هذه الجاذبية العجيبة هي ما نُسمِّيه الحنين؛ الحنين إلى الأرض التي وُلدنا فوقها، ونشأنا عليها، وقضينا طفولتنا وصبانا في ربوعها. لنا إلى هذه الأرض حنين يتشبث بأنفسنا ما عشنا، وهذا الحنين هو الذي يدفعنا لنقل رفات من يتوفاهم الله إلى أوطانهم لتُدفن رفاتهم في ثرى هذه الأوطان.

كنت مسافرًا في سنة ١٩٤٧ من الإسكندرية إلى نيويورك على الباخرة الإيطالية «فولكانيا» أحضر اجتماع الأمم المتحدة. وقد رأيت على الباخرة سيدة تدور سِنُّها حول الخامسة والأربعين، ومعها طفلة عرَفت من بعدُ أنها ابنتها وتبلغ العاشرة من سنها. وكانت البنت تتكلم الإنجليزية بلهجة أمريكية سليمة. أما الأم فكانت إنجليزيتها ضعيفة غاية الضعف، وكانت تتكلم العربية. وتحدثت إليها، فعلمت أنها أرمنية الأصل، وأنها نزحت مع زوجها إلى الولايات المتحدة طلبًا للثروة، وأن الله فتح أمامهم أبواب الرزق واسعة؛ مما جعل الحياة أمامهم هينة لينة، قالت: إن نفسي لتهفو كل عام أو كل بضعة أعوام لزيارة مسقط رأسي، وإن لم يكن قد بقي لي من الأهل فيه أحد، لكني حريصة على أن تعرف ابنتي أين وُلدَت أمها، وأين وُلد أبوها. قلت: وأحسب أنها حريصة كذلك على أن تستمتع بالهواء وبالمناظر التي أحاطت بالأم في طفولتها، فذلك يبعث إلى نفسها من السعادة حظًّا غير قليل.

وقد اعتلَّت صحة المرحوم داوُد بركات في سِنِي حياته الأخيرة، ولم يُفِدْهُ الطب كثيرًا في إعادة النشاط والحيوية إليه. وقد كان قبل علته جمَّ النشاط قويَّ الحيوية، فلما لم يَجد أطباؤه في عقاقيرهم ما ينفعه، قال له أحدهم: اذهب إلى وطنك الأول لبنان، واذهب فيه إلى الضَّيعة التي وُلدتَ بها ونشأت فيها. واستمع الرجل إلى هذه النصيحة، فلما أقبل الصيف ذهب إلى لبنان، وقضى به زمنًا حول الضيعة التي نشأ فيها. ولقيته بعد أن عاد من هناك فإذا هو قد استعاد صحته ونشاطه. وسألته: أي العقاقير كنت تتناول في لبنان؟ وكان جوابه: لم أتناول عقاقير قط، إن هواء طفولتي وصباي هو الذي أتم هذه المعجزة، فأعاد لي صحتي ونشاطي وحيويتي. وعاش الرجل بعد ذلك سنوات يذكر رحلته هذه إلى مسقط رأسه ومرتع صباه، ويَذكر كَم أفادته هذه الأرض التي خرج منها وشب فوقها؛ ولهذا أكثرَ من التردد عليها.

وأذكر أني قضيت في باريس عامين كاملين أثناء دراستي بها. فلم أعد أثناء هذين العامين إلى مصر قط، بل ذهبت في رحلات قصيرة إلى سويسرا وإنجلترا وإيطاليا. وكان السفر في ذلك العهد هينًا ميسورًا. وبعد السنتين جئت إلى مصر أقضي بها إجازة قصيرة. ونزلت من الباخرة في بورسعيد، ولم أكن قد رأيتها من قبل قط؛ فلم تستوقفني. وأقلني القطار إلى الزقازيق؛ فلم تأخذ المناظر المحيطة بالقطار أثناء سيره بناظري. فلما انتقلت في الزقازيق إلى القطار الذي نقلني إلى محطة بلدنا — والذي أقلني قبل ذلك عشرات المرات أثناء دراستي بالقاهرة — بدأ الشعور العاطفي يحرِّك فؤادي. فلما نزلت المحطة وامتطيت الجواد الذي تعودت امتطاءه من قبل، وسرت به على الطريق المؤدية إلى قريتنا وإلى منزلنا، شعرت كأن أبواب الجنة فُتحت أمامي، وشعرت بأن هذه الأرض التي أسير عليها تحتوي في جوفها كل أسرار الهناء والسعادة.

ولست أصور ما شعرت به حين دخلت القرية، وحين لقيت أهلي فتلقَّوني بين أحضانهم، وأخذوا يقبلونني. فمثل هذا الشعور ليس من السهل وصفه وتصويره.

وقد رأيت غير مرة في لبنان مهاجرين مقيمين في أمريكا الجنوبية، متمتعين فيها بالرزق الواسع والثراء العظيم، لكنهم يشعرون بأرض الوطن تجذبهم إليها ليسعدوا بها ولو أسابيعَ أو شهورًا يذكرون بها مولدهم، ونشأتهم الأولى.

أية جاذبية هذه تجر الإنسان إلى أمه الأرض طوعًا أو كرهًا، سعيدًا بالعود إلى التراب الذي نشأ منه ويتمنى لو يعود إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.