لعل رئيس وزرائنا الجديد، صدقي باشا، كان أسرع الناس إلى الإغراق في الضحك حين أُعلِن إليه وإلى غيره أنه قد كسب الثقة في مجلس النواب. وأقول إلى الإغراق في الضحك، فصدقي باشا ضاحكٌ دائمًا، سواء وثب إلى الحكم أو لم يثب إليه، سواء وثق به النواب أو ضنوا عليه بالثقة. هو ضاحك دائمًا. فإذا أتيح له ما يسره لم يضحك؛ لأن الضحك لا يفارقه، وإنما يزداد في الضحك إمعانًا وإغراقًا. وأكبر الظن أنه أغرق في الضحك مساء الاثنين حين قيل له: إن النواب قد منحوه الثقة. والشيء المحقق هو أنه لم يضحك وحده، وإنما ضحك معه النواب أيضًا وضحك معه الشعب كله.

ومن الضحك ما يكون بكاء في مصر كما يقول الشاعر القديم، وسواء أكان هذا الضحك بكاء أو لم يكن، فإن معانيه كانت تختلف أشد الاختلاف فيما بينها، حيث أُعلن أن صدقي باشا قد ظفر بثقة النواب. كان من معانيه السخرية ببعض الأحداث التي لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر ولا تُغيِّر من الحقائق الواقعة شيئًا؛ فلو قد رفض النواب ثقتهم بصدقي باشا لانحلَّ مجلس النواب، ولأقام صدقي باشا في الحكم لينشئ مجلسًا جديدًا، وليستصدر دستورًا جديدًا.

فقد أقبل صدقي باشا إلى مجلس النواب متحديًا. لم تثبته الثقة في الحكم، فكان يعلم ذلك حق العلم، ويطمئن إليه كل الاطمئنان، فلا غرابة في أن يغرق في الضحك حين يقال له: إن النواب قد منحوه الثقة. وكان النواب أنفسهم يعلمون ذلك حق العلم، ويثقون به من قبل أن يثقوا بصدقي باشا؛ فمنهم من صارح نفسه بالحق، وصارح صدقي باشا بالحق أيضًا، وقال لنفسه ولصدقي باشا وللناس: لا بدَّ مما ليس منه بد، وقال لنفسه ولصدقي باشا وللناس أيضًا: لأنْ يحكم صدقي باشا ونحن معه خير من أن يحكم ونحن غارقون في المدن والقرى. ومن لم يستطع أن يصارح نفسه بشيء من هذا؛ لأن استقالة النقراشي باشا لم يكن حبرها قد جفَّ بعدُ، ولأن بقية من حياء لا تزال مستقرة في بعض النفوس.

وهم من أجل ذلك لم يثقوا بصدقي باشا حياءً من النقراشي باشا، الذي كان يتوسل إليهم في أن يرفضوا هذه الثقة، ولكنهم من أجل ذلك أيضًا لم يرفضوا هذه الثقة؛ لأنهم يستحيون من الرئيس الجديد كما يستحيون من الرئيس القديم، ولأنهم يخافون من الرئيس القديم، ولأنهم يخافون من الرئيس الجديد كما كانوا يخافون من الرئيس القديم. فليؤثروا مذهب المرجئة، وليؤجلوا ثقتهم إلى أن يبعد العهد باستقالة النقراشي، وليسرعوا من غدٍ إلى رئيس الوزراء ليبينوا باللفظ الصريح أو بالإشارة الدالة أن امتناعهم لم يكن رفضًا ولا تحديًا، وإنما كان حياءً؛ إبقاءً وإيثارًا للعافية.

وآخرون لم يشجعوا ولم يستحيوا ولم يحفلوا، وإنما خرجوا بالتغيب عن المنح والمنع، وعن الإقدام بالإحجام، فأراحوا واستراحوا وتركوا الأمور تصرف نفسها كما تشاء، وهؤلاء ضحكوا من الواثقين ومن الممتنعين ومن الناهضين بأعباء الحكم، ومن الذين تخففوا من أعباء الحكم، ومن أنفسهم أيضًا؛ لأنهم لا يحفلون بأحد ولا يحفلون بشيء، وإنما يضحكون من كل أحد، ومن كل شيء. وأمَّا ضحك الشعب فصدقي باشا أعلم الناس وأقدر الناس على فهمه وتفسيره.

