إن بعض نظرات السير هلبس تذكرنا قول جوتا:

إن الصواب المجهول إذا عرفه الإنسان كانت له فجاءة الأمر المتوقع، وبغتة الأمر المعروف المنسي.

كما أن بعضها يذكرنا قول جوتا أيضًا:

إن الناس يزهدون في الحق؛ لأنه معروف مملول مألوف، والألفة تبعث الملل، وهم لا يستطيعون تطبيقه وإنجاحه وتحقيقه؛ فهو يشق عليهم في العمل وإن كان لا يشق عليهم في الفكر.

ولقد كان منذ عهد الصغر كثير القراءة والاطلاع، وكان يجمع بينهما وبين التفكير فيما يقرأ، فنشأ عن ذلك أنه نشر نظراته في عهد الشباب، فدلَّت على حكمة الكهول، وعلى أصالة الفكر. وكان من أصدقائه أرثر هالام وتنيسون وغيرهما من الكُتاب والشعراء. وكان مُثقَّفًا ثقافة عامة، فكان قصصيًّا، وكان مُؤرِّخًا، وكان كاتبًا أدبيًّا، وكان سياسيًّا من الأحرار المُعتدلين، وكان مُلمًّا باللغات وآدابها. وقد ذكره رسكين في بعض كُتبه وقرَنه إلى أفلاطون وكارليل، وقال عنه إنه كان ذا بصيرة بالأمور وأصالة في الرأي.

وقد نسي الناس قصصه وكُتبه التاريخية، ولم يبق غير نظراته وأفكاره ورسائله. وهذه نظراته ندع القارئ يحكم عليها أو لها، وهو سيجد فيها فكرًا عميقًا، وبصيرة بالنفس الإنسانية، كما سيجد فيها طلاوة الخيال الذي يُوضِّح الحقائق ويُفسِّرها. وقد تولَّى منصبًا في المجلس الخاص في عهد الملكة فكتوريا، وكان من المقربين لديها.

وفيما يلي بعض نظراته مع قليل من التعقيب:

(١) إذا أساء إلينا مسيء، وكانت لنا سلطة وقدرة عليه وتحكُّم فيه، فإننا قد نشعر بالغضب ونُظهره أكثر من شعورنا به وإظهاره إذا لم تكن لنا تلك القدرة على المسيء. وهذا من طغيان الطبيعة البشرية التي قد تسهِّل على المرء تحمُّل الإساءة ممَّن لا سلطة له عليه، ثم يقتصُّ لنفسه ممَّن له سلطة عليه بإظهار الغضب، والاستسلام والتمادي فيه.

(٢) كثيرًا ما ننسى أن من الناس ناسًا يلبسون نفوسهم كمن يلبس ثيابه مقلوبة، فيظهر الوجه الأقل حسنًا، ويخفي الوجه الزاهي الكثير الحُسْن.

(٣) من الخطأ أن يقال إن المرء إذا تعوَّد معرفة عيوب مُعاشِريه ونَقائصهم لا يأبَهُ لها ولا يحسُّ بها؛ فالواقع هو أننا نزداد شعورًا بها حتى إننا كثيرًا ما نَحسبُ أننا نجدها في حالات لا توجد فيها ولا تُرى. وذلك من سوء الظن الذي يلازمنا في عشرتهم.

(٤) ليكن اغتفارك ما تغتفره وما تصفح عنه أشبه بالنسيان منه بالاغتفار؛ لأنه إذا لم يكن كذلك كان الاغتفار أشبه بالمَنِّ عليهم والاعتداء الذي يكرهونه، وقد يَمقتونك من أجله.

(٥) لا تتوقع أن تسمع من كل إنسان شرحًا مقنعًا لأسباب سلوكه؛ لأنه كثيرًا ما يغفل عن أهمها، أو يسهو عنها، أو ينساها، ولو أن أثرها موجود في نفسه، وكثيرًا ما يتقدم المرء للسامع بالأسباب التي يظن أنها راجحة محبوبة عند سامعه، وإن لم تكن أسباب سلوكه الحقيقية أو أهمها، وإنما يفعل ذلك تقرُّبًا إليه ورغبةً في نيْل التزكية منه؛ فتَنُمُّ تلك الأسباب التي يُفسِّر بها سلوكه عن رأيه في خِصال سامعه الذي يزكي نفسه لديه، وتُفشِي رأيه المستتر فيه.

