نشأنا في زمن كانت تُهَمُ الرِّشوة والاختلاس فيه من أشنع التهم التي يتعرَّض لها الموظف ويتحدث بها جمهرة الناس.

كان الاهتمام بها شديدًا، وكانت عقوبتها سريعة رادعة، وكان تلفيقها خطرًا على الملفق كما كانت صحتها خطرًا على من تُنسب إليه.

وكان «لورد كرومر» قيصر قصر الدوبارة كما كانوا يلقِّبونه في ذلك الحين، وقد اشتهر الرجل بالاستقامة والنزاهة في الشئون المالية، وخرج من مصر فقيرًا فمنحته حكومته خمسين ألف جنيه ليتمكَّن من نفقة المعيشة التي تتطلَّبها إقامته في عاصمة بلاده بين طبقة النبلاء.

ولكن استقامته هذه لم تكن هي سرَّ اهتمامه الوحيد بجرائم الرشوة والاختلاس، وإنما كان لها سرٌّ آخر من أسرار السياسة الاستعمارية، وهو رغبته في تسويغ وجود الاحتلال بتلك الذريعة التي كان يتذرَّع بها أمام الدول الأجنبية، وخلاصتها أنهم جاءوا إلى مصر لإصلاح الأداة الحكومية، وأنهم من أجل ذلك مضطرون إلى إسناد المناصب الكبرى إلى رؤساء أو مستشارين من الإنجليز، وتخويل الموظف الإنجليزي حق الرقابة على رؤسائه المصريين.

ولهذا كان يُبالغ في استقصاء دعاوى الرشوة والاختلاس في المناصب الكبيرة على الخصوص، كلما حامت الشبهة فيها على أحد من الرؤساء الوطنيين.

ولكنه على قدر هذه المبالغة في الجانب الذي يمسُّ الوطنيين كان يبالغ في التستر على المرتشي الإنجليزي وحمايته من فضائح المحاكمة والإدانة، مكتفيًا بإقصائه عن البلاد في غير جلبة، ليحتفظ بحجة الاحتلال في الإشراف على أداة الحكومة وإخضاع كبار الموظفين الوطنيين للرقابة الإنجليزية.

إلا أن هذه المبالغة في اقتناص الشبهات قد حملت الموظف المصري على المبالغة في اجتنابها ودفع مظنتها؛ فأصبحت شبهة الرشوة والاختلاس شبحًا مرهوبًا في جميع البيئات، وظلت كذلك إلى أن أصيب العالم كله بلعنة الحرب العالمية ومفسداتها، فجنت على مصر كما جنت على غيرها من البلدان.

نذكر هذا لنذكر أننا خليقون أن يكون اهتمامنا باستئصال جذور الرشوة والاختلاس أشدَّ وأفعلَ من اهتمام المحتلين، مع اختلاف أسباب الاهتمام في الحالتين …

فإذا كان المحتلون قد اهتمُّوا بالرشوة لاتهامنا وتسويغ عدوانهم على استقلالنا، فنحن أحرى أن نهتمَّ بها لتشريف سمعتنا وحماية شعبنا وتوطيد دعائم الاستقلال والإصلاح في جميع مرافقنا.

ولهذا نودُّ لو ضاعفنا العقوبة على هذه الجريمة، وضاعفنا الوسائل التي تؤدي إلى كشفها ومعاقبة المسئولين عنها.

ويكفي أن يُدان بها نفر قليل ممن يستبيحونها لتحيط بها الرهبة التي تُغنِي في استئصالها عن كثير من الجهود التي لا فائدة فيها.

كُشِفت في الأيام الأخيرة تزويرات متعددة في أذون الصرف التي يستخدمها بعض المصالح للصرف من خزانة الدولة.

ومن الحسن أن يكشف هذا التزوير، وأن يَجري التحقيق فيه على الأثر بالهمة التي يجري بها الآن.

لأننا في هذه الآفة بين حالات ثلاث نفرضها على كل احتمال: فإما أن يحدث التزوير ولا ينكشف أمره، وهذا هو أسوأ الحالات وأدعاها إلى التشاؤم وسوء المصير.

وإما أن يمتنع كل الامتناع، وهذا هو أحسن الحالات، بل هذا هو الحالة المثالية التي تتوخَّاها جميع الحكومات.

ولكن الطمع في هذه الغاية المثالية شيء كثير في كل زمن، وهو على الأخصِّ شيء كثير في الزمن الذي يعبره العالم كله بعد الحرب العالمية، مع انتشار فتنة الكسب، وغلبة الشهوات، ومحنة الغلاء، وقيام دعوة عالمية تعززها قوى الهدم المسلَّطة على المجتمعات البشرية في عصرنا هذا، لتقويض دعائم الاجتماع وإفشاء الرذائل والمنكرات في جميع زواياه.

فالحالة المتوسطة بين هذه الغاية المثالية وبين وقوع التزوير وكتمانه أو اختفاء أمره هي أن يظهر التزوير كلما وقع وحيثما وقع، وأن يلحق ظهوره عقاب صارم سريع، وحسم لأسبابه يقطعها من جذورها ولا يترك لها سبيلًا إلى النمو مرة أخرى.

ويجب أن يحدث هذا علانية وجهرًا فلا يحملنا اعتبار من الاعتبارات على حصره وتضييق نطاقه، كسوء السمعة، وعموم العبرة، وانقلاب أمرها إلى خسارة وتشهير.

وليس من غرضنا تشجيع الاتهام؛ لأن تشجيعه قد ينتهي بنا إلى تلبيس الحق بالباطل والافتراء على الأبرياء والشرفاء الذين لا يستجيبون لإغراء الرشوة والاختلاس.

ولكننا نعتقد أن محاربة الرشوة والاختلاس ميسورة بغير تشجيع الاتهام وتهوين الافتراء؛ لأنها يمكن أن تحارب بضبط وسائل التحقيق، وتحديد التبعات، وإذاعة العقوبات الصارمة التي تصدر من القضاء أو مجالس التأديب.

إن قوانين الإصلاح كلها تذهب سُدى إذا انقلب تنفيذها إلى تجارة في أيدي المرتشين يعطون منها ويمنعون على حسب الهوى والمنفعة لا حسب الواجب والاستحقاق، فضمان التنفيذ الصالح جدير منا بعناية لا تقلُّ عن عنايتنا بدرس المشروعات وسنِّ القوانين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.