كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس المَاضي، حين تسَامع الناسُ في أقطار الأرض بذلك الصراع العنيف البغيض بين الفرنسيين وإخواننا من أهل مراكش والجزائر، وبما كان له من أثر خطير في اضطراب الرأي العام الفرنسي، وتفرُّق الفرنسيين شيعًا وأحزابًا؛ يُريد الصادقون الأوفياء منهم للثورة الفرنسية أنْ يَكُفَّ وطنُهم عن هذا البغي الآثم، الذي يُنكِر أصولَ تلك الثورة إنكارًا، ويريد الطامعون الجَشِعون إلى المال أنْ تبسط فرنسا سُلطانَها على تلك البلاد مهما كانت وسائلها إلى ذلك، ومهما تُهدَر فيه من دماء أبنائها ودماء الوادعين من أهل تلك البلاد، ومهما تُلقِي في سبيله من قِيَم الحق والعدل والإنصاف.

وكانت الصُّحُف في أقطار الأرض مُتنبِّهةً لتلك الأحداث الجِسَام، حريصة على أنْ تتلقَّى أنباءها في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، ولم يكن المُنْتِجون لأفلام السينما أقل تَنَبُّهًا لتلك الأحداث وتحرُّقًا على أخبارها … فالصحف تُروِّع بالأنباء والصور، ولكن الناس يقرءونها مُتفرِّقين حين يَخْلُون إلى أنفسهم، فيُرَوَّعون فيما بينهم وبين ضمائرهم، ويتحدثون بذلك حين يلقى بعضُهم بعضًا.

فأمَّا أفلام السِّينما فهي تُحْدِث الروعَ الاجتماعيَّ حين تفجأ الجماعاتِ الضَّخمةَ بصور هذه الأحداث تتحرَّكُ أمامهم، وتقع بمَرأى مِنْهُم ومَسْمَع، فهم يشهدونها وإن بعدت بينهم وبينها آماد الزمان والمكان، وهم يتأثَّرون بها تأثُّر الشاهد لا تأثر الغائب، كأنهم يُشارِكون فيها، ويحتملون أثقالها وأوزارها، وهي تُثير في قلوبهم أقصى ما يُمكن أن تُثير منَ الرَّوع الذي لا أعْقَابَ له ولا إثم فيه.

والناس لا يُحِبُّون شيئًا كما يُحِبُّون الروعَ وهم آمنون، ولا يَكْلَفون بشيء كما يَكْلَفون بالقلق وأجسامهم مستقرة في أماكنها، وقلوبهم هادئة في صدورهم، وضمائرهم راضية لا تتعرَّض لبأس أو مكروه. ومن أجل ذلك، يحرص المنتجون لأفلام السينما على أن يلتقطوا صور هذه الأحداث حين تقع، ويعرضوها على الجماعات؛ ليثيروا في نفوس الناس هذا الخوف الآمن، وهذا الروع المطمئن.

وقد حرصَتْ شركةٌ من شركات الأفلام على أنْ تُصوِّر بعضَ الهَوْلِ الذي كان يُصَبُّ على أهل الجزائر في تلك الأيام؛ فأبرقت إلى أحد مُمَثليها أن يبتغي الوسائل إلى تصوير بعض ذلك، وأنْ يَكون إلى ذلك سَابقًا مُجلِّيًا لتستأثر منه بما تُحب، وتتفوَّق على مُنَافِسيها بالسبق إلى إرضاء الناس.

ولكنَّ أَمْرَها وصل — فيما يظهر — بعد فوات الوَقت إلى مُمَثِّلها، والمُمثِّل حريصٌ على أن يبلغ منها موقع الرضا، والمالُ أيسرُ الوسائلِ إلى ذلك وأبْلَغُها أثرًا، فمَا يَمْنَعُه أنْ يُنفق آلافًا قَليلَةً أو ألوفًا كثيرة ليبلغ من ذلك بعض ما يُحب إن فاته منه كل ما يريد.

وقد فعل فأسرع إلى بعض الجُند وفاوضه في الأمر، وعرض عليه قليلَ المالِ أو كثيرَه، وقَبِل الجنديُّ في غير مشقة ولا عناء. وما يمنعه من ذلك والأسرى كَثِيرونَ والرصاص مَيْسُور، والمَالُ قليلٌ، والحاجات لا تُحْصَى ولا تنقضي؟!

وكذلك اختار الجنديُّ أحدَ الأسرى في المَوعد المَضروب لذلك، وأمر مُمَثِّلَ شركةِ الأفلام أنْ يتهيَّأَ للصور، وأَمَرَ الأسيرَ أن يمضي أمامه، وأمر أداةَ الموتِ أنْ تُطلِق بعضَ ما فيها من الرَّصاص، وسقط الأسيرُ يتشحَّط في دمه، واندسَّت يدُ المُمَثِّل في جيبه، ثم اندست يدُ الجُنديِّ في جيبه، وقُضِي الأمر!

وسُفِك دم البريء، قد بِيعَ بأوراق معدودة من آلاف الفرنكات، وكأنَّ أحدًا لم يرَ شيئًا، وكأنَّ أحدًا لم يسمع شيئًا، وكأن دماء الناس لم تُحَرَّم على النَّاس بغيرِ ذَنبٍ! وكأنَّ نفُوسَ الأسرى مِلْكُ للجند يُزهقونها حين يشاءون، وحيث يشاءون، وكيف يَشَاءونَ! وكأنَّ قوانين الحرب — إن كانت هناك حرب — لم تكفل أمن الأسرَى على نفوسِهم ودِمَائهم حتى يَقْضِيَ القضاءُ في أَمْرِهم فيأذن لهم بالحياة أو يفرض عليهم الموت.