(٦) من الصعب الحكم على أسباب الخصومة؛ لأن ظروفها القريبة قد لا تكون ذات صلة بالأسباب الحقيقية، كما أن مكان المعركة قد لا يكون سبب حدوثها. وكثيرًا ما تختفي الخصومة كاختفاء الماء الذي يجري في بطن الأرض، ويخرج في مكانٍ سحيق بعد أن تعتوره أحوال عديدة، ولا يدل مكان ظهوره على نشأته.

(٧) إذا تعوَّدت الاستسلام لمحبي أنفسهم من ذوي الأثرة طلبًا للراحة من عناء إلحاحهم؛ فإن ذلك كثيرًا ما يؤدي إلى تضييع ما هو أمانة في عنقك من مصالح الناس عامة، وليس بعد تضييع الأمانة إلا إنكارها وإنكار تضييعها، والإمعان في الظلم، وما يجره من الفساد والشرور وسخط الناس.

(٨) لا تجعل غضبك وامتعاضك مقياسًا لخطأ أحد الناس؛ فإن الغضب والامتعاض قد لا يعادلان إساءته أو خطأه، وإذا تعوَّدت ذلك تعوَّدتَ الظلم وقلة الإنصاف؛ لأن للنفس حالات تغضب فيها من الخطأ القليل غضبًا أشد من غضبها من الخطأ الكثير في حالاتٍ أخرى، أو مع أناسٍ آخرين.

(٩) كثيرًا ما يهوى الناس مناقضة الصفات المعروفة في نفوسهم ومخالفتها، فترى الرجل الكثير التغاضب والشراسة يجنح في بعض الأحايين إلى اللطف والدعة والتسمُّح؛ لكي يُضلِّل الناس إذا أحس أنهم فَطنُوا إلى شراسة طبعه.

(١٠) لو أعطي الإنسان القدرة على أن يتحول بالتمني، وأن يكتسب به جمالًا لما تمنَّى إلا ما يجعله نسخة جميلة لشخصه قبل التمني، وكذلك لو استطاع أن يُحوِّل نفسه بالتمنِّي، فإنه لا يتمنَّى لها إلا أن تكون نسخة جميلة من صورتها الأولى قبل التمني.

(١١) لو بحثنا ما يسميه الناس الثبات؛ فإننا نجده في كثيرٍ من الأحوال الإلحاح الناشئ من حب الذات، والإصرار الناتج منه؛ فيَتَزيَّا في رأي الناس بزيِّ الثبات على المبدأ، ويُسمَّى باسمه.

(١٢) لو استطاع الساخط على إنسان أن يحس كأنه محامٍ يدافع عن المغضوب عليه بأجرٍ يُرضيه؛ لدُهِش لكثرة الحجج التي يستطيع أن يُدلي بها لصالحه كي يثبت براءته، أو عذره، وكي يثبت إساءة نفسه في سخطه.

(١٣) إن سرورنا بمن نستطيع أن نُغيِّر رأيه أعظم مِن سُرورنا بمن يوافقنا قبل الحاجة. وقد يعرف الماكر هذا الأمر؛ فيختلف معنا اختلافًا قليلًا، ثم يعود فيُظهر الاقتناع برأينا كي يسرَّنا سرورًا يدفعنا إلى قضاء حوائجه.

(١٤) إذا استسلمت إلى سوء الظن وجدت غذاء كافيًا لسوء ظنك يزكيه، كما أن أُذُن المُؤَرق اليقظان يسترعي انتباهها في سكون الليل كل صوتٍ خافت.

(١٥) إن الناس يلجئون إلى الغش، ويعدونه أسهل الوسائل وأقربها، مع أن صاحب الغش لا بد أن يكون ذا نفس يَقْظَى، وعينين متنبهتين، وأذنين سامعتين لكل أمر؛ كي لا ينكشف غشُّه؛ فهو في أشق الأمور، وأسهل منه الصدق في المعاملة؛ فلا يحتاج الصادق إلى تنبُّهِ جوارحه لتغطية كذبه.

