‏شوقي في روايته يجاري بغير تفكير، ولو فكَّر لما أجداه ذلك لأن العلم بالتاريخ المصري ينقصه، وأغرب ما في أمره أنه يحاول أن يستر التقليد بالجهل؛ فقد جارى الدكتور جورج إيبرز في اعتبار نتيتاس — كما سماها — بنت الملك المخلوع، وجاراه كذلك في زفها إلى قمبيز على أنها بنت أمازيس فرعون مصر الغاصب، ثم راح يزعم أن الدكتور إيبرز هو صاحب القول بأن نتيتاس كانت زوجًا لكورش لا لقمبيز ابنه، كما قال شوقي:

‏إن الذي قال ذلك هو الدكتور إيبرز، وقد كتبها متأثرًا بالحضارة اليونانية شأنه في ذلك شأن كل المؤرخين الإفرنج الذين يتكئون فيما يؤرخون على الحضارة اليونانية، غير عابئين مطلقًا بالحضارة المصرية في ذلك العهد، وأنا المصري ما كان لي أن أسلك الطريق الذي سلكوه في الكتابة عن هذه الحقبة من الزمن، وإنما كان عليَّ أن أعتمد على الحضارة المصرية وأن أسمو بالناحية الوطنية بما يجعلها في مستوى أرفع من النواحي الأخرى ولقد فعلت.

‏والدكتور إيبرز ليس بالكاتب المجهول، فإنه من أفذاذ العلماء بتاريخ مصر، وقد صوره في روايات شتى ليجعل الإقبال عليه أشد، وفهمه أيسر، والصبر على معاناته ‏أكبر كما قال وكرر في مقدمات هذه الروايات، وقد عثر على أوراق من البردي على أعظم جانب من الأهمية ثبت منها أن حضارة مصر بلغت شأوًا بعيدًا مدهشًا، واكتشف أنهم كانوا يعرفون الإخصاء في الطب وغيره من العلوم؛ وأن الرمديين كانوا في عهدهم من الفحول؛ حتى لقد كانوا يُجرُون أدق العمليات التي يعرفها أطباء الرمد الآن، وقد تناول الدكتور إيبرز فتح قمبيز لمصر في رواية «الأميرة المصرية»، والذي فيها هو أن نتيتاس زُفَّت إلى قمبيز لا إلى كورش أبيه! فشوقي بك يجاريه ويأخذ عنه ثم يذهب يعزو إليه ما لم يفعل، ويفضل أن يُرمَى بالجهل على أن يقال إنه جارى إيبرز أو سواه.

‏ولكنه جاراه بغير تفكير كما قلنا، فكانت النتيجة أن أقام بناء روايته على الرمل أو الماء، ذلك أن الدكتور إيبرز جعل أمازيس يتخذ نتيتاس بنتًا له كبنته الحقيقية، ويكتم الناس جميعًا أنها بنت الملك المخلوع، فلم يكن أحد يعرف سر مولدها إلا اثنان غير الملك: بسماتيك ابنه وولى عهده، وفانيس الإغريقي الذي كان قائد الحرس الملكي، والذي كاد يُقتَل ثم شفع له الملك واكتفى بنفيه؛ لأنه أمر خادمه فقتل بضعة قطط وألقى بها في النيل وهذه كانت جريمة في تلك الأيام، اغتنم الكهنة فرصتها، وكانوا هم وبسماتيك يكرهونه فاستغلوها، حتى نتيتاس نفسها — في رواية إيبرز — لم تكن تعرف سر هذا المولد فسافرت على أنها ابنة الملك القائم، وأن أباها آثرها لقمبيز لأن أختها أضعف منها بنية وأقل صبرًا على مشقة السفر والرحيل إلى فارس؛ فلما زُفَّت إلى قمبيز كانت عنده هي الأميرة، ولكن الدسائس أحاطت بها في القصر وفي خارج القصر، فأما في القصر فمن زوجات قمبيز وجواريه حتى لقد اتهمت في أخيه ثم ظهرت براءتها وعفتها، وأما من خارج القصر فمن ناحية فانيس طريد مصر واليونان جميعًا والذي التحق بخدمة فارس وهو حاقد على بسماتيك وما لقي منه، فاطلع قمبيز على سر ميلاد زوجته وأيَّده في ذلك الطبيب المصري الذي ذهب إلى فارس ليعالج عينَي أم قمبيز وكانت قد عميت، فاعتبر قمبيز نفسه زوجًا لبنت ملك مصر الشرعي، على اعتبار أن أمازيس اغتصب الملك من أبيها، وأن ابنه بسماتيك أقل منه استحقاقًا للملك.

‏ولما كان هو قد تزوج بنت الملك الشرعي الذي خلعه أمازيس؛ فهو أحق وأولى من بسماتيك وبهذه الحجة غزا مصر وعليها اتكأ، وإن كان السبب الحقيقي هو أن ذلك كان عصر التوسع الفارسي وزمن الفتوح، وأن القوة هي التي أغرت بالعدوان.