ولكنَّ الناسَ رأوا وسمعوا وأسرَّ بعضُهم إلى بعض، ثم جهَّز بعضهم لبعض، ثم شَاعَ النَّبأ واستفاض حتى ارتفع إلى قائد الجيش، ثم إلى الحاكم العام. وأمرت الحكومةُ بالتحقيق كما أَمَرَتْ بالكتمان، وحَظَرت النشر وحرَّمَت الإذاعة. ومضى التحقيق بطيئًا يتعثر إنْ كان أحد قد أخذ فيه.

وفي أثناء ذلك، أُرْسِلت الصُّور إلى شركة الأفلام، ونُشرت في شمال أمريكا وجنوبها، ونُشِرت في بعض الصحف الأمريكية والفرنسيون ساهون لاهون أو أيقاظ متنبهون، ولكنهم لا يقولون شيئًا، ولم يشقوا على أنفسهم بالقول ولم يكلفوها اللوم والإنكار، وإنما هو دم رخيص بِيعَ بثمن بخْسٍ، فهو أهونُ من أن يستأهل لومًا أو إنكارًا! ومتى حفل السادة بدماء العبيد؟! ومتى اهتم المُتحضِّرون الممعنون في الحضارة بنفوس الهمج من عرب الجزائر وبربرها؟!

ومضت شهور خمسة لم يُذكَر فيها هذا الحدث ولم يُنكَر، ولكن الحرب الانتخابية تشب في فرنسا، وتبلغ أقصى ما يمكن من العنف، وليس بد لمنديس فرانس من أن يُسقِط إدجار فور ليستأثر من دونه بالحُكم حين تجتمع الجمعية الوطنية، وله صحيفة سيارة تُروِّج له في الانتخابات، فما يمنعها من أن تُذيع نبأ هذا الحدَث الآثم لتثير الناس على رئيس الحكومة قبل الانتخاب بيومين أو بثلاثة أيام؛ ليذكر الناس هذا الإثم يوم يسعون إلى صناديق الانتخاب؟!

وكذلك نشرت صحيفة الإكسبريس هذا النبأ؛ فثارت له الجماعات وثارت له الحكومة، وخاضت فيه الصحف الفرنسية كلها، ثم جاء يوم الانتخاب فلم يسقط إدجار فور، ولم يسقط منديس فرانس، وإنَّما نجَحَ الخَصْمَان ليَمضيا في صِرَاعِهما أمَام النواب حين يجتمعون. وكانَ طبيعيًا ألا يسقط هذا أو ذاك؛ فدم رجل من أهل الجزائر أهون من أن يَضِيع فيه كرسي على مرشح فرنسي للجمعية الوطنية الفرنسية كائنًا هذا المرشح من يكون، وكائنًا ذاك الجزائري من يكون!

هذه هي القصة التي تَسْتَطيع أنْ تقرأهَا في جميعِ الصُّحف الفرنسية، والتي أذاعها البرقُ في جميع أقطار الدنيا، وكتبت فيها بعضُ الصحف المصرية، ولا ينبغي أن تسأل كيف هان دم الإنسان على الإنسان إلى هذا الحد، ولا أن تسأل كيف تعثر التحقيق خمسة أشهر كامِلَة دون أن ينتهي إلى غاية، ولا أن تسأل كيف لم يُحاسب قائد الجيش في الجزائر ولا الحاكم العام في الجزائر عن تعثر التحقيق بهذه الأشهر الطوال، ولا أن تسأل كيف سكتت الحكومة الفرنسية وسكت خصومها، وسكت الذين عرفوا هذا النبأ من الفرنسيين في الجزائر وفي فرنسا نفسها، كيف سكت هؤلاء جميعًا على هذا الفكر البغيض خمسة أشهر كاملة، ولم يذكروه إلا حين احتاج إليه أحدهم لِيُسْقِط خَصْمَه في الانتخاب؟! ولا أن تسأل عن هذه القيم العليا المقدسة؛ قيم الحق والعدل والحرية والمُساواة وإنصاف المَظْلُومين من الظالمين، والأخذ للضعفاء من الأقوياء!

ماذا صنع بها المتحضرون المتفوِّقون في الحضارة من الفرنسيين الذين سبقوا إلى الاعتراف بحق الإنسان منذ أكثر من قرن ونصف قرن، لا تَسَلْ عن شيء من هذا! فأنتَ تعيشُ في عصرٍ قدْ أُهدِرَتْ فيه كل هذه القيم؛ أهدرتها القُوَّة الجَامِحَة حين لا تجد من يَرُدُّها عن البغي أو يصدها عن الظلم والطغيان.

وأهدرها حب المال الذي لا يعدل بامتلاء الخزائن شيئًا، ولا يتردد في سفك الدماء وإزهاق النفوس، وتيتيم الأطفال، وتأييم النساء؛ ليُتاح لقلة قليلة من الناس أن يعيشوا آمنين وادعين في حياة ناعمة قوامُها اللذة والمَتاع، وأهدرتها الأثرة التي تُبيح لجندي أن يَسْفِك دم أسير لينعم يومًا أو أيامًا بحياة خير من حياة الجند.

لا تسأل عن شيء من هذا؛ لأنَّك تعيش في عصر قد هوَّنَت الحضارةُ فيه على الأقوياء كُلَّ شيء، وجعلتْ دماء الضعفاء أرخص ما يجري عليه البيع والشراء، وسَلْ إن شئتَ عن شيء آخر هو الجدير بأنْ تَسأل عنه، وأنْ تُفَكِّر فيه، وأنْ يُنَغِّص عليك يقظتك أثناء النهار، ويذود عنك النوم أثناء الليل: كيف تَصْبِر الإنسانيَّةُ على الاستعمار الذي يَجُرُّ عليها كلَّ هذا الهوان؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.