ومن قبيل الشهرة التي تطغى على التاريخ كما تطغى على اللغة شهرة «الأفغاني» وجمال الدين.

مَن مِن القراء يعرف جمال الدين «الأسد آبادي» إذا سمعه بغير تعليق أو توضيح؟

إن بحثنا منسوبًا إلى ابن شقيقة جمال الدين «ميرزا لطف الله خان» يقرر لنا أن «الأفغاني» جمال الدين خطأ … وأن الصواب «الأسد آبادي» جمال الدين.

ويستغرق البحث قرابة مائتي صفحة تشتمل على وثائق مفصلة وقرائن معقولة وأقوال يشهد بها بعض الأحياء، مؤدَّاها جميعًا أن المصلح العظيم من «أسد آباد» بإيران وليس من «أسد آباد» ببلاد الأفغان.

وهذا الكلام قيل قبل اليوم وذكرت له أسبابه في غير موضع من تراجم المصلح العظيم، ولكننا لم نقرأه بهذا التفصيل في بحث مطول كالبحث الذي كتبه ميرزا لطف الله خان.

ولا نقول إن هذا البحث الجديد يبطل الخلاف في هذا الموضوع المطروق، ولكننا نقول إنه يضيف إليه أشتاتًا من الأسانيد لا يهملها الباحث ولا تُترَك بغير متابعة واستقصاء.

وإنني لأخرج من قراءة البحث، وأنا لا أزال أبحث في ضميري عن «الأفغاني» الذي سيثبت أنه ليس بأفغاني، أن الأسد آبادي الذي لا يُعرَف إلا بنسبته إلى الأفغان، ولو تحقق كل ما قرره لطف الله خان.

على أنني أعود فأقول إن برهانًا أقوى من كل برهان يظل بحاجة إلى التصحيح بعد كل وثيقة وكل شهادة، وذلك هو برهان الملامح في وجه جمال الدين.

فمن نظر إلى ملامح العينين والوجنتين في صور جمال الدين لم يسعه أن يبتعد به عن نسب قريب من الهند ولكنه غير خالص «للدم» الهندي في جملته، وكأنه من سلالة عربية امتزجت بنسب هندي من طريق المصاهرة الحديثة.

ولا يمنع هذا أن يتنقل أسلافه بين حدود إيران وحدود الأفغان كما حدث في تاريخ كثير من أعلام الإسلام بعد الدولة الغزنوية على الخصوص.

وعندنا أن دلالة الملامح ستبقى بعد كل دلالة في انتظار الكلمة الفاصلة، ولو تعذر إثباتها بغير النظر والتخمين.

ومن الذي ينظر — مثلًا — إلى وجه نابليون بونابرت ويشك في أنه إيطالي صميم؟! هل نعلم ذلك لأننا نعلم أنه من جزيرة كورسيكا الإيطالية؟! كلا … فقد نشأ في كورسيكا فرنسيون لا شبه بينهم وبين الإيطاليين، ولكننا نعلمه من الملامح التي تدركها العين كما تدرك الشبه بين الخطوط، وتوقن من الفارق فيها بين كلمة وكلمة.

وربما تعذر توضيح وجوه الشبه على نمط يمنع كل خلاف، ولكنها تبقى هنالك تلح علينا في طلب التوضيح …

وسيثبت ما يثبت عن المكان الذي وُلِد فيه المصلح العظيم، ولكننا ننظر إلى ملامحه آخر الأمر؛ فنقول: هنا ملامح تتكلم، وهنا كلام يجب أن يُفهَم، ولا بدَّ من الإصغاء إليه، ولو أفضى بنا الإصغاء إلى السكوت.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.