بدأ التوتر بين الدول العربية وإسرائيل يشغل حيزًا بارزًا في السياسة الدولية؛ فشُغل به كبار الساسة، وشُغل الرئيس أيزنهاور حتى استغرقت عنايته به جانبًا كبيرًا من مؤتمره الصحفي الذي عُقد بالبيت الأبيض يوم الأربعاء الماضي. وقد شُغل به رئيس الولايات المتحدة رغم مشاغله العديدة بمشاكل السياسة العالمية الأخرى، كالقنبلة الهيدروجينية، وطلب روسيا الانضمام إلى حلف الأطلنطي، واحتجاج جانبٍ كبير من الرأي العام البريطاني على توسُّع أمريكا في الإنتاج الذري.

وطبيعي أن يستغرق هذا التوتر حيزًا بارزًا من اهتمام السياسة الدولية، وأن يبعث بعض الساسة على التخوُّف من أن يصبح الشرق الأوسط مثار الشرارة التي تندلع منها نيران حرب عالمية. ولهذا أشار الرئيس أيزنهاور بقوله: إن ثورة العواطف بين الدول العربية وإسرائيل قد بلغت حدًّا لا يمكن التكهُّن بما قد يتمخض عنه، وأنه لذلك يطلب إلى المسئولين في هذه الدول جميعًا أن يحدُّوا من نشاط المتطرفين فيها.

ولعل ما حدث في مجلس الأمن هو الذي دفع رئيس الولايات المتحدة إلى أن يُصرِّح بما سبق؛ فقضايا العرب وإسرائيل هي أهم ما يشغل مجلس الأمن في الآونة الحاضرة. وقد وقفت روسيا من مشكلة مرور السفن في قناة السويس والنزاع عليها بين مصر وإسرائيل موقفًا لم تكن تتوقعه الدول الغربية؛ إذ استعملت روسيا حق الفيتو في هذا النزاع. والمنازعات القائمة بين الأردن وإسرائيل، والمشاكل التي قد يجُرُّ إليها الخلاف بين سوريا وإسرائيل، وبين لبنان وإسرائيل هذا كله وما إليه من مثله من شأنه أن يثير الهواجس، ويدعو إلى الخوف من المستقبل خوفًا يبلغ بالرئيس أيزنهاور إلى أن يقول: إن التكهُّن بما يمكن أن ينشأ عن التوتر بين العرب وإسرائيل غير ممكن.

وليس الرئيس أيزنهاور هو وحده الذي تحدَّث عن هذه المخاوف؛ فالدول الثلاث الغربية الكبرى — إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا — تتفاوض اليوم فيما بينها عمَّا هو حادث بين العرب وإسرائيل لمناسبة حوادث الحدود التي تكررت في هذا الشرق الأوسط. فإذا ذكرنا أن هذه الدول الثلاث هي التي أذاعت منذ سنتين أو نحوهما تصريحها المشترك بأنهم لن يرضوا عن تغيير الأوضاع التي قررتها اتفاقيات الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل وإن أحوج الأمر إلى استعمال القوة إذا ذكرنا هذا وقارناه إلى مفاوضاتهم اليوم بشأن ما يجري في هذه المنطقة من العالم، أدركنا أن الأمر جدُّ خطير، وأن لمخاوف الرئيس أيزنهاور ما يسوِّغها، ثم أدركنا أن علينا — نحن أهل البلاد العربية — واجبًا أن نعير هذا الموضوع من العناية الكبرى ما هو جدير به، وأن نقدِّر لكل نتائجه واحتمالاته.