(١٦) إن الناس يعتدون النصيحة التي ينصحهم بها غيرهم كالضرائب المباشرة المفروضة عليهم كُلَّما ازدادتْ مَقَتَ الناسُ لها. وقلما يلتجئ المرء إلى طلب النصيحة من غيره، إلا إذا أراد تزكية ومدحًا منه لعمله، أو قوله، أو فِكْره، وإذا فطن أن في النصيحة من غيره فائدة لغيره شك فيها وتجنبها، حتى ولو كانت فيها فائدة لنفسه. وأضيع النصح أن تنصح إنسانًا بعمل ما لا يستطيعه.

(١٧) إن ذا الحاجة إذا طلب منك طلبًا، وكانت في قولك له كلمة يَصحُّ أن تُحمَل على محمل الوعد، وأن تُؤَوَّل إليه، وأن تفسر به، فإنها تكبر في ذهنه بالأمل، حتى تصير كالجني المارد الذي خرج من القمقم في قصة ألف ليلة، ويُقاضيك إياها، ويعدك حانثًا كاذبًا، قليل الوفاء، كثير الغدر.

(١٨) من الأمور المضحكة المعتادة أن نرى إنسانًا يلح على آخر كي يقبل منه عطاء، أو هدية، أو معروفًا، وصاحب العطاء أو المعروف في سريرة نفسه لا يريد من الآخر أن يقبل معروفه، أو هديته، أو عطاءه، بينما نرى الآخر يقبل العطاء متضايقًا من إلحاح الأول، ويخشى أن يجرح إحساس ذلك الملحِّ إذا رفض عطاءه أو معروفه، وهو بقبوله المعروف يزداد مقتًا في سريرة الأول.

(١٩) قد يكون غضب إنسان منك ناشئًا من غضبه على نفسه؛ بسبب استسلامه إلى هذا الغضب، وعدم قدرته على كبْحه، وقلة تقديرك لهذه الحالات النفسية منه.

(٢٠) إن الأمور النبيلة الجليلة إذا تأملها المرء طويلًا بإنعام، ولم يتأمل غيرها، فإنها قد تجعله غير قادر على تبيُّن الأمور والحكم عليها حكمًا صحيحًا، ومثله مثل من ينظر إلى الشمس المُتوهِّجة مدة طويلة حتى لا يستطيع أن يُميِّز الأشياء.

(٢١) كما أنه من الصحيح في العلوم الرياضية أن يقال إن النقطة الواحدة لا تُعيِّن اتجاه خطٍ مستقيم، وهي أحرى أن لا تُعيِّن اتجاه الخط المعوجِّ، كذلك لا تستطيع أن تحكم بعمل واحد يعمله المرء على خُلُقه بوجهٍ عام؛ فإن خلق الإنسان — حتى من كان ساذجًا — كثير الاعوجاج، ومع ذلك يُسرع الناس إلى الحكم على أخلاق إنسان بعملٍ واحد من أعماله.

(٢٢) إن من إتقان النفاق والخداع أن يكون صاحبهما عادلًا، مستقيمًا، صريحًا، شريفًا في الأمور التي لا تعنيه، ولا تُعوِّقه عن مطالبه؛ ومن أجل ذلك صار المخادع الماهر لا يستخدم خداعه ونفاقه في كل أمر.

(٢٣) يقال في علم الطبيعة إن اعتراض نوعين خاصين من الأشعة قد يُحدِث ظلامًا في نظرك، وكذلك اجتماع الحجج المُتخالِفة في المحاجَّة للأمر وضده قد يُحدِث ارتباكًا وظلامًا؛ فلا تستبين الأمور إلا إذا بحثتَ كلًّا منها على حِدَة.

(٢٤) كثيرًا ما يُنسَب إلى الرجل الجاهل أكثر الرذائل أو الفضائل؛ لأن الجهل يَبعثُه إلى سُوء الظن، وإلى القسوة وحب الأذى، وكُره الفِكْر والمفكرين، كما أنه قد يتبع قدوة الناس من غير فكر، فيَضل إذا ضلُّوا، ويُصيب إذا أصابوا في عمل الخير، وهو في هذه الحالة الثانية يكون محسوبًا من ذوي الفضل والفضائل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.