وكذلك ظفر صدقي باشا بالثقة الشكلية، ولم يظفر بالثقة الصحيحة؛ فقد أيَّده خمسة ومائة من النواب، ونكل عن تأييده ستون ومائة من النواب، ولكن صدقي باشا يحب الإشكال ويكلف به أكثر مما يكلف بأي شيء آخر. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الناس جميعًا دون أن يتخلف منهم أحد أو أن يمتنع منهم أحد، لأغرق صدقي باشا في الضحك، ولكان فيما بينه وبين نفسه عالمًا كل العلم أنه لم يظفر بشيء؛ ففاقد الشيء لا يعطيه. وقد ينبغي أن يظفر النواب بثقة الشعب قبل أن يمنحوا هذه الثقة للوزراء.

وصدقي باشا يعلم، والنواب يعلمون معه، أن الشعب لا يثق بهم؛ لأن صدقي باشا يعلم، والنواب يعلمون معه، ومكرم باشا يعلم أيضًا كيف انتُخب النواب، فالقوم جميعًا يعلمون أن الأمة المصرية تعيش في مزاح منذ عام وأكثر من عام.

ظفر إذن صدقي باشا بالثقة دون أن يظفر بها، ولكن المهم أنه قد تبوأ الحكم كما يقول في لغته الممتازة، وأنه يطالب بأن ينسى الناس ماضيه القديم، ويذكروا برنامجه الجديد، فمِمَّا ينبغي أن ينسى الناس أن بين جديد الرجل وقديمه ستة عشر عامًا. فما يقول؟ يا للعجب! أيستطيع الناس أن يذكروا الأحداث التي مر عليها هذا العدد المتصل من السنين؟ ولكن الناس يذكرون أحداثًا أخرى لم تمر عليها الأعوام، وإنما مرت عليها القرون. يذكرون المستبدين القدماء في مصر وفي غير مصر، ويذكرون هؤلاء المستبدين القدماء بالضبط حين يذكرون صدقي باشا؛ لأنه أحيا لهم ذكرى المستبدين في ماضيه هذا الذي يراه بعيدًا، ويراه المصريون قريبًا، أقرب جدًّا مما يظن.

فالأسر التي قُتِل أبناؤها في ماضيه القريب لم تمت بعدُ، والذين مَزَّقت جلودهم السياط في ماضيه القريب لم يموتوا بعدُ، والذين أصابتهم الجراحات واشتملتهم السجون في ماضيه القريب لم يموتوا بعدُ، والذين نُكِبوا في أموالهم وأنفسهم وأخلاقهم في ماضيه القريب لم يموتوا بعدُ، والذين شُدَّ بعضهم إلى البعض في الحبال وجُرُّوا كذلك مشدودين إلى مراكز الشرطة في المدن والقرى لم يموتوا بعدُ.

كل هؤلاء وغير هؤلاء ما زالوا أحياء، لم ينسوا صدقي باشا ولا عهد صدقي باشا، وهم لا يسمعون اسمه إلَّا ذكر بعضهم فقيدًا شهيدًا، وأحس بعضهم ألمًا مبرحًا في جسمه أو في نفسه؛ لأن صدقي باشا قد ترك حين أُنزِل عن كرسي الحكم آثارًا كثيرةً باقيةً في النفوس والأجسام.

والناس لا يذكرون عهد صدقي باشا إلَّا ظهر لعيونهم ونفوسهم لون مخيف، مخيف جدًّا؛ لأنه يذكِّر بالدم المسفوك. والناس يعلمون حق العلم أن اسم صدقي باشا آية من آيات الإيجاز والاختصار، فصدقي باشا أمةٌ وحده، واسم صدقي باشا برنامج وحده؛ فهو لا يحتاج إلى أن يضع برنامجًا طويلًا أو قصيرًا مفصَّلًا أو مجملًا ليفهم الناس أنهم بإزاء القسوة التي لا تخاف من شيء، ولا تتحرج من شيء، ولا ترى بأسًا بإقامة المدافع في شوارع مصر، والتطويف بمتراليوز في أنحاء المدينة، وإطلاق الرصاص عند أول نبأة في غير تحفظ ولا إبقاء على شيء.

والناس يعلمون أن هذا الاسم معناه القسوة الاجتماعية التي لا تحب عدلًا ولا قصدًا ولا إنصافًا، والتي تكره أشد الكره أن يتعلَّم الجاهل، ويَطعَمَ الجائع، ويَنعمَ البائس، ويَسعدَ الشقي، ولا تتحرج من أن تكتب في الصحف أن الحكومة تُخطئ حين تأذن باستيراد البرتقال من فلسطين؛ لأن في ذلك إرخاصًا للبرتقال المصري، ومضايقةً للأغنياء المصريين، وليس من الضروري أن يأكل الفقراء وأواسط الناس برتقالًا.