ويدعو الدول العربية إلى العناية بالأمر عناية خاصة أن إسرائيل أصبحت لا تُعنَى بقرارات لجنة الهدنة، ولا بقرارات مجلس الأمن، بل لقد انسحبت من لجنة الهدنة أخيرًا حين لم يعجبها قرارها بشأن ما وقع على حدود الأردن. فأما إذا صدر قرار لمصلحتها من لجنة الهدنة، أو مجلس الأمن، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنها تبالغ في التنويه به، بل تبالغ في التوسُّع على حسابه. وقد شجعها على ذلك أنها كانت تلقى في السنوات الأخيرة تشجيعًا من الدول الغربية الثلاث، ولا ترى اعتراضًا من روسيا السوفييتية؛ فكانت لذلك تندفع سادرة في غيها وغلوائها، حتى بلغ الأمر هذا الحد الذي أثار مخاوف أيزنهاور، ومخاوف إنجلترا وأمريكا وفرنسا.

ومن حسن المصادفة أن تنعقد في هذه الآونة دورة الجامعة العربية، وأن يَعرض عليها ممثل الأردن ما يقع من اعتداء إسرائيل على حدود الأردن وعلى أهله، وأن تجتمع اللجنة السياسية للجامعة العربية وتنظر الموضوع كله، وأن يعود مجلس الجامعة للانعقاد غدًا الإثنين كي ينظر فيما تعرضه عليه اللجنة السياسية. ولست أشك في أن المجلس سيتناول بالبحث والتمحيص كل ما أشرت إليه من أقوال رئيس الولايات المتحدة، وموقف روسيا السوفييتية في مجلس الأمن، ومفاوضات الدول الغربية الثلاث، كما لا أشك في أنه سيتداول فيما يجب على الدول العربية إزاء هذا الموقف المحفوف بالخطر. وأكبر رجائي أن يوفَّق المجلس إلى وضع قرارات تنقذ البلاد العربية من الخطر، وتنقذ العالم كله من احتمالات مخوِّفة قد تنتهي إلى حرب عالمية ثالثة.

ولا يظن أحد أنني أبالغ حين أتحدث عن هذه الاحتمالات المخوِّفة. فإن حربًا تنشأ في الشرق الأوسط بين الدول العربية وإسرائيل قد تؤدي إلى نتائج لم تكن حرب كوريا لتؤديَ إليها، ولا يُحتمل أن تؤديَ إليها حرب الهند الصينية؛ فبلاد الشرق الأقصى بعيدة عن المعترك الدولي بُعدًا يجعل من اليسير تحديد نطاقها؛ ومن ثم تحديد خطرها. فأما إذا وقعت حرب في الشرق الأوسط فمن المتعذَّر تحديد نطاقها؛ فتركيا تجاور لبنان وسوريا والعراق، وتركيا إحدى دول ميثاق الأطلنطي، وليس بين العراق وروسيا إلا رقعة ضيقة من إيران. من هذا يتضح جليًّا أن شرارة تندلع في هذا الشرق الأوسط سهل أن تمتد إلى ما وراءه من بلاد الكتلتين الشرقية والغربية؛ ويسهل لذلك أن تتطور إلى حرب عالمية تنفجر أثناءها القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية، وتعرَّض حضارة الإنسانية — بل الإنسانية كلها — إلى كارثة لا يعلم مداها إلا الله.

وإنني لأعتقد أن الدول الكبرى — والدول الغربية بنوعٍ خاص — قديرة على أن تعالج هذا الموقف وأن تجنِّب العالم الكارثة المحتملة إذا هي امتنعت عن مد إسرائيل بالمعونة الحربية والمعونة الاقتصادية على نحو ما تفعل اليوم، وبخاصة بعد أن ثبت أن الدول العربية تحترم اتفاقيات الهدنة، وأن إسرائيل هي التي تخرق هذه الاتفاقيات عن عمْد منها في كثير من الأحيان، ولن يكون حرمان إسرائيل من معونة الدول الغربية ظلمًا لها؛ فالدول العربية لا تتلقى معونة من أحد ولا تطلبها، والدول العربية تقف من خصومتها مع إسرائيل في حدود الحصار الاقتصادي، وليس عدلًا أن تطالب بالعدول عن هذه السياسة، وهي ترى من إنشاء دولة إسرائيل خطرًا عليها وظلمًا لها لا يقل في نظر التاريخ عن الظلم الذي نزل ببولونيا حين تقسيمها في القرن التاسع عشر. والحصار الاقتصادي لم يتطوَّر من جانب الدول العربية إلى عدوان مسلح أو تهديد بالعدوان المسلح. أما إسرائيل فتهدد باستئناف الحرب ضد الدول العربية غير عابئة بما يمكن أن تجره هذه الحرب على العالم كله من نتائج.