‏وأقل ما في رواية الدكتور إيبرز أنها أقرب إلى النقل وأدنى إلى الحقائق في جملتها وإن لم تَخْلُ من زيادات وحواشٍ استوجبتها الضرورة في صوغ القصة وسبكها، أما رواية شوقي فليس أغرب منها ولا أبعد عن العقل ولا أولى بعدم التصديق؛ فقد جعل نتيتاس بنت الملك المخلوع بعيدة عن القصر وجعل المعروف عند كل امرئ كبيرًا كان أو صغيرًا أنها بنت الملك السابق؛ حتى إن زيارتها للقصر يسوء وقعها في نفس نفريت:

نفريت:

تكلمي واقتصدي
نتيتاس:
ولم أزل مقتصده
نفريت:
أتيتِني شامتة؟
نتيتاس:
لا بل أتيت مسعدَه

‏ثم تقول نتيتاس إنها ما جاءت تطلب مالًا منها أو من الملك فتسألها نفريت:

ففيمَ إذن جئتِ يا نتيتاس؟

‏وفي أيِّ شأنٍ نقلتِ القَدَم؟

‏كأن حضورها إلى القصر مستغرب، والذي بينها وبين الملك سر؛ فهي حين تدخل عليه تحيِّي العرش دون الجالس عليه فيسألها:

‏وسلام الذي على عرش مصر

‏لا تؤدينه؟

‏نتيتاس:

‏وكيف أُؤدِّي؟

‏ليس بين ابنةٍ وساقي أبيها

غصَّة الموتِ من سلامٍ وودِّ

إن حقدي عليك دَنٌ وبِرٌّ

رب لا يذهب العقوق بحقدي

فرعون:

احملي الحقد لي أو اطرحيه

وتمني عليَّ جاهي ورِفدِي

اسألي تسألي أباك

نتيتاس:

معاذ الدم

فرعون ليس دنياك قصدي

فرعون:

فيمَ قد جئتني إذن؟

‏‏فهي مع الملك وابنته على حرف بل حروف، ومع ذلك يسرع شوقي فيجعل الملك يتظاهر فجأة بأن هذه الفتاة التي لا يجهلها أحد في مصر ابنته، ويقدمها لوفد فارس الذي حضر قبل بضعة أيام وهو يعرف أو من حقه أن يعرف من ابنة الملك — وإلا فمن جاء يخطب؟ — على أنها ابنته، وذلك في حفلة كبيرة يشهدها الوفد ورجال الدولة جميعًا من كهنة وساسة وقوَّاد … إلخ، ثم يذهب بها الوفد إلى فارس.

‏وعلى هذا الأساس الواهي الذي ليس بأساس قط يبني الرواية كلها وعلى مداره تجري الحوادث، وقد صوَّر المصريين في الرواية على غير حقيقتهم، ويرفع لهم صورة زرية، وقد نقلنا في مقالاتنا السابقة أبياتًا في هذا الصدد فلا نغثي أنفسنا وقُرَّاءنا بتكريرها، وجعل الشأن كله للأغارقة ولا شأن للمصريين، ولم يكن المصريون كما وصف، ولا كان شأن الأغارقة كما صوَّر، نعم، كان الملك أمازيس يستعين بالإغريق لأنه غاصب، ولأنه لا يطمئن إلى ولاء المصريين ولا يأمن جانب الكهنة، ولكنه كان مع هذا عاجزًا عن التخلص من نفوذ الكهنة، غير مستطيع أن يتحرر من رقابتهم، حتى لقد بلغ من خوفه منهم أنه كان يخشى إذا مات ألا يسمحوا بدفن جثته، وكان الشعب كله ناقمًا ‏على استخدام المرتزقة من الأجانب، وعلى رأس الساخطين والمقاومين لهذه السياسة ولي العهد نفسه والكهنة، وكان الجيش مصريًّا وإن كان الملك قد احتاج أن يتخذ لنفسه حرسًا من مرتزقة الإغريق، فليس بصحيح ما يقوله شوقي على لسان أحد الفرس:

أَخِي ما رَأيتُ بمِصْرَ الجُنُود

ولَمْ يَأخُذِ العينَ مِنهُم أحد

سوى فِتيةٍ من جُنُودِ القُصُور

وضُبَّاطِها في الثِّيَابِ الجُدد

يرُوحون فِي الخُوذِ اللامعات

ويَغدُون في الذَّهب المُتَّقد

وعلى لسان آخر:

إذن هو مُلكٌ بلا حَائطٍ

رَقيقُ الأواسي ضَعِيفُ العمد

خَلا الوَكْر من صرخاتِ العقاب

ونامَتْ عن الغَابِ عَينُ الأسد

أُولئك لا فِي حمَاةِ الدِّيار

ولا في العَدِيدِ ولا فِي العَدَد

طَواويسُ فِي عرصات القُصُور

تَرُوقُ تَهاوِيلُها من شهد

‏فإن هذا وصف لا ينطبق على حال مصر وجيشها؛ ذلك أن نفس أمازيس الملك الغاصب لم ينتصر إلا بقوة الجيش المصري على الأغارقة الذين احتمى بهم الملك السابق، وكان قد أرسل أمازيس بقوة مصرية في حملة من الحملات؛ فأصابها الظمأ في الطريق وارتابت في مقاصد الملك، وظنت أنه أراد التخلص منها، وأنه يضحي بها لحساب الأغارقة، فثار الجيش وخلع الملك وتولى أمازيس وانهزم الأغارقة في كل موقعة، وقد كانت فارس تفكر في غزو مصر قبل قمبيز ولكنها أشفقت من عواقب ذلك، حتى قمبيز نفسه على كل قوته وعلى كثرة ما جمع من الرجال وعُدَد الحرب احتاج إلى الحيلة؛ فصدر جيشه بالقطط وما إليها من الحيوانات المقدسة، فامتنع المصريون عن الضرب اتقاء لإصابتها، فهو لم يغلبها بالقوة، ولكن بالحيلة.

(للكلام بقية)

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.