقون ويجتمعون حتى يصبحوا كأصابع اليد الواحدة، وهذا الحبل هو بغض مصطفى النحاس وتنحية الوفد عن الأمور العامة.

وما دام القوم يتفقون على بُغض مصطفى النحاس، ويأتلفون على تنحية الوفد في الشئون العامة، فأمورهم على خير دائمًا، وليس عليهم من اختلاف الرأي واختلاف الهوى.

والمهم هو أن يدعم العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منقض. ورحم الله تلك الفتاة العربية التي رأت جماعة من الشعراء قد أقبلوا مؤتلفين يلتمسون أباها، فلما سألتهم عمَّا يريدون منه قالوا: نريد أن نقارضه الشعر، فردَّتهم مُستخذين ببيت واحد قالته هي ولم يقله أبوها:

تجمعتو من كل أوب ووجهة

على واحد لا زلتمو قرن واحد

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.