الناس يذكرون هذا كله، ويذكرون أكثر من هذا كله حين يسمعون اسم صدقي باشا. ليسوا في حاجة إلى أن يوضع لهم برنامج جديد، وليس من سبيل إلى أن يُمحى من نفوسهم برنامج قديم؛ لأن اسم صدقي باشا هو البرنامج القديم والجديد في وقت واحد. وأغرب ما في الأمر أن صدقي باشا كان يتحبب يوم الاثنين إلى النواب، فيذكِّرهم بالجبهة التي ألَّفت وأنشأت هذا العهد السعيد، ويؤكد لهم أنه إنما قبل الحكم ليحفظ هذا العهد السعيد فلا يزول، ويقوم بناؤه فلا ينهار.

تبارك الله، فإن هذا العهد السعيد قد أُقيم على رغم الشعب، وصدقي باشا يعلم ذلك حق العلم؛ فهو إذن قد قبل الحكم ليحتفظ بالشعب في هذه الحال المنكرة، يُحكَم فيها على غير إرادته، وتُصرَّف أموره بغير مشيئته، ويقضى في حقوقه بغير رضاه. وصدقي باشا يكفيه أن تؤيده جبهته التي لا تمثل إلَّا القلة القليلة، ولا يعنيه أن يرضى الشعب أو أن يسخط — نستغفر الله — بل صدقي باشا لا يعنيه أن ترضى عنه القلة أو لا ترضى، ولا يعنيه أن يؤيده الشعب أو أن يخذله.

تبارك الله، وصدقي باشا يعلم أن هذا العهد السعيد الذي أنشأته جبهته تلك قد كلَّف الوزارة المستقيلة عناءً ثقيلًا، وأخرجها من الحكم داميةَ اليد داميةَ الضمير، وهو يقبل الحكم وينهض بأعبائه ليؤيد هذا العهد السعيد الذي أدمى الضمائر والأيدي. وأي غرابة في ذلك؟ فصدقي باشا لا يكره اليد التي تحمر له اليد، ويحمر لها الضمير أيضًا.

أمَّا بعد، فإن صدقي باشا يذكر النوَّاب بأن هذه الأيام خطيرة كل الخطورة. وهذا حق، فقد تمر أعوام كثيرة قبل أن تتعرض مصر لمثل ما تتعرض له الآن من هذه الأمور الحاسمة، وطبيعة هذه الأيام الخطيرة، وطبيعة هذه الأمور الخاصة، وطبيعة هذه المواقف السياسية التاريخية.

كل هذا يقتضي أن يتخلى صدقي باشا عن الحكم، وأن يحل مجلس النواب، وأن يرد إلى الشعب أمر الشعب ليختار نوَّابه حرًّا كريمًا، لا مسخرًا ولا مستكرهًا على ما يريد، ثم ليفاوض الإنجليز عن يقين وثقة: فإما أن يستخلص منهم الحق كاملًا، وإمَّا أن يقف منهم موقف العداء الصريح، لا موقف الولاء المريب.

أمَّا بعد؛ فإني أحب أن يلتفت صدقي باشا والذين وثقوا به، والذين أرجئوا ثقتهم به، وأن يلتفت الشعب المصري كله إلى مصادفة غريبة حقًّا، غريبة كل الغرابة؛ فقد علم الناس يوم الجمعة الماضي في آخر النهار وأول الليل أن صدقي باشا ينهض بأعباء الحكم، وأن السير رونالد كمبل يُختار سفيرًا لبريطانيا العظمى في مصر، وبين الرجلين مودة قديمة، وتعاون قديم أيضًا. هذه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكن من المصادفات ما يدعو إلى الالتفات ويحمل على التفكير.

وأمَّا بعد آخر الأمر، فإن هذه الجبهة التي ألفها صدقي باشا وأصحابه، والتي وثبت إلى الحكم منذ عام وأكثر من عام، والتي لا تمثل إلَّا القلة القليلة، والتي لا يدل بقاؤها في مناصب الحكم إلَّا على الاستهانة بالشعب، والاستخفاف بأمره، والاستهزاء بحقه في الحرية والكرامة. هذه الجبهة قد هزلت عامًا وبعض عام، ولكن هزلها قد أخذ يستحيل إلى مأساة، إلى مأساةٍ تُسفك لها دماء المصريين على أرض مصر، وتوشك أن تضيع لها حقوق المصريين من خارج مصر.

وإذا استحال الهزل إلى جد، وإذا تحولت الدعابة إلى مأساة؛ فقد يجب على القلة أن تروي وتفكر وتتدبر العواقب، وتتقي يومًا تأخذها فيه الأحداث من كل مكان، فلا تغرق وحدها، وإنما يغرق معها قوم أبرياء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.