تستطيع الدول الغربية إذنْ أن تحُول دون وقوع الكارثة بالعدول عن معاونة إسرائيل حربيًّا واقتصاديًّا. فإن هي لم تفعل، فلتُعاونِ الدول العربية حربيًّا واقتصاديًّا كما تعاون إسرائيل. ومعاونتها للدول العربية تخفف — لا شك — من غلواء إسرائيل، وتضطرها إلى احترام اتفاقيات الهدنة. ولن تكون الدول الغربية في هذه الحالة مخالفة سياستها هي — سياسة الاستعداد للحرب لمنع الحرب. ولا محل لأن تخشى هذه الدول الكبرى أن يعتديَ العرب على إسرائيل، أو أن يعدلوا عن الاكتفاء بسياسة الحصار الاقتصادي. فهم يعلمون أن مجازفتهم بالعدوان تمنع المعونة عنهم وتضاعف المعونة لإسرائيل مضاعفة تُخشى نتائجها.

لست واثقًا من أن تسمع الدول الغربية لما أقول؛ فتمتنع عن معاونة إسرائيل أو تعاون الدول العربية. وليس من الحكمة أن تنتظر الدول العربية حتى تقرر الدول الكبرى سياستها في الموضوع، بل إن عليها أن تُعِير الأمر منذ اليوم عنايتها الكبرى، وأن يبحث مجلس الجامعة في دورته الحالية ما يجب على الدول العربية فُرادى ومجتمعة أن ترسمه من خطط لدرء الخطر عنها، بصرف النظر عمَّا يمكن أن يتطوَّر إليه التوتر الحاضر في السياسة العالمية. فسواءٌ تطور إلى حربٍ عالمية أو بقي محصورًا في نطاق هذا الشرق الأوسط، فإن على دول الجامعة العربية أن تقدِّر لاحتمالاته فيما يتعلق بها قبل أن تقدِّر لاحتمالاته في السياسة العالمية، والدول العربية لا تستطيع أن تعيش مهددة في كل حين بما قد يُسفر عنه هذا التطور من أحداث. وما وقع على حدود الأردن، وعلى حدود سوريا، وعلى حدود مصر نذير لهذه الدول جميعًا بما يهددها من خطر محدق إذا هي لم تجمع كلمتها في صدق وإخلاص. والساسة العرب يعلمون أن مطامع السياسة الصهيونية ليست محصورة في نطاق إسرائيل بحدودها الحالية، بل تتحدَّث المؤتمرات الصهيونية عن دولة يهودية تمتد من الفرات إلى النيل. وليس فيما يقع على حدودنا وحدود الدول العربية الأخرى ما ينفي الخوف من أن تندفع إسرائيل يومًا ما إلى تنفيذ هذه السياسة.

ولو أنها اندفعت إلى ذلك في مستقبل قريب أو بعيد، فويل لكل دولة عربية أيُّ ويل. إنها يومئذٍ للذلة أكبر الذلة، ويومئذٍ يكون بطن الأرض خيرًا من ظهرها على تعبير حيي بن أخطب حين حارب النبي العربي عليه السلام اليهود وأجلاهم عن شبه الجزيرة العربية.

فليفكِّر الساسة العرب المجتمعون اليوم في القاهرة في هذا الأمر الخطير بما هو جدير به من عنايةٍ وإقدام، وليعلموا أن الشعوب العربية كلها تنظر إليهم وتنتظر ما يقررون.

هدانا الله جميعًا سواء السبيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.